قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الحديث عن مصر اليوم موضوع واسع الأبعاد، وقد يستلزم الحديث عن مصر الأمس، للوصول إلى جذور المشكلة بكل أبعادها. كما أن هذا الحديث قد يتطلب تناول أوضاع المنطقة التى تقع فيها مصر، فلا شك أن هناك تأثيرا وتأثرا بين دول تلك المنطقة بعضها البعض .
ومع ذلك فالمشهد الحالي بتسارع الأحداث يفرض على كل المثقفين المصريين البدء فى مواجهة الواقع البائس والعمل بكل مالديهم من إفكار ووسائل سياسية للسيطرة على التدهور الجاري، إن لم يكن التغيير الشامل ممكناً الآن.
حقيقة، أن الشرق العربي وما يعرف بالعالم الإسلامي، وفى قلبه مصر، يئن من الفقر والإستبداد السياسي والعديد من توابع هذين الشرين، ومع ذلك فلديهما من الثروات الطبيعية الهائلة ما يمكن أن يمنح شعوبهم قسطا من العدل الإجتماعي، أن توفرت الشروط والآليات الحديثة. وبمعنى آخر، أن جوهر المشكلة لا يقتصر على مسألة الفقر فى حد ذاته، إنما على توزيع الثروة القومية بشكل عادل. بالإضافة إلى ذلك، فشعب مصر على سبيل المثال، كان عبر معظم فترات تاريخه يئن من الفقر تحت حكم من quot;حلبواquot; بلده من الغزاة، ومع ذلك لم تمر مصر بفترات إضطراب وإفتقاد رؤية، مثما تمر به اليوم، وخصوصا مع تزايد عدد السكان وتفاقم المشاكل.
وحتى لا نتوه فى تصريحات عامة، دعوني أقول بكل وضوح، أن أزمة كل الدول العربية والبلاد الإسلامية هي فى لبها أزمة فكرية غيبت العقل وشلت الإرادة البناءة. ومن هنا شاعت الخرافة وعمت الرغبة فى العنف. وبمعنى آخر، كانت اليوتوبيا السياسية من جانب الإسلام السياسي، ولا تزال، هي المحرك نحو تدمير الأنظمة الإستبدادية القائمة، باعتبارها طواغيت أو أصنام فى طريق بناء quot;المدينة الفاضلةquot;.
على الجانب الآخر، إستخدمت الأنظمة السياسية الإستبدادية نفس السلاح، أي الدين فى السيطرة وقهر شعوبها، مدعية دفاعها عن ثوابت الأمة.
هذا هو الإطار العام الذي تدور فيه أحداث ما يسمى بالعالمين العربي والإسلامي، وهو صراع لم يبدأ - فى العصر الحديث - مع الغزو الأمريكي للعراق تحديداً، كما يتصور أو يدعي البعض، إنما بدأ فعليا مع تقسيم شبه الجزيرة الهندية وقيام أول دولة دينية فى العصر الحديث فى باكستان، ثم زاد مع الثورة الإيرانية عام 1979، بعد أن كانت النظرية ذاتها والعديد من تجلياتها الفكرية قد تطورت وتقوت منذ بداية السبعينيات فى مصر وبلاد عربية وإسلامية أخرى.
فاذا ما تأملنا فيما حدث فى مصر منذ قيام quot;ثورةquot; 1952، للاحظنا أن الصراع على الحكم دار بين فصيلين: جماعة الضباط وجماعة الإخوان المسلمين، وكلاهما إستخدما الإسلام بدرجات مختلفة، وكانت طبيعة مثل هذا الصراع قد أدت إلى نشأة الإستبداد فى الحياة السياسية المصرية، وبالتالي أبعدت مصر عن أى فرصة لقيام نظام ديموقراطي وتأسيس دولة القانون.
والملاحظ أن بين ما يحدث فى مصر اليوم تحديدا، ومن زاوية العلاقات المجتمعية (بين المسلمين والأقباط)، إن عامل الفقر ليس هو الأساس فى تواتر العدوان على أعضاء المجتمع القبطي وهم أيضا فى الغالب من الفقراء أو متوسطي الحال أحيانا، إنما العامل الأساسي والمحرك المباشر لأحداث العنف الديني ضد الأقلية المسيحية، على مدى أكثر من ثلاثة عقود، هو ثقافة الكراهية المسيطرة على العامة والموجهة من مصادر تعليمية وثقافية رسمية وأهلية وعلى أسس ومرجعيات دستورية وسياسية دينية تتسم بالعنصرية تجاه معاملة المواطنين الأقباط، الأمر الذي، أدى إلى تهميشهم السياسي وإقصائهم إجتماعيا وتحجيمهم ثقافيا. وكل هذه العوامل مجتمعة تشكل الأرضية الخصبة لتكرار أحداث العنف المدمر ضد الأقباط على مدى أكثر من ثلاثة عقود. وهي لاشك أحداث لم نعرف لها مثيلا فى تاريخ مصر من قبل، إلا فى عصر المماليك ( من القرن الثالث عشر إلى السادس عشر)، إذ كانت تلك أيضا بتحريض سياسي تحت راية الدين.
وبمعنى آخر، أن مصر اليوم، كما نشهد جميعا، تمر بأزمة إخلاقية وثقافية وسياسية، فيها غاب العقل كما شُلت فيها إرادة الفعل البناء. ومن هنا وُلدت الخرافة وإنبعث التطرف الديني، لينزع العامة إلى العنف المجنون، فى غياب دولة القانون. وتلك هي أم المشكلات كلها.
إذ فى هذا المناخ وهذا الفراغ، أو الشلل السياسي، ينطلق الإسلام السياسي والإنتهازيون بدعوتهم لقيام quot;الدولة الفاضلةquot; فى مواجهة النظام الإستبدادي القائم، الذي يستخدم هو أيضا نفس الإيديولوجية وأسسها الدينية، وبأحكام غريبة وممارسات تتعارض من القوانين الدولية، للسيطرة على الجماهير والتنكيل بأصحاب الرأي من الليبراليين والداعين إلى الحرية وكرامة المواطن وحقوقه، مدعين فى كل بطشهم حرصهم ودفاعهم عن quot;ثوابت الأمةquot;.
ماذا نرى فى المنطقة العربية ومعظم البلاد الإسلامية اليوم من جراء الصراع الملتحف بالإسلام؟ أليس الإقتتال الداخلي، أو الحروب الأهلية، التي تدفع فيها الشعوب الثمن: حتى الحياة ذاتها؟ وكما سجل التاريخ دائما ndash; وهو ما يحدث اليوم - تدفع كل الأقليات الدينية والعرقية والثقافية الثمن مضاعفا، على الرغم من أنها ليست طرفا فى الصراع من أجل الحكم.
وها نحن نعيش اليوم فى مصر quot;قلب عالم عربيquot; خلا، بعد أن إنقسم على ذاته إلي أعراق وأديان وطوائف متحاربة .. فبات البعض يترحم على عروبته التي خلع الكل قناعها ndash; فى لحظة تاريخية وإلى الأبد - ليبدلونه بقناع الإسلام السياسي، وهنا بدأوا ndash; او بالأحرى إستأنفوا - الصراع على أرضية quot;مقدسةquot; يصعُب الإتفاق على أسسها، ولم تخل يوما ما عبر تاريخها من صراعها الداخلي.
الكل مدان فى هذه المأساة الإنسانية التى يمكن أن تؤدي إلى مصائب مروعة، إن لم تحدث quot;معجزةquot;؟ وأقصد بالمعجزة هنا، عمل خارق ومنافِ لطبيعة المنطقة وثقافتها السائدة اليوم.
من نلوم؟ الحكام العرب أم مثقفي السلطة، أم أمريكا؟ ولكن، ما الفائدة؟ فالمسألة لا يصلحها اللوم على الإطلاق. إنما ما يمكن أن يصلحها هو تشخيص الداء ومحاولة البدء الفعلي فى العلاج الناجع. وتلك هي المعجزة التي نوهت إليها تواً.
ومع ذلك، فربما يكون من المفيد أن نُقرَ بأن ما فعلته أمريكا لم يكن إلا توظيفا مكيافيلياُ لماعُرف يوما ما quot;بالصحوة الإسلاميةquot;. وكان ذلك من منطلقات إتسمت بسزاجة سياسية من الحكام العرب والمسلمين، لضرب الإتحاد السوفيتي فى أفغانستان، ولكن الجميع سقط بعد ذلك فى مستنقع من الدماء إختلط فيه دم الأبريا مع دم الإرهابيين، وإندفن حلم quot;المدينة الفاضلةquot; أو quot;الدولة الإسلاميةquot; المزعومة. وخصوصا بعد الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001 حيث إختلط الإرهاب بالإسلام السياسي، الذي يواجه اليوم حربا كونية، توارت مع بداياتها تلك quot;الصحوةquot;، ولا أحد يدري إلى ما سوف تنتهي هذه الحرب!
إن إيحاءات ما أصطلح عليه ب quot;الصحوة الإسلاميةquot; لم تأت بحبل خلاص لمنطقة مأزومة بقدر ما كانت تستدعي ماض يسعى البعض لإعادة إحيائه .. حقيقة، أنه كان ماضِ يحكي عن تاريخ إمبراطورية إسلامية إمتدت غزوا من هذا الشرق التعيس إلى شرق آسيا وجنوب ووسط أوروبا وشمال أفريقيا على مدى عدة قرون، ولكنه كان ولا يزال يستدعي مع أمجاد تلك الإمبراطورية أسس الصراع الداخلي المستمر على زمام الحكم فيها. وهذا ما يحدث حاليا فى واقع العالمين العربي والإسلامي قاطبة.

جذور الصراع السياسي الإسلامي
عن بداية هذا الصراع التاريخي، يقول البروفيسور رفيق زكريا، فى كتابه quot;الصراع داخل الإسلامquot;:
quot;لقد أثبت أول خليفتان، بعد النبي محمد، مقدرتهما الفذة فى توحيد المؤمنين تحت راية واحدة لنشر الإسلام. ولكن سرعان ما تبدل الوضع بعدهما، إذ بدأت الإضطرابات بين الجماعات المتنافسة التي إحتكمت إلى السلاح، فقتل خلفاء وغرقت الخلافة فى سلسلة من الحروب الأهلية. ومن تلك اللحظة لم يشكل المسلمون مجتمعا متحداُ.quot;.
وهكذا، وحسبما يقول المؤلف، فكما تأسست معظم النزاعات فى الماضي على تفسيرات مختلفة لنصوص قرآنية، قام الصراع السياسي الحالي بين الأصوليين المسلمين والأنظمة الحاكمة المستبدة على نفس الأرضية. ويضيف المؤلف، عند حديثه عن الأزمة الحالية وتوابعها، قوله: quot;وبصرف النظر عن الوسيلة التى لجأ إليها حكام اليوم للوصول إلي السلطة، فانهم لايعجزون عن تقديم نص قرآني يؤكدون لشعبهم من خلاله أن عصيان الحاكم أمر غير شرعي. وهكذا لايسمح بأي معارضة للحاكم. ولذلك، لم يكن من الممكن ظهور فكرة المعارضة الدستورية فى الإسلام.quot; (2).
والملفت للنظر أن الخلافات أو الإختلافات فى تفسير النصوص القرآنية، لم ينحصر في مجال الحكم والصراع حوله، إنما تتعدى إلى أمور سياسية وإجتماعية أخرى، ومنها وضع ومعاملة غير المسلمين فى ظل الحكم الإسلامي. ويقول رفيق زكريا: quot;أنه بينما تتسم وصايا النبي فيما يتعلق بمعاملة غير المسلمين بالتسامح الواضح، يستشهد المسلمون بآيات من القرآن تحض المسلمين على مواصلة الجهاد ضد غير المسلمين حتي يقضوا عليهم أو يدخلوا فى الإسلام. والمؤسف أن من يستشهدون بمثل تلك الآيات القرآنية لا يأخذوا فى إعتبارهم السياق التاريخي لمثل تلك الآيات.quot;
وهذا بالفعل ما يحدث فى مصر اليوم، على سبيل المثال، وكأننا نعيش التاريخ الإسلامي الغابر. فها هو الصراع على السلطة بين جماعات الإسلام السياسي، ومنهم من يتخذ الإرهاب سلاحا لتحقيق هدفه منذ ثمانينيات القرن الماضي، ونظام حكم مستبد وفاسد. وكلاهما يستخدما الإسلام كأداة للشرعية.


التاريخ والحاضر

من المعلوم أن نقطة التحول فى مسيرة هذا الصراع فيما يتعلق بمصر، كانت قد تحددت على يد الرئيس أنور السادات عام 1980، عندما غير الدستور المصري لينص على أن quot;الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.quot; ولكن لم يكن هذا التغيير الدستوري، الذى سعت إليه جماعات الإسلام السياسي وبعض أركان النظام نفسه، بغير ثمن أراده السادات لنفسه، إذ شفعه فى ذات الوقت بتغيير دستوري آخر يضمن به إعادة إنتخابه رئيسا للبلاد مدى الحياة.
وهكذا يتجسد التاريخ فى الحاضر مرة أخرى، ليس فقط بإستخدام الدين للتشبث بالسلطة، بل باستمرار quot;المأساةquot; لتنتهي بإغتيال quot;الرئيس المؤمنquot; عام 1981 على أيدى خصومه الأصوليين. وتتوالى القلاقل، حتى مع فرض قانون الطوارئ الذي بقى يجسمْ على صدور المصريين حتى بداية العام الحالي، وكأننا عدنا إلى عصر الخلافة، الأمر الذي علقَ ممارسة الحياة السياسية، فاوهن مؤسساتها، وأدى إلى حالة من العقم السياسي عند غالبية المصريين.
ومع مواصلة القمع السياسي، خلال هذا الصراع، إمتدت حركة أسلمة المجتمع المصري بشكل إبتعد كثيرا عن روح الدين، ليتحول إلى سلوك متطرف ومظاهر رافضة للآخر الديني والمذهبي والفكري بوجه عام، الأمر الذي قسَم المجتمع إلى مسلمين ومسيحيين، وليبراليين وتقليديين. وفى هذا المناخ، الذي إعتبره بعض الباحثين quot;حربا ثقافيةquot;(2)، كان طبيعيا أن تتواتر موجات الإعتداءات الطائفية على أفراد الأقلية القبطية. وكانت بداية هذه الإعتداءات تٌنسب إلى جماعات الإسلام السياسي، أو ما وصفهم النظام المصري بالجماعات الإرهابية، والتى طالت أيضا بعض رجال الحكم، ومنهم رئيس وزراء ورئيس برلمان ورجال أمن. ولكن سرعان، ما تواصلت الإعتداءات ضد الأقباط فى وقت لاحق، ومع تصاعد وتيرة أسلمة الثقافة والمجتمع، على أيدى جماعات من عامة المسلمين، وبشحن صريح من داخل بعض المساجد، وخاصة بعد صلاة يوم الجمعة!
لست بحاجة إلى سرد قائمة طويلة بأشكال التمييز الممنهج التى يتعرض لها المواطنون الأقباط، وصور الإضطهاد التي يقع عليهم فى العديد من القرى دونما حماية لأرواحهم وممتلكاتهم على اأيدى الجماعات المتعصبة، وتحت بصر رجال الإدارة المحلية، وفى غياب الإدارة المركزية. فتقارير كل هذه الأحداث سبق نشرها، وهي موجودة بسجلات دور الصحف ومكتبات منظمات حقوق الإنسان فى مصر وخارجها. ولكن يكفى الإشارة هنا إلى أن مركز إبن خلدون للدراسات الإنمائية بالقاهرة قد سجل مالا يقل عن مائة وخمسة وعشرين عدوانا على قرى وتجمعات قبطية فى العقود الثلاثة الماضية، شملت مناطق من شمال مصر إلى جنوبها. ولا تزال تتوالى مثل تلك الأحداث حتى الأسبوعين الماضيين فى ضواحي مدينة الأسكندرية فى شمال مصر، وفى قرى مدينة الأقصر فى أقصى الجنوب، وفى أوقات متزامنة.
أما الشئ الأكثر غرابة، والأكثر خطورة، فى كل هذه الإعتداءات التى طالت المواطنين الأقباط وممتلكاتهم، فكان هو الغياب المطلق لسلطة القانون وردعه، فلم يٌعاقب أي من مرتكبي هذه الجرائم، الأمر الذى أطلق العنان للغوغاء للإستمراء فى مواصلة العدوان على هذه الأقلية التى باتت محاصرة داخل وطنها.
ومع كل ذلك قد يتساءل البعض عن أهمية الإشارة هنا إلى هذا الموضوع!
أقول دون أدنى تردد، أن تناول هذا الموضوع يستحق اليوم، أكثر من أي وقت مضى، الغوص فى تفاصيله وكشف جذوره، وعلاقته بما يحدث فى مصر اليوم على المستوى السياسي والإجتماعي والثقافي العام، وخصوصا أن تواتر العنف الطائفي فى مصر على مدى أكثر من ثلاثة عقود دونما محاولة ما من الدولة لوقفه، هو أمر لم يعد تجاهله أو تسويفه مقبولا، وخصوصا أن المنطقة المحيطة بنا، وحيث تحاول مصر القيام بدور quot;رجل المطافيquot;، .. فى جنوب السودان ودارفور، والعراق، والصومال، والأراضي الفلسطينية، وربما شمال افريقيا أيضا، تزداد إشتعالا يوم بعد يوم، ولم تفلح معها مؤتمرات أو حكومات وحدة وطنية، سواء بمساع مصرية أو حتى سعودية!! بل ولم تفلح معها بعد جهود ومساع المنظمات الدولية.
أضف إلى ذلك، إن مايحدث فى مصر اليوم من تهرؤ فى النسيح المجتمعي، والمُعبر عنه بما يسمى خطأً quot;بالعراك الطائفيquot; بالإضافة إلى إزدياد معدلات الجريمة وعمليات الخطف وإنتهاك العرض، وفشل مشروعات الشباب وإرتفاع الأسعار وإنتشار السلع الغذائية المغشوشة، وتوالى كوارث الطرق والمواصلات العامة، .... وقبل كل شئ، تعثر عملية التطور الديموقراطي، وغيرها من مظاهر مقلقة، كلها عوامل ضاغطة، تؤدى بكل تأكيد إلى النزوع نحو اليأس والتطرف والإنضمام لجماعات المعارضة المتأسلمة. وهذا ما حدث فى معظم البلاد المحيطة بمصر، ولا يزال يحدث فى مصر ذاتها، وإن كان بشكل مختلف وبصوت مكتوم. وكأننا جميعا نعيش فى حلقة جهنمية مغلقة.
وبالتالي، وفيما يتعلق بما يجري فى مصر اليوم، فليس بالقبض على ممثلى التيار الإسلامي والزج بهم فى السجون قبيل الإنتخابات المحلية أو التشريعية يمكن أن يصد النظام المصري زحف هذه الجماعات على السلطة. فشواهد الواقع حولنا تؤكد أن أقصى مايمكن تحقيقه باستخدام هذا الأسلوب quot;الأمنيquot; هو مجرد إبطاء عملية الإنقضاض عليها.

الواقع والمستقبل

كما قلت فى البداية، وهو أمر نشاهده جميعا، أن الخيوط متشابكة بين التاريخ والواقع، بين مصر ومحيطها الإقليمي، وبين المنطقة والعالم من حولنا.
أما عن التاريخ، فلا شك أن أمجاده الغابرة (وأوهامه الحاضرة) لاتزال تأسر الجموع فتدفعها نحو سراب صحراوي لانهاية له، لدرجة أفقدت الأغلبية العظمى رؤية الأسباب الحقيقية التي أدت بنا إلى الواقع المعاش، وأبعدتنا عن النظر فى كيفية تغييره فى ضؤ معطيات الحاضر والتطورات التي يشهدها العالم من حولنا.
وتلك أزمة الأزمات، وهي أزمة العقل الجمعي العربي الإسلامي المأسور بأسوأ ما في تراثه. ويكفي أن أذكر القارئ، بالجدل المحتدم حول الطقوس والشكليات العجيبة التي شملت بالإضافة إلى مسألة الحجاب والنقاب، شيوع موضوع الفتاوى .. مثل رضاعة الكبير، وأمور أخرى يعف اللسان عن ذكرها، لم ينشغل بها العامة فقط، بل ووصل الجدل حولها إلى قاعة مجلس الشعب وأروقة مؤسسات الحكم فى مصر.
هذا فى الوقت الذي لايزال النظام الحاكم يقاوم أي حركة إيجابية نحو الديموقراطية ودعم سيادة القانون، الأمر الذي لا يؤدى فقط إلى ذيوع الممارسات اللاقانونية بين أفراد المجتمع، كاعمال البلطجة والغش وإنتشار الرشوة، بل الأهم من ذلك صرف الناس عن ممارسة حقوقهم السياسية، يأسـا بسبب ما يواجهونه من عراقيل إدارية وأمنية.
لقد راهن بعض المثقفين فى السنوات القليلة الماضية على الإستفادة من الخبرة الوطنية المصرية التى عاشتها مصر إبان الفترة الليبرالية فى النصف الأخير من القرن العشرين، أي قبل قيام ثورة يوليو 1952 ، وكان أملهم أن تُعاد صياغة دستور 1971 منطلقة من تلك الخبرة ومضافا إليها ما يتناسب مع الواقع العالمي، إنطلاقا نحو عملية تحديث شاملة للدولة ونظامها السياسي. ولكن للأسف لا نزال حتى الآن نتنازع داخل حلقة تحكمها الرجعية والإنتهازية السياسية.
وأخشى أن أقول إزاء كل مايحدث فى مصر اليوم، وما يدور تحت السطح، فى غيبة من سلطة القانون وإحترام حقوق المواطن المصري، وهو quot;الشعارquot; الذى أصبح يتوج الدستور الآن، ومع ذلك يخلو الشارع المصري من أي أثر له، أن الشرعية الدستورية للحكم تتآكل لحساب التيار الإسلامي اللاديمقراطي الذى أخشى، ومعى الكثيرين من المصريين، أن يأخذ مصر إلى المجهول والفوضى الكاملة، وهو ما نشاهده حولنا من كل جانب.
نعم، مصر، بوضعها الحالي، ليست بأي حال محصنة ضد الحرائق السياسية التى تشتعل بالمنطقة التى تعيش مصر فى قلبها، وما تُخلفها من حروب أهلية. ولذلك، فعلى كل المثقفين المصريين، ومنظمات المجتمع المدني التحرك تواً نحو تكوين تحالف سياسي وطني ديموقراطي قوى، ليقطع الطريق على أي مغامرة تود، ويعمل أصحابها على، الأنقضاض على السلطة رافعة الراية الدينية المزعومة.
تلك هي المهمة الأولى التي يجب أن يطالب بها، ويشارك فيها، كل مصري اليوم، مع الأخذ فى الإعتبار بضرورة إحداث ثورة ثقافية تقطع صلتنا بكل الموروث الثقافي الرجعي، والإتجاه نحو ثقافة العصر.. ثقافة الديموقراطية وحقوق الإنسان والإنفتاح نحو العالم.

--------------------------------------------------

(*)نبيل عبدالملك:رئيس المنظمة الكندية المصرية لحقوق الإنسان
(1) Rafiq Zakaria, The Struggle within Islam: The conflict between Religion and Politics, Penguin Books, 1988, pp. 15 amp; 34.
(2) Roger Owen, ldquo;Egypt,rdquo; in R. Chase, E. Hill, Paul Kennedy (eds.), The Pivotal States: A New Framework for U.S. Policy in the Developing World, 1999, pp. 131, 355.