قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أولا - عن العقبات الكبرى أمام الاستقرار:

العراق إلى أين؟ [ 1-2 ]
في تلخيص لما ورد في الحلقة الأولى، نعتقد أن الوضع العراقي، كما تركناه عام 2007، يتميز بالتردي المستمر على كل الأصعدة باستثناء الهدوء الأمني الجزئي، وهو حدث مهم حقا، ولكن هذا الهدوء نفسه هش، والخطر قائم فعلا جراء بقاء قواعد للإرهاب، وانفلات المليشيات الحكومية، واستمرار التدخل الإقليمي في شؤوننا، وعدم أهلية القوات العراقية في وضعها الحالي لتسلم كامل المسئوليات الأمنية، وذلك خلافا للتصريحات المطمئنة، وإذا كانت القوات البريطانية قد سلمت المسؤولية الأمنية للسلطات العراقية، فذلك لحسابات بريطانية داخلية، علما بأن قادة عسكريين بريطانيين قد صرحوا بعدم قدرة القوات العراقية لوحدها على حفظ الأمن هناك، ونتصور أن وضع البصرة الآن سوف يزداد سوءا.
إن وضع العراق اليوم يتطلب استمرار وجود قوات أمريكية كبيرة لأن أي انسحاب عاجل، بل أي تقليص كبير للقوات في هذه السنة، سيزيد الوضع الأمني احتداما، ويهدد بنزاعات داخلية دموية.
إن مما عززنا به الرأي عن هشاشة الهدوء الأمني الجزئي هو وجود ما دعوناها ب'قنابل موقوتة'، تنطوي على كل عوامل الانفجار.

من هذه القنابل ما يلي:
1 ndash; كركوك

مشكلة كركوك ليست جديدة حيث ترى القوى الوطنية الكردية أن المدينة جزء من إقليم كردستان، ويجب إلحاقها به، وكانت المشكلة من بين نقاط الخلافات الحادة بين المفاوضين الأكراد وحكم صدام في النصف الأول من السبعينات، في حين يعارض التركمان وعرب المدينة هذه الطلبات، وكان صدام قام بعمليات تهجير واسعة لأكراد المدينة، وإحلال بعض العشائر المحلية محلها.
إن الدستور المؤقت لعام 2004 قد عالج المشكلة في البند رقم 140، وأهم ما فيه عودة المهجرين، والإحصاء السكاني، والاستفتاء.
في رأينا، وبعيدا عن مواقف كل طرف، وهي ما بين مشروعة، وما يثيرها القلق والخوف من المستقبل، أن معالجة مشكلة معقدة جدا وحساسة جدا كمشكلة كركوك تستلزم توفر المناخ اللازم والشروط الضرورية للتوصل لحل عادل باتفاق كل الأطراف، ولاسيما الأوضاع الأمنية اللازمة، ووجود حكومة مركزية ديمقراطية حقا، في حين نرى كيف تدهورت الأوضاع بسرعة متلاحقة منذ 2004، وصولا إلى 'عام الدم والدموع'، 2007، على وصف صحيفة عراقية. نضيف أن الثقة المطلوب توفرها بين الأطراف، في كركوك وعلى نطاق العراق، غير قائمة، وأي حل يتم التوصل له اليوم قابل للانهيار، ومن هنا كانت جهود الأمم المتحدة والولايات المتحدة لإقناع الأطراف بتأجيل الاستفتاء ستة أشهر، وهذا ما تم لحسن الحظ. لكن! هل العقدة قد حلت بما سينشر السلام والوئام في المدينة في ظل حل عادل ووطيد ومقبول من الجميع؟ على كل فغن الاتفاق بحد ذاته مفرح ومشجع.

2 ndash; النفط والصلاحيات:

لقد عارض السيد وزير النفط اتفاقات وقعت عليها حكومة إقليم كردستان مع شركات أجنبية، مفسرا موقفه سياسيا واقتصاديا باعتبار النفط ثروة وطنية عامة، ويدخل استثمارها وتوزيعها بعدل ضمن صلاحيات الحكومة المركزية، بينما ترى حكومة الإقليم أنها تطبق بنود الدستور الدائم، الذي منح صلاحيات واسعة جدا للأقاليم والمحافظات.
لقد كان ضمن انتقاداتنا للدستور في حينه إضعاف صلاحيات الحكومة المركزية لحد كبير وهو ما لا ينطبق على توزيع الصلاحيات في الدول الاتحادية الديمقراطية التي نعرفها. القضية عندنا تتخطى موضوع الصلاحيات النفطة بين المحافظات والأقاليم وبين الصلاحيات النفطية للحكومة الاتحادية المركزية. إن القضية تتجاوز النفط لتشمل كل مناحي الحياة الاقتصادية، والسياسية على نطاق العراق، أي قضية دستور يهمش دور الحكم المركزي، وينطوي على مخاطر التفكك.

3 -فيدرالية الجنوب والوسط:

هذا مشروع طرحه ويصر عليه المجلس الأعلى، وهو ما سبق أن انتقده العديد من الساسة والكتاب العراقيين. إن المشروع المقترح لا يعني غير لم العديد من المحافظات في فيدرالية واحدة على أساس طائفي، فضلا عن توسع التمدد الإيراني فيها، هذا التمدد الذي يكاد حاليا يمسك بتلابيب البصرة المستباحة على أيدي المليشيات، وحربها مع بعض، وحربها على المواطنات والمواطنين وحرياتهم وحقوقهم الشخصية، والعدوان على الأقليات الدينية.
إن السيد عمار الحكيم يجدد من وقت لآخر المطالبة بهذه الفيدرالية، التي إن اتُخذت إجراءات عملية لتحقيقها فسوف يولد عوامل انفجار خطيرة.
إن من المؤسف جدا، وكما ورد في الحلقة الأولى، أن تؤيد الجبهة الكردستانية مطلب إقامة فيدرالية الجنوب مع أنها ستقوم على أساس طائفي وليس على أسس الوحدة الجغرافية، والقومية، والتاريخية، واللغوية، والتقاليد الشعبية، كإقليم كردستان العراق، تلك الوحدة التي اضطر صدام نفسه للاعتراف بها حين وافق على الحكم الذاتي. إن الجبهة الكردستانية تخطئ إن تصورت أن تأييد مشروع الجنوب سيقوي شرعية فيدرالية إقليم كردستان، فهذه الشرعية معترف بها دوليا ووطنيا منذ قيامها في بداية التسعينات، وتعاملت معها الأحزاب العراقية بإيجابية وبتعاون وثيق معها حتى أنها كانت ملاذا للمعارضة زمن صدام طوال التسعينات المنصرمة.
إن ما يعزز مكتسبات شعب كردستان وفيدراليتها هو انتشار الديمقراطية في العراق، ومكافحة الطائفية المذهبية والسياسية، وضمان وجود حكومة مركزية ديمقراطية ومستقرة، وبعيدة عن مشاريع الإسلام السياسي، الديني، والطائفي.

ثانيا - أية دولة تبنى اليوم في العراق؟؟

جوست هلترمان هو من 'مجموعة الأزمات الدولية' في الولايات المتحدة، ومعروف عن دراساته توخي الموضوعية والتمحيص. وقد كان اختصاصه مركزا أولا على القضية الفلسطينية، واليوم على العراق والخليج.
لقد كتب هلترمان مؤخرا دراسة عن مسار تطور العراق، نشرته صحف أمريكية ونشرت خلاصته مواقع وصحف عراقية وعربية.
إن هذا الباحث المختص غير متفائل أبدا، بل في تقديره 'أن العراق يسير في اتجاه دولة فاشلة، وهو وضع لا مركزي لحد مبالغ فيه، لم يجر التخطيط له مسبقا أبدا، مع مراكز سلطة تتنافس، ويديرها جنرالات الحرب والمليشيات.'
إن الباحث يشخص حقائق قائمة، وسبق أن شخصها مرارا العديد من الكتاب العراقيين، وإن كنا نميل إلى وصف الحالة بكون العراق سائرا بخطى سريعة نحو دولة دينية، نجد نموذجها اليوم في البصرة المغلوب على أمرها، كما وجدنا بالأمس نموذجا آخر في الفلوجة وبيجي، عندما سيطرت عليهما القاعدة وغلاة المتشددين السنة. هنا نود تحية ذكرى الصحفي الأمريكي الفقيد ستيفن فنسن، الذي خطف واغتيل بعد يوم واحد فقط من نشر مقالته عن البصرة في بداية آب 2005، فاضحا تحكم المليشيات بجهاز الشرطة، والعدوان على الجامعات والطلبة، وتشكيل فرق 'أخلاقية' في الجامعات، كما فضح فرق الموت، ونوع سياراتها، وتكوينها من ضباط شرطة ومليشيا الصدر، وقد كان من عناوين مقاله ' الإسلاميون هم الشرطة في شوارع البصرة'.

إن جميع الأحزاب الإسلامية، من سنية وشيعية، تسعى لإقامة دولة دينية ما بين طالبانية سنية، أو خامنائية شيعية، وبما أن موازين القوى تميل حاليا لجانب الأحزاب الحاكمة ومليشياتها، ومع تدخل إيراني شامل، فإن الاتجاه الراجح، حسب ما نراه، سائر نحو قيام دولة ولاية الفقيه بطبعة عراقية، في الجنوب، والوسط، وفي بغداد. إن من مظاهر ذلك ما جرى ويجري على نطاق الجنوب وفي بغداد، من التضييق على الأقليات الدينية، وتحريم السفور، والفنون، وتفجير محلات أشرطة الغناء، ومحلات الموسيقى الشعبية، وتفجير محلات الحلاقة النسائية، ودور السينما، والحانات، وتحريم لبس ملابس الرياضة، وغلق مدن الألعاب، والأماكن السياحية، وتحريم قيادة المرأة للسيارة على النمط السعودي، وفرض الحجاب واللباس 'الإسلامي' [المحتشم!!]، وبصدد منع الأغاني والموسيقى نحب إيراد ما كتبه أحد المفكرين إذ يقول:
'ما أروع، وما أعظم أن يغني الناس جميعا، وبعاطفة مشتركة، أغاني الحب، والجمال، والتآخي، والبهجة، والأمل، فحينئذ سوف يكونون قادرين على صنع كل مأثرة.' ولكن، وكما يقول المصريون، 'إحنة فين والحب فين!'، ومثل ذلك قول العراقيين ' إحنة وين وعرب طنبورة وين!'

أجل، ماذا ننتظر من دولة دستورها هو حكم الشريعة؟! وكيف لا يلفت النظر لجوء القيادات الحاكمة في كل مرة تريد فيها تبرير المواقف والسياسات إلى استخدام اسم السيد على السيستاني، سواء كانت حول الانتخابات، أو تشكيلة الحكومة، أو الشؤون الكردية، وإلى مشكلة الكهرباء، وسبل حلها. إن هذه المشاكل وغيرها هي بغالبيتها موضع خلافات، وتعدد اجتهادات، بل وصراعات، وإن زج المرجعية فيها معناه أولا إخضاع سياسات الدولة للفتاوى الدينية، وثانيا زج المرجعية في مسالك الخصام والخلافات في شؤون دنوية ومدنية لا في شأن ديني.

لقد كان الكاتب العراقي ناظم عودة محقا في وصفه للدولة الراهنة بكونها 'دولة دينية بسراويل ديمقراطية'، ومن جانبنا نقول إنها 'سراويل انتخابية' لأنه ليست كل انتخابات تشكل عملية ديمقراطية تتقدم بالبلد إلى أمام، رغم حرية صناديق الاقتراع، وهو ما سبق لنا وغيرنا تناوله في التعليق على الانتخابات التي جرت عندنا، والتي قامت على أساس الولاء الحزبي، والمذهبي، والعرقي. وفي غياب المشاريع السياسية الوطنية العامة.

إن مواقف وبيانات جيدة كالبيان الحزبي الثلاثي، بين الحزبين الكردستانيين والحزب الإسلامي العراقي، هي شيء حسن رغم أن مضامين البيان المذكور مكررة وتقليدية، ولا يمكن لخطوة كهذه أن تكون بديلا عن إعادة النظر الجريئة في المواقف والمنطلقات، والوعي بحقيقة ما يتطلبه العراق في أزمته الراهنة بما يساعد حقا على تغيير المسار العراقي، والحل التدريجي الناجع للأزمة العراقية الراهنة.

أخيرا، فه نحن ندشن عام 2008، ومن المفرح للغاية أن تنطلق جموع الشباب في بغداد مساء للاحتفال بالمناسبة، وسط صيحات الفرح. إنه شعور أهالي بغداد بتحسن الوضع الأمني منذ شهور، وهذا الاحتفال لا يمكن أن يرضي الإسلاميين، فالرقص والغناء لديهم حرام، والعام ميلادي لا هجري! مع ذلك خرج الشباب البغدادي بعفوية رغم التضييق الديني.

إنه حسن أن نأمل خيرا من العام الجديد، وأن نفرح مع أهالي بغداد بمقدم العام الجديد، ولكن التمني لا يحل محل إعادة نظر القيادات الحاكمة جذريا في الدستور، والسياسات، والتحالفات، وفي تشكيلة الشرطة ومجمل القوات العراقية باتجاه التطهير القائم على معايير الكفاءة، والولاء للوطن أولا.

أية إعادة نشر من دون ذكر المصدر إيلاف تسبب ملاحقة قانونية