قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

quot;إذا قارنا الكون، كما يفترض وصفه الآن بالكون، كما اعتدنا أن نتصوره مسبقًا، سيظهر لنا التغير المثير للانتباه لا في إعادة تنظيم المكان والزمان، الذي استحدثه اينشتين، وإنما في تحلل كل ما اعتبرناه شديد الصلابة وظهوره في مظهر شوائب رقيقة تنساب في الخواءquot;. quot;سير أرثر أدينجتونquot;

دفعت أزمة العلم في القرن العشرين إلي إعادة التفكير مجددا في أسس التفكير ذاته، وكان هايزنبرج يصرخ في طلابه عام 1927 في لايبزيج بأنه ينبغي quot;مجابهة المهمة الكأداء ألا وهي إعادة النظر في المشكلة الأساسية لنظرية المعرفة حسب كانط، أو كما يقالquot; إعادة العمل بكاملهquot;. ليست الأزمة إذن أزمة العلم فقط بل أزمة التفكير البشري، أزمة الفلسفة، يقول هوسيرل quot;إن أزمة العلوم هي أزمة فكرة العلم، وإن هذه الأزمة تطال الفلسفة نفسها، في التصور الذي تتصوره لنفسها في علاقتها بمشكلة المعرفةquot;.
فقد دخل عنصر من quot;اللا يقينquot; في الفيزياء، وبخاصة في الأنساق الميكروفيزيائية، حيث أوضحت نظرية الكم الأصلية لـ quot;ماكس بلانكquot; أن المادة quot;لا متواصلةquot;، ومن الصعب التنبؤ بالطاقة المشعة التي تنطلق في قذفات أو كميات لا متواصلة، وأوضح مبدأ quot;هايزنبرجquot; في اللاحتمية (أو اللا يقينية كما يسمى أحيانًا)، استحالة التحديد في أي وقت أو في الوقت نفسه، لموضوع سرعة أي إلكترون، وحسب تعبير quot;سير جيمسquot;: quot;فإن الطبيعة تمقت الدقة والانضباط أكثر من أي شيء، كما أكد هايزنبرج نفسه quot;.
وأجهز العالم النمساوي quot;كورت جودلquot;: Kurt Godel (1906 - 1978) على البقية الباقية من quot;اليقينquot; في مجال الرياضيات. كان جودل عالمًا في الرياضيات والمنطق، وعضوًا في جامعة فيينا منذ عام 1930، توصل إلى البرهنة على أنه توجد في نطاق أي نظام رياضي منطقي صارم، مسائل لا يمكن إثباتها أو نقضها على أساس من بديهيات ذلك النظام، ومن ثم فمن غير المؤكد أن لا تؤدي بديهيات علم الحساب الأساسية إلى نشوء بعض التناقضات. وكان لهذا البرهان الذي عرف باسم quot;برهان جودلquot; أثر كبير في تقدم المنطق الرياضي.
الأهم من ذلك أنه طرح أول سؤال يتشكك في اليقين الرياضي منذ ديكارت وهو: هل الرياضيات تقدم كل ما هو أكيد (اليقين)؟ hellip; لقد برهن جودل على استحالة برهان صحة كل النظريات الصحيحة ضمن بنية رياضية موضوعية معينة، وعلى أنه لا بد من توسيع البنية الموضوعية لفعل ذلك. لكن ذلك التوسع يفضي إلى نظريات صحيحة يستحيل برهانها بدون توسيع لاحق. وهكذا تستمر عمليات التوسيع إلى ما لانهاية. إن أي توسيع جديد غير مبرمج، ولا تفضي إليه خوارزمية معينة، هكذا تكون عشوائية الكون ضمانة لاستمرار الرياضيات.
إن أهم ما توصلت إليه العلوم في الثلث الأول من القرن العشرين هو حقيقة محدوديتها، وعجزها عن تقديم إجابات أبعد أمام بعض المعضلات التي تحكم قوانين الكون، وبالتالي تأكيد نسبية المعرفة وقصورها أمام ألغاز الوجود. وهو ما يعني من الناحية العلمية أن العلوم التي كانت تعرف بالعلوم البحتة، والمستندة إلى قوانين لا شك فيها قد فقدت هذه المصداقية، وصارت كغيرها من العلوم الإنسانية (النسبية) التي تملك قدرًا محدودًا من الإجابات غير النهائية أو الكاملة.
إن علم الرياضيات الذي كـان لفترة غير بعيدة، يعد العلم النموذجي الذي لا يقبل بأي شك ولا يأتيه الباطل، اهتز بشدة وبالتالي اهتزت معه وبسببه كل النظريات المصاغة بشكل رياضي، حيث برهن العلم الحديث منذ جودل أنه لا يوجد نظام رياضي مغلق منطقيًا.
إن أي نظام رياضي لابد وأن يحتوي على قضايا لا يمكن إثبات صحتها أو عدم صحتها. بحيث بدا الهيكل العام للرياضيات وكأنه مليء بالثغرات والفجوات، والتي لن يكون في مقدرة العقل الإنساني يومًا ما أن يملأها، وهي النظرية التي طورها وأكد على أهميتها علماء كثيرون من بعده.
إننا كبشر لن نتمكن من الآن فصاعدا من سد هذه الثغرات فهي موجودة، وستبقى هكذا، فالعقل والمعرفة البشرية قد وصلا إلى حدهما الأقصى، وهذا بدوره لا يعود إلى عجز الأجهزة التي يوظفها الإنسان، والتي لو أنه تمكن من تطويرها لوصل إلى مستوى أفضل من الأداء العلمي، بل يعود إلى عجز القدرة العقلية والمعرفية في تحديد مستقبل الظاهرة الكونية، فقدراتنا تنصب على التأكد من quot; الآن quot; دون القدرة على الجزم quot; بمستقبل quot; الظاهرة في الزمان.
من هنا كان التوجه إلى الفلسفة الشرقية بالذات للبحث في الميتافيزيقا عن مخارج لهذه الأزمة الكبيرة، وإعطاء معنى لكل ما هو عسير على الفهم في الكون. وإذا كانت الفيزياء الكوانتية قد أثبتت أن العقل لا يستطيع أن يلم بجميع الأمور الكونية، لأن الطبيعة ذاتها محكومة بمبدأ اللايقين - Uncertainly Principle، وهو ما ساهم حسب quot;فريتيوف كابراquot; في النقلة الانموذجية - Paradigm Shift في القرن العشرين، فإن الأهم هو التقارب بين النظرية العلمية والنظرة الصوفية. وفي كتابه المعنون بـ quot;شبكة الحياةquot; The web of Life، وأيضًا كتابه quot;The Tao of Physics، يلح quot;كابراquot; على quot;أن الفيزياء اليوم تتاخم الميتافيزيقا، وهو ما توصل إليه quot;بكمنستر فولرquot; أيضًا، حين يقول أن العلم لم يثبت حتى الآن وجود الكتلة، ولم يثبت وجود نمط مستقيم، ولم يثبت وجود السطح. ليخلصا في النهاية إلي أن عالمنا هذا quot; عالم ميتافيزيقي quot;.

أستاذ الفلسفة جامعة عين شمس
[email protected]

أية إعادة نشر من دون ذكر المصدر إيلاف تسبب ملاحقة قانونية