قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

-1-
منذ فجر التاسع من نيسان/إبريل المجيد 2003، ومنذ اللحظة الأولى لسقوط النظام المُباد، اتخذ الإعلام العربي بكافة وسائله، موقفاً سلبياً من تحرير العراق من الديكتاتورية، وحكم الطُغاة. وتجلّى هذا الموقف السلبي في:
1- عدم ترحيب معظم وسائل الإعلام العربي الرسمي، وشبه الرسمي، والمشبوه رسمياً، بما تمَّ في العراق من انتصار لإرادة الشعب العراقي، وذلك تبعاً لموقف الأنظمة العربية مما تمَّ في العراق.
2- تركيز بعض جيران العراق على إشعال الحرائق وإقامة المذابح العراقية اليومية الفظيعة ضد الشعب العراقي، لكي تكون أخبار مثل هذه الفواجع هي الطبق اليومي العربي الإخباري العراقي. ولكي تطغى صور مثل هذه الفواجع (سيما ونحن نعيش في عصر الصورة) على أي منجز إنساني أو تنموي أو معماري أو تربوي أو ثقافي في العراق الجديد.
3- كذلك، فقد كان الهدف من تركيز إعلام بعض جيران العراق على مناظر المذابح والجرائم اليومي ضد الشعب العراقي، تغطية ما يجري داخل بلدان هؤلاء الجيران من محاولات تحرير، وصيحات حرية. ففي سوريا كانت هناك حركة معارضة قوية ضد النظام القائم زُج معظم ناشطيها في غياهب السجون وما زالوا فيها، ولكن تم إلهاء الرأي العام السوري والعربي كذلك، بما يجري في العراق، وصرفه عن أخبار نشاطات المعارضة السورية، وما يقوم به النظام السوري من جرائم اغتيالات متواصلة في لبنان. وفي إيران قالت الأخبار أن النظام الإيراني الديني الملالي يفقد الكثير من مناصريه، وأن دخل إيران السنوي من البترول (50 مليار دولار) لا يكفي لسبعين مليون نسمة في إيران، لأن معظمه أصبح يُصرف على مفاعلات إيران النووية لإنتاج القنبلة النووية (المهدي المنتظر)، وعلى شراء السلاح لسوريا وحزب الله ولحركة طالبان (تم مؤخراً بواسطة قوات الحلفاء في أفغانستان اكتشاف شحنة سلاح من إيران لطالبان) من أوروبا الشرقية وروسيا خاصة، ومساعدة حركة حماس، وكل من يؤيد الإستراتيجية الإيرانية بخصوص عملية السلام والاستقرار في المنطقة.
4- رغبة بعض الأنظمة العربية في إيقاف اللحظة السياسية العراقية عند الدقيقة الأخيرة التي ما قبل سقوط نظام صدام حسين. بحيث لا تاريخ سياسياً جديداً للعراق بعد هذه اللحظة. وبحيث أن ما يأتي بعد ذلك ليس هو التاريخ الجديد للعراق، ولكنها الفوضى العربية - الإسلاموية الجديدة المدمرة للعراق. وما زالت الفوضى العربية - الإسلاموية المدمرة للعراق بسبب هذا الموقف مستمرة منذ أربع سنوات ويزيد.
5- ومما شجع بعض الأنظمة العربية والإسلامية على اتخاذ هذا الموقف ضد بروق ورعود الحداثة السياسية العراقية التي أضاءت السماء العربية، وأخذت بأبصار الديكتاتورية في المنطقة، موقف بعض الدول الغربية (وخاصة فرنسا وروسيا) من العراق الجديد، ومعارضتهم لتحرير العراق على هذا النحو، حتى لا يُضطروا إلى إعفاء العراق من ديونه المتراكمة. ولكن هؤلاء اجبروا أخيراً على إسقاط معظم ديون العراق بالفعل. كما شجع الأنظمة العربية والإسلامية على نشر الفوضى المدمرة في العراق موقف زعماء الحزب الديمقراطي الأمريكي، وبعض مواقف حمائم زعماء الحزب الجمهوري الأمريكي، وكذلك الإعلام الأمريكي المعادي لإدارة الرئيس بوش لأسباب داخلية مختلفة. وبدلاً من أن ينتج عن بروق ورعود الحداثة السياسية الجديدة التي ستقود إلى حداثة اقتصادية وثقافية واجتماعية عراقية في المستقبل القريب، أمطارٌ تُنبتُ النبتَ الحداثي العراقي الجديد، زرعت الفوضى العربية الإسلاموية المدمرة في العراق جثث العراقيين، بعد أن أحرقت أشجار النخيل، واستبدلتها بهذه الجثث.
6- وزاد من بلاء الإعلام العربي عامة تجاه حداثة العراق الجديد، هذا الاصطفاف من جانب معظم المثقفين والكتّاب العرب ضد العراق الجديد وتعاطفاً مع عراق الطغيان والاضطهاد، وخاصة ممن كانوا يتقاضون رواتب شهرية من نظام صدام، كما كان ممن كانوا يتلقون هدايا كوبونات النفط التي فضحتها جريدة quot;المدىquot; العراقية في 2004، ونشرت بعض قوائمها، وما زالت القوائم الأخرى طي الكتمان، بانتظار الوقت المناسب لنشرها حسب quot;المدىquot;. وقد قام الإعلام العربي الموبوء ndash; خاصة مع انتشار الفضائيات العربية - باستقطاب كل الكتّاب والمثقفين العرب المناوئين للعراق الجديد. وأصبحت كتابات هؤلاء المثقفين، وخطاباتهم، وأحاديثهم، ضد العراق الجديد، الطحين المفضل لإنتاج الرغيف الإعلامي اليومي العربي المسموم، الذي يفطر به المتلقي العربي ويتغدى ويتعشى.

-2-
وبكل بساطة أصبح موقف الإعلام العربي الرسمي وشبه الرسمي والمشبوه بالرسمية المعادي للعراق الجديد، هو الحقيقة وهو الواقع العراقي. ولم يتساءل المتلقي العربي لغبار وسائل الإعلام العربي عامة، والحاجب للرؤية الصحيحة، الأسئلة التالية: - لماذا لا يقدم لنا هذا الإعلام العربي ايجابية واحدة مما يتم في العراق طيلة هذه السنوات الأربع؟
- وهل يُعقل أن العراق منذ أربع سنوات حتى الآن، لم يقم بتحقيق أية ايجابية واحدة، على أي صعيد من الأصعدة؟
- وإذا كان ما حلَّ بالعراق الجديد منذ التاسع من نيسان 2003 إلى الآن يعتبر كارثة من كوارث التاريخ، ونازلة من نوازل الدهر، فلماذا يسكت العراقيون عما نزل بهم، بل هم على عكس ذلك يدافعون بكل ما أوتوا من قوة عما نزل بهم، وعن نظام العراق الجديد، ويقفون ضد الفوضى المدمرة التي يبعث بها جيرانهم من العرب والمسلمين صبحاً ومساءً، وطيلة أربع سنوات مضت، وحتى اليوم؟
- ولماذا لا يكشف لنا الإعلام العربي عن المتسببين لهذه الفوضى المدمرة، وعن الواقدين لنيرانها اليومية، وعن مموليها، والمحرضين عليها بصراحة ووضوح؟

-3-
ما هي العوامل التي ساعدت الإعلام العربي على اتخاذ مثل هذا الموقف المنحرف من العراق الجديد؟
هناك عدة عوامل منها:
1- أن التراث العربي الإسلامي السياسي مليء بنصوص مقدسة وغير مقدسة، تحضُّ على عدم الخروج أو الثورة على الحاكم حتى ولو كان ظالماً. وبالنسبة لمذهب أهل السُنَّة في أمر الثورات، فإن الرأي استقرَّ على عدم الثورة على الحاكم، حتى ولو كان ظالماً، درءاً للمفاسد، إلا إذا ظهر منه كفر بواح. وهناك الكثير من الأحاديث التي تحضُّ على عدم الخروج أو الثورة على الحاكم، ومنها الحديث المنسوب إلى النبي ndash; صدقاً أو كذباً ndash; والذي رواه الحسن البصري، والقائل: quot;لا تعصوا أولي الأمر منكم، فإن عدلوا فلهم الأجر وعليكم الشكر. وإن بغوا فعليهم الوزر وعليكم الصبر. فهو امتحان من الله يبتلي به من يشاء من عباده. فعليكم أن تتقبلوا امتحان الله بالصبر والأناة، لا بالثورة والغيظquot;.
2- أن الذي قام بتحرير العراق قوات أجنبية وليست عربية أو إسلامية. وهي قوات أمريكية بالدرجة الأولى. ومن المعروف أن القلوب العربية والدينية خاصة، ملأى بالحقد والضغينة على أمريكا وعلى سياستها في الشرق الأوسط، نتيجة لعدم مساعدتها العرب في حل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية المنشودة. ولو كانت دولة أخرى غير أمريكا التي سبق وحررت الكويت كما حررت العراق هي التي قامت بهذين العملين التاريخيين، فلربما كانت ردود الفعل العربية والإسلامية أقل عنفاً مما كانت عليه، وما زالت هي عليه.
3- أن الأنظمة العربية التي تملك معظم وسائل الإعلام الفاعلة، كانت لا تريد سقوط نظام صدام حسين بالطريقة الدراماتيكية السريعة، التي سقط فيها على أيدي قوات غربية. وكانت تخشى أن يكون مصيرها يوماً كمصير صدام حسين، خاصة الدول ذات النظام الديكتاتوري العنيف كسوريا وإيران. لذا، عملت ما في وسعها لإفشال ولادة العراق الجديد على النحو الذي شاهدناه، ونشاهده كل يوم على شاشات الفضائيات العربية.
4- فشل النخب السياسية العراقية فشلاً ذريعاً في إدارة دفة الحكم في العراق، وعدم قدرتها على الحد من الفساد المالي، وتأمين الاستقرار الأمني، ومستلزمات الحياة العادية للمواطن العراقي، مما أفقد العراقيين الثقة بالنخب السياسية العراقية التي تبين لإدارة الرئيس بوش بأنها خُدعت تماماً بهذه النخب. ولم يعد لديها مسئول عراقي واحد قادر على حكم العراق حكماً ديمقراطياً عادلاً، يحقق من خلاله الأمن والاستقرار في العراق. بل إن الحكومة العراقية الحالية برئاسة المالكي تحاول أن تلتمس وتطلب الأمن والأمان ممن هم سبب الفوضى المدمرة في العراق كسوريا وإيران.

السلام عليكم.

أية إعادة نشر من دون ذكر المصدر إيلاف تسبب ملاحقة قانونية