قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حالة الاختلاط والبلبلة الفكرية تتفاقم في المجتمع المصري، بدءاً من التناول المضلل لقضية دعم السلع، ذلك التضليل الذي يمارسه كل من الداعم والمدعوم، مروراً بقضية الخصخصة ودور الحكومة في الإنتاج، ومسألة حرية الإعلام بين دعاة التقييد، ودعاة حرية السباب وإطلاق الإشاعات وبث الكراهية بالمجتمع، ثم قضية الديموقراطية بين المستفيدين من الديكتاتورية، ودعاة الانسياق وراء توجهات الغوغاء لمجرد أنهم أكثرية، وليس انتهاء بقضية حرية العقيدة، بين قلة قليلة تستهدف فعلاً تمتع المصري بحرية الاعتقاد، وفرق متناحرة يستهدف كل منها قمع الآخر أو تحجيمه، على أرضية طائفية متعصبة، وإن تسترت خلف شعارات ورايات الحرية والإيمان.
ربما هو قدر من يحاول أن يقف باستقامة وعقلانية في هذا الوسط المشوش المحتقن، أن يكون هدفاً للراجمين بالأحجار والكلمات ndash;وربما بالخناجر- من جميع الأطراف المتصارعة، التي قررت ألا تتفق إلا على أمر واحد، هو معاداة العقلانية والعقلانيين واللجوء إلى منهج التصادم في مقاربة المشاكل، واعتبار دعاة الحوار الهادئ والتجرد والموضوعية خونة وعملاء، ورغم أنني حاولت قدر استطاعتي إزالة الالتباس في موضوع quot;أسلمة الأقباط بالإكراهquot;، إلا أنه من الواضح أن تلك المحاولات لم تثمر إلا المزيد من الاختلاط والبلبلة، مما يضطرني لمحاولة أخرى، قد أنجح فيها في وضع النقط على الحروف:
bull;لا أستطيع شخصياً الجزم بعدم وجود حالات إكراه للأقباط على تغيير دينهم، مادمت لا أمتلك قمراً صناعياً، يكشف لي عن ما يحدث في كل شبر من أرض مصر، لكنني أستطيع تأكيد قناعتي الشخصية التامة بأن ما وصل إلى علمي وعلم المجتمع المصري في هذا الشأن من حالات، سواء عبر وسائل الإعلام، أو عبر المعايشة المجتمعية، لا يمكن توصيفها quot;كأسلمة بالإكراهquot;، وإنما هي من قبيل الفعل الحر لصاحب القضية، تحت تأثير ظروفه وأهوائه الخاصة، وفي قناعتي أن أي ادعاء غير هذا إن لم يكن من قبيل إساءة قراءة الواقع، فهو من قبيل التضليل والتزييف.
bull;تشكل بعض القوانين المصرية وبعض تفسيراتها، علاوة على أداء أغلب إن لم يكن كل أجهزة الدولة، مع تيار التعصب الديني المستشري في المجتمع، نتيجة التخريب الذي تمارسه الجماعة المحظورة، يشكل كل هذا بيئة تسهل وترحب وتكافئ على أسلمة الأقباط، لكنها لا تتخطى حدود الترغيب إلى الترهيب، لتصبح عامل ضغط وإكراه للأقباط على هجر دينهم إلى الإسلام، وليس من المتوقع وصولها إلى هذه الدرجة، ما لم يصل الإخوان المسلمون إلى حكم البلاد.
bull;من لديه معلومات سرية يحتفظ بها في هذا الشأن، وتخالف ما توصلنا إليه مما نعرفه، يمكنه الاستمرار في التكتم على ما لديه، على أن لا يدخلها في نقاشاتنا حول الموضوع، فمن غير المعقول أن نحلل حوادث لم نسمع بها، أو نحمل دلالاتها المجهولة على ما تراه عيوننا، كما يمكنه أن يطلع المجتمع عليها، لنتمكن عندها من إدخالها في حساباتنا.
bull;قضية التغرير بالفتيات القاصرات دوافعها الأساسية جنسية وليست دينية، وهي جزء من حالة الكبت الجنسي التي يعاني منها المجتمع المصري، وفي تقرير لشبكة الأنباء الإنسانية quot;إيرينquot; التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية، أنه وفقا لأرقام وزارة الداخلية استنادا لبلاغات أقسام الشرطة على مستوى الجمهورية، تتعرض 20 ألف امرأة في مصر للاغتصاب سنوياً، ، ويقول الخبراء أن الرقم الحقيقي لحالات الاغتصاب في مصر أعلى بكثير من هذا الرقم، فالخوف من الفضيحة يحول دون توجه الكثير من الضحايا للإبلاغ عن تعرضهن للاغتصاب، وبالطبع هذا بخلاف حالات هروب الإناث بدواعي العشق، سواء كن قاصرات أو حتى متزوجات، لكن الموضوع يأخذ أبعاداً إضافية في حالة الفتيات المسيحيات، نتيجة لثلاثة عوامل: أولها عدم قبول العائلات المسيحية للتسويات المعتادة بالمجتمع بالزواج إذا كان الشاب مسلماً، ثانياً تخاذل أجهزة الأمن أو تواطؤها، بعدم العثور على الفتاة القاصر وإعادتها لأهلها ومعاقبة الجاني، والثالث وجود جماعات وجمعيات متأسلمة معروفة بالاسم تمول هذه الحالات مالياً، معتبرة إياها نصراً وغزواً دينياً، لكن كل هذا يدخل في نطاق الترغيب والمساعدة، وليس التخطيط والترهيب والإجبار.
يعني هذا أن الموضوع مشكلة أسرية ومجتمعية مصرية، تحتاج لحلول علمية وعملية من منظور وطني شامل، كما يحتاج المجتمع وكافة مؤسسات الدولة الرسمية والأهلية لتطهيرها هيكلياً وفكرياً من تغلغل نفوذ وثقافة التعصب الديني والعداء للآخر، ومن الفكر القبلي البدوي المنغلق على ذاته، لكن المعالجة الصحيحة التي ننشدها لا يفيدها ما يمارس من كذب وادعاء أن المسألة اختطاف للفتيات بغرض الأسلمة، ليس فقط لأن هذا التزييف يستفز الطرف المدعى عليه، ولكن أيضاً لأن التشخيص الصحيح للمرض هو المرحلة الأولى للعلاج الناجع، في حين أن التضليل يضللنا عن هذا العلاج.
bull;تتحمل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية المسئولية كاملة عن حالات التلاعب بتغيير الدين، فراراً من جور قوانين الأحوال الشخصية اللا إنسانية التي تتمسك بها، مدعية أنها قوانين إلهية، رغم أنهم ونحن معهم نصر أن إلهنا إله محبة، وليس إله تعسف ولا مبالاة بالإنسان، وعلى الكنيسة أن ترحم أبناءها، وأن تقول لهم: quot;تعالوا إلي يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكمquot; كما قال السيد المسيح، كما ينبغي أن يكف الأقباط عن الولولة ولطم الخدود على حق عودة من أسلم منهم إلى المسيحية، لأن كنيستهم هي التي تسببت في quot;طلوع الناس من دينهمquot; بدلاً من أن تثبتهم فيه.
bull;تمثل موقعة السيدة وفاء قسطنطين (زوجة الكاهن) نموذجاًَ لفشل الكنيسة في رعاية صفوة بنيها، ولعدم صلاحية ما تطبقه من قوانين الزواج، كما تمثل نموذجاً فجاً للجوء كبار القادة الدينيين لتضليل الجماهير لاستنفارها، من أجل السعي لاسترداد كرامتهم المفقودة بمروق زوجة كاهن، وتمردها على الكنيسة وعلى الدين كله، كما تصلح هذه الواقعة نموذجاً لما يمكن أن يفعله بالوطن رجال الدين، الذين لا علم لهم ولا خبرة بالعمل السياسي، ولا هم لهم إلا ذواتهم، وما تكتظ به رؤوسهم من أفكار يظنونها مقدسة، كما تسجل هذه الواقعة أول حالة لتراجع الدولة وانحنائها أمام الكنيسة، وهي التي اعتادت وأدمنت الانحناء والتراجع والمزايدة على تيار الإسلام السياسي، الذي يسوق الشعب المصري نحو الهاوية، وماذا غير الهاوية يمكن أن يكون مصير شعب يضرب دولته الوهن، ليتحكم في مصيره أصحاب العمائم البيضاء والسوداء؟!!
bull;عندما يصير التحول من دين إلى آخر قضية فكر محض، نستطيع عندها أن نطالب جميعاً كمصريين بقوانين جديدة وفكر جديد، يتيح للإنسان ممارسة أبسط ملامح إنسانيته، وهو أن يكون حراً في فكره واعتقاداته، دون حسيب أو رقيب رسمي أو مجتمعي، أي قطاع عام أو قطاع خاص، لكن هذا لن يتحقق طالما بقيت حالة التخندق الطائفي لدى جميع الأطراف، وطالما سادت ثقافة فاشية مهيمنة، تطفح بسوادها على الجميع، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية.
bull;إن فشل الأقباط وصفوتهم في قراءة الواقع بتجرد وعقلانية، ولجوءهم للمغالطة والتزييف، لا يخدم قضاياهم العادلة والمعلقة منذ عقود، وإنما يؤدي إلى إزكاء نيران التعصب والعناد التلقائي لدى الأطراف الأخرى، فيسود السجال والتناطح والصدام، بدلاً من النقاش والحوار العقلاني البناء.
إننا يا قوم فاشلون في علاقاتنا مع العالم من حولنا، لنفس الأسباب التي تجعلنا فاشلين في علاقاتنا مع بعضنا البعض، فنحن نرى الواقع بعواطفنا، فتكون النتيجة ألا نرصد حقائقه العينية، وإنما نتوهم ما يجول في هواجسنا وعقلنا الباطن من مكبوتات وأوهام، فنندفع نحارب طواحين الهواء، فلا عدواً هزمنا، ولا إشكالية وجدنا لها حلاً، هي ولا ريب ثقافة الفشل لا أكثر ولا أقل، فلا تصرُّوا على الفشل، لأن الفشل لا يرثه سوى الخراب.
[email protected]
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه