قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

لعله بديهياً أن نؤكد أن الصراع بين المشروعين العلوي (نسبة لمحمد علي باشا) والوهابي (نسبة للشيخ محمد بن عبد الوهاب) لم يكن صراعاً بين الشعبين المصري والسعودي، فما بين الشعبين من عوامل التقاء أكثر مما بينهما من عناصر صراع، لكن المشروعات الحضارية لا تصوغها الشعوب كما يتصور البعض، بل تصوغها النخب، وقد خلصت النخبة السلفية المتحالفة تاريخياً مع أنظمة الحكم بجزيرة العرب، إلى مشروع quot;سلفيquot; يضع الماضي نموذجاً، فتعريف السلفية لغويًّا هو كل ما مضى.
بينما كانت فلسفة الدولة العصرية التي أرسى أركانها محمد علي باشا والنخبة المصرية المحيطة به، تنطلق من الاتجاه غرباً، لأن سبل التقدم متاحة هناك، وهو ما اقتضى تدشين مشروع هدفه خلق انسجام في الذهن المصري ليكون قابلا بقيم الحداثة، لهذا أوفد الباشا وخلفاؤه الأزهريين إلى باريس، وفتح الطريق أمام المرأة لتلتحق بالجامعة، واستنسخ الخديوي إسماعيل باريس جديدة في قلب القاهرة، ومن يتأمل ميدان طلعت حرب رغم ما لحق به من خراب معماري، سيكتشف أنه مازال يوحي بمشهد باريسي واضح المعالم.
ثم جاء طه حسين ليؤصل للمشروع بوضوح في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) حين يقول إن (الثقافة من حيث ترقية العقل, وتوسيع الأفق, ورقي الفكر الانساني, من حيث مصدر شعور الفرد بحقه وتقديره لواجبه, وهي مصدر شعور الجماعة بحقها وواجبها, وقدرتها على البقاء واستعدادها للرقي، فالثقافة هي التي هدت أوروبا لاستكشاف العلم الحديث) .
أما المشروع السلفي الوهابي فيسفه هذه الرؤية ويرى أن السبيل الأوحد للارتقاء يكمن في العودة للماضي، حيث النبع الصافي لما كان عليه الصحابة والتابعون، وهذه الرؤية بالطبع تهدر عامل الزمن، وتجبر الناس على السير للوراء، وفي سبيل إثبات صحة هذه الرؤية دشن الوهاييون منظومة طقوس ومظاهر شكلية ساذجة، يبدو أنها صارت هدفاً بحد ذاتها.
ولم تكن بالتأكيد مجرد مصادفة، بل لعلها إحدى صور الغزو الوهابي أن ينتشر باكتساح جيل جديد من الدعاة والفقهاء في مصر، يبشرون بالمدرسة الوهابية، ويحملون ملامحها بدءاً بالشكل والسمت العام وصولاً للمنطلقات والأدبيات الشائعة وهابياً .
ولعلنا لا نذيع سراً هنا إذا قلنا إن هناك غزوة سلفية منظمة يقودها تيار صنع نجوماً خلال الأعوام الماضية في مصر، أمثال الحويني وأبو الأشبال وإسماعيل المقدم ومحمد حسان ومصطفى العدوي وحسين يعقوب وياسر برهامي وغيرهم، والخطير أن وكلاء الوهابية هؤلاء باتوا يطرحون رؤاهم باعتبارهم quot;دعاة مستقلينquot; ، مقابل وصم الأزهريين بأنهم quot;فقهاء سلاطينquot;، وإن لم يعلنوها صراحة، لكن ما يحدث أن تعرض الأزهر لحملة تسفيه شرسة، وحاول البعض شق صفوفه بعد اختطافهم جمعية أهلية قديمة هي quot;جبهة علماء الأزهرquot;، ومحاولة إبرازها ككيان موازٍ لمؤسسة الأزهر، ونشط فيها فصيلان : الأول يقوده عائدون من جامعات سعودية، وفريق آخر يقوده منظرو الإخوان المسلمين، ليدشنا معاً تحالفاً وهابياً ـ إخوانياً، سعى بقوة إلى اختراق الأزهر .
وجرىً استقدام مئات الأزهريين للعمل بجامعات ومدارس وهابية وحظي هؤلاء بعناية خاصة ليكونوا طليعة الاختراق، كما أسس أيضاً quot;مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلاميquot; الذي تطوع لتدشينه تحت مظلة جامعة الأزهر، المستثمر الشهير في حقل الإعلام الترفيهي، ليشكل بذلك مساحة جديدة للاختراق السلفي للأزهر، حيث يجري من خلاله استقطاب بعض علماء الأزهر سواء بالعمل أو المساهمة في أنشطة هذا المركز، الأمر الذي ترتب عليه تبني مواقف متشددة سواء في الفتوى أو المعالجات الفقهية للقضايا المعاصرة، كالموقف مثلاً من البنوك والبورصة وشركات التأمين وغيرها من الأنشطة الاقتصادية الحديثة، خلافاً للمواقف الأزهرية التقليدية التي كانت تتعامل مع هذه القضايا بقدر كبير من التسامح والقبول والوعي بمتغيرات العصر، بل والتأصيل الفقهي لهذه المستجدات على الساحة الاقتصادية.
الأزهر الذي طارد طه حسين، ومحمد عبده، تعرض لهزات عنيفة جعلته يتوقف مع نفسه، ويعيد تقويم أموره في ضوء ريح الحضارة التي هبت من الغرب، فكان أن أفرز الشيخ شلتوت أول من تجرأ بفتوى صحة التعبد بالمذهب الشيعي، والشيخ جاد الحق الذي حاول قدر استطاعته أن يحافظ على مصرية الأزهر، واحترامه لمكانته، سواء في مواجهة الغزو الوهابي، أو التدخلات الفجة للسلطة، وهو أيضاً أول من فند الخطاب الجهادي المتطرف.
عاد الأزهر الآن لمطاردة أبنائه كصبحي منصور، وللتشنج حين تظاهر طلابه ضد رواية quot;وليمة لأعشاب البحرquot;، ومع ذلك خسر معركته الحقيقية ضد الوهابية التي تسللت إليه بمكر، وأهدرت خبرته التاريخية التي كاد أن يبلورها الأزهر والدين الشعبي في خلطة مصرية متسامحة، ومتصالحة مع الحضارة، لنتفق على تسميتها مجازاً quot;الإسلام المصريquot;، وهو الخطاب الذي يجمع بين الانتماء لأهل السنة وموالاة أهل البيت وحبهم، واستيعاب التصوف والاستفادة من أدواته وآلياته، فضلاً عن تهيئة مناخ للتعايش المفعم بالاحترام مع المسيحيين واليهود، بل ومع البهائيين أيضاً، ويعول على صدق النية أكثر مما يحتفي باللحية غير المهذبة وزبيبة الصلاة وغيرها من المظاهر التي لا تخلو من ادعاء.
وبالطبع لم يقتصر الصراع العلوي ـ الوهابي على الأزهر فحسب، بل تمدد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، كما اقتحم ذلك المشروع السلفي quot;الغازيquot; مجالات لم يكن يعرفها قبل طفرة النفط كالإعلام والثقافة والفنون والجامعة ولهذه قصص أخرى سنأتي عليها في مقالات قادمة .
[email protected]

nbsp;