قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يخطئ كثير من الناس حين يعتقدون أو يقولون أن تونس دولة علمانية، فالحق البين في النصوص القانونية التونسية، وفي سلوكيات وتصريحات مسؤوليها السياسيين، أن تونس دولة دينية، وتحديدا دولة إسلامية تعتمد الشريعة الإسلامية وفقا لتأويل خاص، كمرجعية أساسية للسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.
وقد أكد هذه الحقيقة، الفقيه القانوني الأكبر للنظام التونسي الحالي، الدكتور زهير مظفر حين قال في حوار تلفزيوني "أن تونس دولة إسلامية" نافيا بشكل قاطع الطابع العلماني عن الدولة، تماما كما أشار الكاتب والصحفي التونسي المعروف الاستاذ لطفي حجي إلى ذات الحقيقة، في كتابه الأخير "بورقيبة والإسلام"، حين أشار إلى تمسك بورقيبة بالفتوى الدينية الإسلامية كمبرر لأي قاعدة قانونية جديدة، وإلى النقد اللاذع الذي وجهه الزعيم التونسي لكمال أتاتورك، لكونه قد ألغى الخلافة وهاجم الشريعة.
ويظهر الطابع الديني للدولة التونسية المعاصرة، في كافة النصوص المتعلقة بالتنظيم السياسي، ففي بيان السابع من نوفمبر، الوثيقة التي أعلنها الرئيس بن علي عند صعوده إلى كرسي الحكم سنة 1987، نجده يؤكد على أن "عهده الجديد قد افتتح على بركة الله"، مختتما بيانه بالآية القرءانية " وقل اعملوا فسيرى الله عمله ورسوله والمؤمنون"، وهي الآية نفسها التي كان الزعيم بورقيبه يختتم بها خطبه، والتي جرى تثبيتها لعقود شعارا لجريدة العمل اليومية الناطقة بإسم الحزب الحاكم.
وفي وثيقة "الميثاق الوطني"، التي وقعت عليها كافة القوى السياسية التونسية، بما في ذلك الحزب الحاكم، سنة واحدة بعد وصول الرئيس بن علي إلى السلطة، ورد النص التالي:" الدولة التونسية ترعى حرمة القيم الإسلامية السمحة وتعمل بهدي منها حتى يكون الإسلام مصدر إلهام واعتزاز متفتحا على مشاغل الإنسانية وقضايا العصر والحداثة فتظل تونس مثلما كانت مركزا من مراكز الاشعاع الإسلامي ومنارة للعلم والاجتهاد تجديدا أو مواصلة لما كان للقيروان والزيتونة من سبق وريادة".
وفي دستور الجمهورية التونسية، ورد في الفصل الأول ما يلي:" تونس دولة، حرة، مستقلة، ذات سيادة، الإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها"، وجاء في الفصل 38 منه، ما يلي:" رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ودينه الإسلام".
ومن الناحية العملية، فإن المؤسسات الدينية وفي مقدمتها المساجد، واقعة منذ اليوم الأول للاستقلال، وإلى حد اليوم، تحت الإشراف المطلق لوزارة الشؤون الدينية، التي تقوم بتعيين الأئمة، وقبل ذلك تكوينهم، مثلما تقوم بدفع أجورهم، فضلا عن أجور الوعاظ والمؤذنين وسائر العاملين في هذه الهيئات الرسمية.
وعلى الطريقة المألوفة في التراث الإسلامي وتاريخ الدول الإسلامية منذ الخلفاء الراشدين، يقوم أئمة الجمعة في كافة مساجد البلاد التونسية، بالدعاء لرئيس الجمهورية، وفي كثير من الأحيان تذكير المؤمنين بسوابقه في الإيمان ومناقبه وحسن عمله لصالح العباد والدين. ومن الأسماء الرسمية المعتمدة في الخطاب الرسمي، للرئيس بن علي، أنه "حامي حمى الدين"، مثلما كان للزعيم بورقيبة لقبا دينيا ذائع الصيت هو "المجاهد الأكبر".
وكان الزعيم بورقيبة حريصا طيلة وجوده في الحكم (من 1956 إلى 1987)، على أن يظهر بمظهر "المجدد الديني"، حيث لم يكن الخلاف - كما ظل يؤكد دائما- قائما بين الدين والدولة، ذلك أن الدولة برأيه يجب أن تكون في خدمة الدين، غير أن خلافه كان شديدا مع من اعتبرهم جامدين ومحافظين ومعوقين لنهضة الدنيا والدين.
و بحسب الاستاذ لطفي حجي، فإن الزعيم بورقيبة قد اعتمد في كافة القوانين والقرارات، التي اعتبرت علمانية أو معادية للدين، على فتاوى دينية موثقة استصدرها علماء وفقهاء مبرزون من قبيل الشيخ محمد الطاهر بن عاشور صاحب التفسير القرءاني الشهير "التحرير والتنوير"، وبالتالي فقد ظل ينظر إلى تلك القوانين المثيرة للجدل من قبيل قوانين إلغاء تعدد الزوجات وجعل الطلاق بيد القضاء، على أنها حق من حقوق ولي الأمر في التشريع، واجتهاد مطلوب من منطلق شرعي إسلامي محض، وإن خالف الآراء الشائعة في الفقه والشريعة.
وحتى تلك الحادثة الشهيرة التي اعتبرت من لدن كثير من المتدينين "كفرا بواحا"، وهي حادثة شرب الزعيم بورقيبة الماء خلال ساعات الصوم في شهر رمضان من سنة 1964، فقد اعتمد فيها الزعيم التونسي على اجتهاد ديني مفاده أن العمل أولى العبادات وهو الجهاد الأكبر الذي يتفوق على أنواع الجهاد الأخرى، فإذا ما كان الصوم سيقود برأيه إلى تقاعس الناس عن القيام بواجب الجهاد الأكبر، فمن باب أولى التنازل عنه.
وليس المقصود بسرد هذه الأحداث تبريرها، إنما التأكيد على أن الزعيم بورقيبة قد تصرف دائما باعتباره رئيس دولة إسلامية، يتميز على سائر الرؤساء الآخرين بأنه مجتهد ومجدد للدين، أما سلفه الرئيس الحالي زين العابدين بن علي فقد تمسك بدوره و منذ البداية بالصفة الدينية باعتباره كما أشير سلفا "حامي حمى الدين"، وكذلك قائدا لتيار الإسلام المتسامح والمعتدل الذي يواجه حركات إسلامية تحمل مشاريع متطرفة وعنيفة.
و عند التطرق لقضية "الحجاب الإسلامي" الذي قامت السلطات التونسية بمنع ارتدائه في المدارس والإدارات الحكومية، فإن تبريرا دينيا ( لا علمانيا) يحضر، حيث يؤكد المسؤولون التونسيون على أن الزي المحارب من قبل النظام، هو "زي طائفي" يرمز إلى تفرقة أمة المسلمين، في حين تضطلع الدولة بمهمة حماية وحدة الأمة من برامج التقسيم الطائفي، وحماية الدين من الغلو والتطرف.
وما يود الخلاص إليه، أن ما بدا طيلة العقود الثلاثة الأخيرة، وكأنه صراع بين نظام سياسي علماني يقود الدولة وحركة سياسية إسلامية تمثل الدين والهوية، ليس في حقيقته سوى صراعا بين تيارين متباينين ومتخالفين في تأويل النصوص الدينية، مع أن كلا الطرفين متشبث بالطبيعة الدينية للدولة.
وقد شكلت مساجد البلاد التونسية طيلة الثلاثين عاما الماضية، مجالا للصراع بين رؤيتين دينيتين مختلفتين، إحدهما يتبناها النظام وتطرح على أنها مشروع اجتهاد وتجديد من جهة وتمسك بالوسطية والاعتدال من جهة ثانية، وثانيتها تتبناها الحركات الإسلامية ترى أن مشروع النظام الديني، هو مشروع علمنة الإسلام وضربه من داخله.
وبالعودة إلى تاريخ الدولة في الإسلام، فإن الباحث لا يعدم أن يجد الكثير من الصراعات السياسية الدموية والعنيفة، التي خيضت بين جماعات وتيارات دينية إسلامية، تحمل تأويلات واجتهادات فقهية وشرعية متباينة، وتصل في كثير من الأحيان إلى تسخير أداة السلطة القمعية لتصفية الحسابات الدينية.
لقد مارس المعتزلة العقلانيون ممثلون في الخليفة المأمون القمع السياسي ضد من خالفهم في القول بخلق القرءان، تماما كما مارس السلفيون القمع نفسه ضد المعتزلة عندما توفي المأمون وخلفه بعد حين أحدهم، بل لعله من الممكن القول بأن التاريخ الإسلامي كان مطية صراعات سياسية لا تنتهي بين التيارات الدينية، التي يصل بعضها إلى السلطة فيما يظل الآخرون خارجها.
إن مساجد تونس – ومساجد بلاد إسلامية كثيرة- لم تكن في غالب الأحيان خالصة لله، بل كانت معظم الأمر مراكز لنشر الدعاية السياسية للسلطان، وفي بعض الأحيان مراكز دعاية لمعارضيه، والرأي عندي أنه ليس بالمقدور إرجاع دور العبادة هذه لآداء وظائفها خالصة للخالق، إلا إذا ما جرى إبعادها عن التوظيف السياسي، أكان ذلك لصالح النظام والدولة، أو لصالح أعدائهما.
ولعله من المفيد القول ختاما، أن الشيخ راشد الغنوشي والشيخ عبد الفتاح مورو، مؤسسا الحركة الإسلامية التونسية، ليسا في حقيقة الأمر علماء أو فقهاء شريعة من
خريجي الأزهر أو القرويين أو الزيتونة، فأحدهما كان مدرس فلسفة في ثانوية والثاني محام ولا يزال، وهما في تكوينهما الدراسي العصري لا يختلفان عن الزعيم بورقيبة أو الرئيس بن علي، فالصراع القائم إذا ذو طابع سياسي، وتأويل الدين موظف من الطرفين باستمرار لأغراض سياسية.

كاتب تونسي، مدير مركز دعم الديمقراطية في العالم العربي – لاهاي