قضت محكمة الإسكندرية في الأول من فبراير علىnbsp; المدون المصري الطالب الأزهري عبد الكريم نبيل سليمان بالسجن أربع سنوات بتهمة الكتابة على مدونته على الإنترنت. و قد استنكرت المنظمات الحقوقية هذا الحكم، و قامت منظمة quot;صحفيون بلا حدودquot; بإنشاء موقع خاص على الإنترنت للمطالبة بإطلاق سراحه (www.FreeKareem.org).
و الحقيقة أن قضية المدون عبد الكريم هي، في المقام الأول، قضية التعليم الأزهري التي طرحها العديد من رواد الإصلاح في مصر، من بينهم د. سعد الدين إبراهيم الذي سبق له أن طالب بضرورة دمج المدارس الدينية في نظام التعليم العام.
تبدا مأساة المدون عبد الكريم منذ البداية كطفل صغير، برفض والديه منحه حرية الاختيار، إذ كتب في مدونته : quot; التحقت بالأزهر بناء على رغبة والدي و بالرغم من رفضي التام للأزهرquot;. و هذه مأساة حقيقية لان شخصية الطفل لا يمكن لها أن تتطور في ظل نظام تربوي يرفضه بالفطرة. لذلك نجد المدارس المتطورة في العالم تساعد - و لا تفرض - على تنمية مواهب التلميذ بإعطائه مساحة واسعة من الحرية -بما فيها اختيار عديد المواد التعليمية و الأنشطة الأخرى من رياضة و رسم و موسيقى... -.
و المهم التأكيد هنا أن مأساة عبد الكريم ما كانت لتحدث من الأساس لولا فشل الدولة المصرية الحديثة في إصلاح مناهج التعليم الديني. فلو كان عبد الكريم تونسيا، على سبيل المثال، لما حصل له ما حصل لان مثل هذا النظام الذي يرفضه قد تم إلغاؤه منذ العام 1956، عندما اقدم زعيم الدولة المستقلة الحبيب بورقيبة على دمج طلبة quot;الزيتونةquot; في مؤسسات التعليم العام العصري، الذي يعتمد على المناهج الفرنسية. و يمكن أن نقول نفس الشيء لو كان عبد الكريم تركيا أو ماليزيا...
و الأسوأ انه و بعد أن وقعت الفأس في الرأس و ضيع عبد الكريم سنوات طويلة في دراسة يمقتها، و حاول التخلص من الورطة، اكتشف quot; أن التخلص من ربقة الأزهر... لم يكن بالأمر السهلquot;. إذ كتب في مدونته : quot;... و تجاهلت ما نشرته صحيفة الجمهورية من أن أوراق التحقيق معي في مجلس التأديب - والتي لم أوقع عليها لأسباب خاصة بي - قد أرسلت نسخة منها إلى النيابة العامة... فيما يبدو أنquot; بركات quot; الأزهر على طلابه لا يمكن أن تمحى بسهولة، فهي تظل تلاحق الطالب كما يلاحقه ظله، فمن ناحية، لا يمكن للطالب الحاصل على الثانوية الأزهرية تقديم أوراقه للدراسة في أي جامعة حكومية... فمجرد كونك حاصل على هذه الشهادة سيئة الصيت يجعلك غير أهل للدراسة مثل الآخرينquot;.
و يعني هذا أن الأزهر ليس فقط مؤسسة تعليمية - بالطريقة التي نعرف - و إنما هو أيضا جزء من النظام القضائي يلاحق من يشاء. يقول عبد الكريم: quot; وصلني إلى المنزل خطاب استدعاء من النيابة العامة يطلب حضوري للمثول للتحقيق... بمناسبة التحقيقات التي تباشرها النيابة في القضية التي أشعلتها جامعة الأزهر معي بتدخلها فيما أكتب وأنشر خارج أسوارها على الفضاء الإلكتروني الحر الذي لا يعترف بأي سلطة على ما ينشره مستخدموه عليهquot;. و هنا يذكرنا المدون بان مأساته ليست حالة فردية، إذ يقول: quot; وما استدعاء النيابة لي للتحقيق معي حول هذا الأمر إلاَّ أحد مظاهر هذه quot; البركات quot; التي لا تترك صاحبها إلا وهو في وضع مماثل لوضع الدكتور نصر حامد أبو زيد التي أسفرت بركات الأزهر عن الحكم بالتفريق بينه وبين زوجته، أو في وضع مماثل لوضع الدكتور أحمد صبحي منصور التي أسفرت بركاتها معه أيضا عن دخوله السجن واضطراره للهجرة نهائيا... و الدكتورة نوال السعداوى وأحمد الشهاوى وغيرهم ممن أوصى ويوصي الأزهر دائما بمصادرة مؤلفاتهم ومنع توزيعها في الأسواقquot;.
لكن مقارعة الرأي لا يمكن أن تكون مجدية إلا بالرأي المخالف، تماما كما لا يمكن أن نهدم نظرية علمية قديمة إلا بتطوير نظرية جديدة تكشف أخطاءها. و هذا ما أكد عليه عبد الكريم عندما كتب على مدونته : quot; إلى كل شامت وحاقد ممن يتصورون أن مثل هذه الإجراءات الساذجة قد تغير من مواقفي وتؤثر علي وتجبرني عن العدول عن السير في الطريق الذي رسمته لنفسي أقول : موتوا بغيظكم واختبئوا في جحوركم فلن أتراجع ولو طرفة عين عن أية كلمة كتبتها ولن يحول القيد بيني وبين أن أحلم بالحصول على حريتي، فهي أمنيتي منذ أن كنت طفلا وستظل تداعب خيالي حتى اللانهايةquot;.
ويعني هذا انه لا الحكم بالسجن و لا حتى تبرا العائلة منه سوف يغير قيد أنملة من معتقدات و أفكار الطالب quot;الأزهري رغما عن انفهquot; عبد الكريم نبيل سليمان. و كل ما حصل أن القضية ستسيء للأزهر و للتعليم و القضاء في مصر، نتيجة فشل الدولة الذريع، خلال العقود الخمسة الماضية، في إصلاح تعليمها الديني، الذي يخرج العاطلين و الإرهابيين أو - بالنسبة للأذكياء - الناقمين عليه. حقا إن الإسلام يعيش اليوم - في القرن الحادي و العشرين - عصر محاكم التفتيش التي تجاوزتها أوروبا منذ خمسة قرون. لقد حاكم الأزهر طه حسين في عشرينات القرن الماضي، و ها هو يحاكم طه حسين آخر في بداية القرن الحادي و العشرين. إنها فضيحة لا أجد الكلمات للتنديد بها. و بهذه المناسبة اوجه نداء حارا إلى كل مثقفي مصر و خاصة للدكتور سعد الدين إبراهيم لتبني قضية المدون عبد الكريم و المطالبة بإطلاق سراحه فورا، و الاعتذار عن الظلم الذي سلطه عليه كل من الأزهر و القضاء المصري التفتيشي.
[email protected]