قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لا يمكن فهم ما يدور في عراق اليوم من صراعات وتناحرات طائفية وشخصية وحزبية دون العودة إلى الخلف قليلا من الناحية التاريخية ومتابعة تطورات أزمات عراقية إستفحلت وتمددت حتى أضحت معضلة إقليمية تنذر تشابكاتها وأوراقها المتداخلة بشتى الإحتمالات والخيارات!، فملف الأزمة العراقية وبطنها و أحشائها من التوسع والشمولية بحيث أنه يضم متحولات و متداخلات عديدة و متناقضة!.
لقد كانت قمة الكوارث الطائفية الواضحة والمباشرة في تاريخ العراق المعاصر هو (التهجير) تلك الخطوة التي أقدم عليها نظام صدام البائد في ربيع عام 1980 وحينما كان يعد الأسس والخطوات والتوجهات الستراتيجية لإشعال الحرب ضد إيران، وحيث كانت أحداث ربيع(نيسان / إبريل) من ذلك العام هي البذرة التي شكلت الحقل الأوسع لمساحات الدمار العراقية المتشعبة، ففي تلك الفترة وصلت حرب نظام البعث العراقي البائد ضد الحركة الإسلامية العراقية بشقها الشيعي مرحلة الإبادة الشاملة بإعلانه قرارات الإعدام الفورية وبأثر رجعي ضد كل منتسب ومؤيد ومتعاطف مع الحركة الإسلامية وتوجها بإعدام المرجع الديني والفيلسوف والمفكر المعروف السيد محمد باقر الصدر في الثامن من نيسان 1980، ومن ثم لجأ النظام لأبشع عملية تطهير عرقية وطائفية كان هدفها (تجفيف منابع دعم المعارضة الإسلامية) عبر عملية (التهجير) العشوائي الشامل التي طالت قطاعات عراقية وشعبية عديدة بعضها لم يكن معاديا للنظام بالمرة!! بل أن بعضها كان يدخل ضمن نسيج النظام ذاته!!، تلك الخطوة كانت نقلة نوعية في التاريخ العراقي والعربي الحديث، ولكنها لم تكن منفصلة البتة عن سياسات قمعية حدثت في الماضي السحيق كان عمادها عملية التهجير والطرد كما فعل الحاكم الأموي (معاوية بن أبي سفيان) بعد سرقته للخلافة الإسلامية بتهجير آلاف من الأسر و العشائر العربية المقيمة في العراق ونفاها (لخراسان) لأنها تؤيد العلويين! وكما فعل ذلك أيضا الحاكم المجرم الشهير (الحجاج بن يوسف الثقفي) في حكم الحاكم الأموي (عبد الملك بن مروان)!! والطريف أن المعارضة التي تجمعت هناك هي ذاتها التي حملت الرايات السوداء القادمة من خراسان والتي أبادت حكم بني أمية في المشرق!!، وبعد قرون تكرر المشهد التاريخي ولكن أهل الرايات السود القادمة من خراسان لم يسقطوا النظام هذه المرة بل أسقطه (الأميركان)!! لتدخل تلك الرايات السوداء تحت مظلتها وتحاول الهيمنة على قرار الشعب العراقي وتستغل مناخات الحرية والإنفتاح والفراغ السياسي وأوضاع الفوضى في فرض منطقها و منهجها الفكري والسياسي والسلوكي، بل و نجحت إلى حد كبير في فرض منطقها على الشارع العراقي، وقد ترافق ذلك مع إندلاع و نشوب نمط جديد من الصراعات بين أبناء المذهب الواحد تم تصويره على كونه خلافات في الرؤى والتوجهات بينما هو في حقيقته إستمرار لصراعات ونزاعات شخصية وعائلية بين أهل العمائم المقدسة الذين ورثوا هيمنة (رعاة العوجة)! وتم استغلال فقراء الشيعة ومحروميهم في تلك النزاعات العقيمة ليكونوا وقودا رخيصة في صراع هيمنة الأسر الدينية على حياة العراقيين كما يحصل حاليا بين جماعتي (بدر) أي التنظيم التابع لآل الحكيم!، وبين جماعة ما يسمى ب (جيش المهدي) التابع لجماعة مقتدى الصدر الصغير!!، و هو صراع مأساوي و عقيم يدفع شيعة العراق ثمنا باهظا له مما يجلب الكوارث على رؤوس العباد ويشل العراق ويهدد بإفشال عملية التحولات السياسية ويضاف لقوائم الإرهاب البعثي والسلفي ليشكل عنصرا تدميريا للمستقبل العراقي، و هو صراع لن يحسم برفق وسهولة في ظل غياب الدولة المركزية التي صادرتها تلك الجماعات التي تقوم بجرائمها من خلال تسللها وهيمنتها على أجهزة الدولة.. وهي الطامة الكبرى!.
لمحة تاريخية موجزة :
بعد توافد القوى الدينية السياسية العراقية التي كانت معجبة ومشدودة بالنموذج الإيراني على إيران إعتبارا من عام 1980، قامت أجهزة الدولة الإيرانية الخمينية الفتية وقتها بحملة إستقطاب لتلك القوى و تجييرها وإستخدامها في معادلة الصراع الداخلي الإيراني المستعرة وقتذاك (وذلك من طبائع الأمور)!، كما كانت الحكومة الإيرانية ترى في تلك القوى أداتها الرئيسة في كسب خيار: (تصدير الثورة لدول الجوار) خصوصا وإن لدول الخليج العربية وللعراق بشكل خاص أهمية منهجية عظمى في الخطاب الطائفي والديني الإيراني، فمن يهيمن على قرار شيعة العراق سيتزعم العالم الإسلامي بشقه الشيعي وسيكون مسيطرا على عتبات الشيعة المقدسة، وبالتالي سيكون بحكم الضرورة في موقع مسيطر طائفيا على تنوع شيعي هائل يعيش في دول المنطقة وخصوصا في سواحل الخليج العربي التي تسيل لعاب الطامعين سيما وإن المراهنات الإيرانية وقتها كانت تركز على (تثوير) شيعة البحرين والمنطقة الشرقية في السعودية! وكانت مدارس (قم) الدينية تضم وقتها أعداد كبيرة من طلبة الحوزة الخليجيين الذين كان ينظر إليهم على كونهم (أدوات الثورة الإسلامية القادمة في الجزيرة العربية)!! وكانت الآمال والطموحات الإيرانية تتفاعل بعاطفية شديدة مع إشتداد حدة (الحرب العراقية / الإيرانية) التي دخلت منذ عامها الثاني في وضعية ماراثونية صعبة و معقدة أصرت إيران خلالها على التمسك بمطلبها الرئيسي في إسقاط النظام العراقي وإقامة البديل الإسلامي!! وهو مطلب لا يمكن للقوى الإقليمية أن تسمح بتحققه مهما كان موقفهم سلبيا من النظام العراقي البائد.
في بداية التدفق الشعبي والحزبي العراقي الشيعي على إيران لعبت أجهزة الدولة الإيرانية على وتر الخلافات بين الفرقاء العراقيين، فقربت من قربت وأبعدت من أبعدت، وتعاملت مع (الشيرازيين) أي (منظمة العمل الإسلامي)، ثم تخاصمت مع (حزب الدعوة) رائد العمل الإسلامي وأكبر الأحزاب الإسلامية العراقية، وشجعت إنشقاقات في صفوفه، وهو ما تحقق فعلا بإنشقاق مجموعة قيادية مهمة أعلنت ولائها التام للولي الإيراني الفقيه (الخميني) فيما حاول الجزء الآخر من حزب الدعوة الحفاظ على إستقلاليته الحركية ووجهه العراقي، مما عرضه لغضب و ملاحقة أجهزة السلطة الإيرانية!! وهنا أتذكر حكاية شخصية حدثت لي شخصيا في إيران!، ففي ربيع عام 1985 كنت برفقة صديق لي في زيارة سياحية لمدينة (أصفهان) الإيرانية وبعد الخروج من الفندق ثم العودة إليه لاحظنا أن هنالك من عبث في غرفنا، ولما إستفسرنا من موظفي الإستقبال برز لنا مجموعة من العناصر المدنية طلبت منا كلا على حدة التوجه لغرفته والبقاء فيها لغرض التحقيق!!، وعندما سألني المحقق بلغة عربية مكسرة عن أسباب وجودي في أصفهان، ثم سألني عن توجهي السياسي والديني فأبلغته بأنني من (أهل السنة)! حيث تغيرت معاملته لي وإعتذر بلباقة وتأسف عن إقلاق راحتي ورجاني أن أعتبر الموضوع منتهيا!! فشكرت له إعتذاره وإنتهى الأمر!! أما صاحبي ورفيق رحلتي (الشيعي) فقد تعرض لمعاملة جافة أتهم خلالها بأنه من (حزب الدعوة)!! رغم أنه لم يكن كذلك مطلقا..؟ ومن هذه الرواية البسيطة يتبين مقدار التوتر بين الدعوة والسلطات الإيرانية رغم التضحيات الدموية الهائلة التي قدمها حزب الدعوة في صراعه ضد النظام البعثي البائد ونصرته للثورة الإسلامية في إيران وتعرضه للإبادة في سبيل ذلك الموقف!، بعد ذلك شكلت إيران في عام 1981 وبرغبة من (الخميني) (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) وأناطت رئاسته بآية الله الإيراني الجنسية (محمود الهاشمي)، فيما كان المرحوم السيد محمد باقر الحكيم في موقع (الناطق الرسمي) قبل أن يكون فيما بعد رئيسا للمجلس، والمجلس المذكور هو مؤسسة إيرانية بالكامل مرتبط بمجلس الوزراء الإيراني وهو الوعاء التنظيمي للأحزاب الإسلامية العراقية ومنه ومن خلاله تشكل (فيلق بدر) كذراع عسكري لذلك المجلس وقد ضم عناصر متطوعة لمساندة الجهد العسكري الإيراني وكذلك أستعين بخدمات ضباط سابقون في الجيش العراقي كانوا في الأسر الإيراني عرفوا بإسم (التوابين)!! والتسمية إستحضار عصري للعناصر التي تخلت عن نصرة (الأمام الحسين (رض)) في واقعة كربلاء عام 60هجرية والذين تمردوا على القيادة الأموية في الكوفة بعد إستشهاد الحسين وقتلوا جميعا فيما بعد في معركة (عين الوردة) والذين أسماهم المفكر اللبناني الراحل (محمد مهدي شمس الدين) بكونهم : (دمعة في التاريخ)! وهو وصف رائع ودقيق.
كان تجنيد العراقيين لمساندة الجهد العسكري الإيراني يتم من خلال الأحزاب والجماعات الشيعية العراقية وبين أوساط الشباب العراقي المقيم في إيران أو ذلك الذي يعاني ظروف الحرمان والعوز في سوريه، وفي دمشق بالذات من خلال مكاتب السيد الحكيم ومنظمة العمل الإسلامي (شيرازية) في حي الأمين الدمشقي وفي (السيدة زينب) في ريف دمشق، وإنضم العديد من الشباب العراقي الضائع والمحروم والمشرد ليقتل على جبهات الحرب المجنونة ليموت هناك ثم ليدفن غريبا وبصمت في (مقابر الغرباء) في المدن الإيرانية!، فكانوا مهاجرين مضحيين بأغلى مايملكون ولم يجدوا النصرة من (أنصار) حقيقيين، بل كانت الدوافع المصلحية لدى الجهات الرسمية الإيرانية هي التي تحرك المواقف والملفات، وكان منطق الدولة الإيرانية المتعالي هو السائد في نمط العلاقة وليس منطق الثورة الإيرانية الدعائي المعلن، ولعب العراقيون من المتطوعين جهدا بارزا ومعروفا في الجهد العسكري الإيراني وخصوصا في معارك دخول وإقتحام المدن الحدودية العراقية وقدموا تضحيات هائلة في الدفاع عن المواقع الإيرانية ذاتها في معارك كرمان وقصر شيرين ومحاولات القوات العراقية عبر دعم قوات المعارضة الإيرانية إحتلال بعض المدن الحدودية الإيرانية في نهاية الحرب صيف عام 1988، ثم بعد نهاية الحرب بطريقة مسرحية مفاجئة عبر قبول إيران المفاجيء بقرار مجلس الأمن المرقم 598 بعد سنة من صدوره وتجرع الخميني الراحل لكأس السم الزعاف!! إنتشر الإحباط في صفوف الحركة الإسلامية العراقية وهبت رياح التغيير في الفكر والسلوك وتناول الملفات في القيادة الإيرانية خصوصا بعد رحيل الخميني في حزيران 1989، وتبلور وساد منطق الدولة الإيرانية في التعامل مع اللاجئين المقيمين فوق أراضيها كالأفغان والعراقيين الذين تضخمت أعدادهم مما شكل عبئا على الإقتصاد الإيراني المرهق!، وأفرز واقعا سياسيا وعمليا جديدا عبر الإنفتاح في العلاقات الخارجية وتطوير العلاقات مع دول الجوار، ثم تطور الموقف مع رحيل العديد من قيادات العمل الإسلامي العراقي عن إيران إلى مهاجر أخرى كسوريه ودول الخليج ثم اللجوء للدول الأوروبية وعلى رأسها (بريطانيا) التي تحولت كقاعدة ميدانية متقدمة للجهد السياسي العراقي المعارض إسلاميا كان أم شيوعيا أم قوميا! فالعدو القديم بات الحليف الأكبر والراعي والحامي وصمام الأمان!! وتلك من طبائع الأمور ومتغيراتها المدهشة، أما في الداخل الإيراني فقد تفننت السلطات الإيرانية في تعكير حياة اللاجئين وتطفيش ما أمكن منهم ودفعهم للهروب واللجوء نحو منافذ أخرى الأمر الذي أفرز ظاهرة (قوارب الموت العراقية) في البحار الدولية!! فتدفقت أعداد كبيرة من عراقيي إيران نحو استراليا وكندا والباكستان وغابات ماليزيا وإندينوسيا وتايلند وحتى غابات كمبوديا وبعضهم وصل للصين مشيا على الأقدام!! وكانت مأساة (التايتنك العراقية) في البحار الأسترالية، أما إجراءات التنغيص الإيرانية فقد تمثلت في سلسلة القوانين التي أصدرتها وزارة السيد عبد الواحد موسوي لاري (وزير الداخلية الأسبق) والتي تنص على منع العراقيين من: حق العمل!! حق الزواج بإيرانية!! حق الدراسة المجانية!! حق الرعاية الصحية!! فرض العقوبات على أرباب العمل الإيرانيين الذين يشغلون عراقيين!! عدم التنقل في المدن الإيرانية إلا وفق تصاريح خاصة وأمنية!!... وأمور أخرى عديدة كان مبعثها الأساسي التحوط الأمني ومراعاة مصالح الشعب الإيراني بعد تغلغل الأزمة الإقتصادية ولكن تلك القرارات كانت بمثابة لطمة حقيقية تضرر منها العراقيون في إيران، فحدثت الهجرات المعاكسة خصوصا مع تنكر العالم العربي لأزمة الشعب العراقي فكانت نقاط اللجوء الأوروبية هي المنقذ من الضياع والدمار لا سيما بعد جريمة (غزو الكويت) الذي ضاعف من أعداد تدفق اللاجئين العراقيين ووسع من حجم التيه والتشرد العراقي، لتسير العلاقات الشعبية العراقية مع إيران في أجواء قلقة ومتوترة حتى عشية تحرير العراق وسقوط نظام صدام العدواني وتغير الصورة الستراتيجية في المنطقة، لتدخل إيران بقوة على الخط وتحيي الموات من علاقات الماضي وتنشأ خلايا وتجمعات جديدة أملتها الظروف والتطورات الطائفية المتصاعدة وهي أطراف لا تعلم شيء عن سلبيات الماضي ولا عن حكاياته المؤلمة.. إنها قصة مؤلمة لعلاقة أشد إيلاما... ما زالت تحمل بين طياتها كل عناصر المفاجأة...

[email protected]