quot; على كل أمير أن يواجه الحالات الحرجة ومقتضيات الملك الجديدة باتخاذ التدابير المناسبة...ومع ذلك عليه أن يكون حذرا في تصديق ما يقال له وفي العمل أيضا وأن لا يخشى من ظله الخاص به وأن يسيطر بطريقة معتدلة يلفها حسن التبصر والإنسانية حتى لا تؤدي به ثقته المفرطة الى الإهمال وعدم الاهتمام ويطوح به حياؤه الى التعصب وعدم التسامحquot;.[1] مكيافيلي / كتاب الأمير
لعل مقتدى الصدر هو الاسم الأكثر تداولا في العراق بعد الغزو الأمريكي لهذا البلد العريق وإزاحة نظام صدام حسين من على سدة الحكم بالقوة، ولعل هذا التداول الكبير لاسمه من طرف وسائل الإعلام يعود الى بالأساس للموقع الذي كان يحتله في المشهد السياسي الديني في العراق بعد الزلزال المروع، فهو سليل عائلة عربية شيعية مشهورة في العراق لها امتدادات في لبنان وعلاقات بالحوزات الدينية في سوريا وإيران وقدمت عدة شهداء من أجل الحرية في هذه البلدان ثم شهد التيار الذي أسسه انتشار جماهيري واسع امتد تقريبا جميع المدن التي يتواجد فيها الشيعة في العراق وخاصة مدن الوسط والجنوب ليشمل بعض العمق العربي والإسلامي عندما رفع شعاره الشهير:كلا أمريكا كلاquot; تشبها بشعار حسن نصر الله: quot;هيهات منا الذلة هيهاتquot;، لكن السبب الهام التي كانت وراء شهرته هو التعهدات التي قطعها مع نفسه والتي أوكل الى تياره مهمة انجازها وهي تحرير العراق من الاحتلال الغربي وquot;استئصال بقايا البعثquot; على حد تعبيره ومكافحة القاعدة بلا هوادة باعتبارهم من الروافض.
لقد أسس مقتدى مع ثلة من المتحمسين جيش المهدي لانجاز هذه المهمة وهو جناح مسلح خاض معارك ضد الاحتلال الأمريكي في بداية ظهوره ثم دخل في العمل السري وترك الساحة الى الجناح السياسي الذي يمثله الناطقين باسم مكتب الشهيد الصدر في كل المدن وأجبرته الظروف العصيبة التي مر بها بلاد الرافدين أن يعلن تجميدا لنشاطه ضد الاحتلال نتيجة الضربات الموجعة التي تلقها من طرف الجيش الأمريكي وتواضع إمكانياتها وضعف التدريب في عناصره.
ما حصل بعد بروز التيار الصدري كقوة سياسية واعدة هو أنها حوصرت من طرف ثلاث جبهات قوية: وهي البيت السياسي الشيعي والتي تتحكم فيها المرجعية العليا ويتقدم فيها عليه من الناحية التاريخية حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية وهما جناحان تؤيدهما ايران بشكل مطلق ومن ناحية ثانية محاصر من طرف حركات المقاومة السنية التي يسيطر عليها البعث والسلفيين والقاعدة وتنظر اليه كتيار ديني شيعي متناقض جذريا معهم سياسيا ومذهبيا وينبغي محاربته، أما الناحية الثالثة فهي قوات التحالف الغربي وخاصة الجيش الأمريكي الذي نظر الى هذا التيار على أنه خطر حقيقي على الأمن في العراق يحمل مشروع مقاومة ويحرض على الأجنبي وينبغي الضغط عليه ومحاصرته حتى لا يكبر ويفتك الساحة ويتحول الى قوة كبيرة يصعب فيما بعد السيطرة عليه.
هذه الوضعية المعقدة عسرت مهمة قائد التيار مقتدى الصدر في التوفيق في القيادة وأربكت أدائها وتكتيكه ومناوراته على الجبهات الثلاث فهو قد اختلف كثيرا مع الجعفري والمالكي والجلبي ولم يقرب اليه سوى حزب الفضيلة وبعض المجموعات الصغرى الأخرى من الكتلة الشيعية ومن جهة ثانية لم يتواصل الا مع جمعية علماء المسلمين المحسوبة على الإخوان المسلمين من الكتلة السنية وتقاطع مع الأكراد والقوى المحتلة على الرغم من غضها الطرف عن نشاطاته في بعض الأحيان.
الأجواء تعكرت عندما شارك بعض المنفلتين من جيش المهدي في الحرب الطائفية التي نظمت ضد السنة وموجة التطهير العرقي والقتل على الهوية والتي اشتهر فيها سفاحين المتعطشين للانتقام والثأر والتشفي، زد على ذلك برزت عدة تنظيمات مسلحة شيعية مثل ميليشيا بدر وجيش السماء وجيش القدس تتحدى جيش المهدي في معاقله وتتنافس معه في حراسته للعتبات المقدسة مثل الصحن الحيدري والمراقد ومساجد الكوفة والنجف وكربلاء وقد وصل الأمر الى حد تبادل العنف والدخول في احتكاكات مسلحة وهو ما سبب عدة مشاكل وتضييقات على التيار الصدري وشوه سمعته وألصق به نعوتات سيئة كان يمكن أن يتفاداها.
التيار الصدري شارك في الانتخابات ودخل ضمن التحالف الشيعي الى البرلمان وله نواب ووزراء وآمن بضرورة الدخول في مرحلة انتقالية تحت الاحتلال الأمريكي من أجل استصلاح العراق وتحريره شرط انتظار استعادته لعافيته الأمنية وتوفير الأرضية لبناء دولة جديدة تجمع كل التنويعات الطائفية والعرقية التي تعج بها البلاد.
مقتدى الصدر فسر انعزاله عن الحياة السياسية بأنه طلبا للتكامل عن طريق العلم بعد أن ارتكب العديد من الأخطاء وأخفق في مهمة تحرير العراق من الاحتلال ولذل فانه آثر العزلة من التوبة والاستغفار ولتطبيق وصية والده القاضية بأن يرتقي في مراتب العلم ويواصل الاجتهاد والبحث في علوم الشريعة الذي اشتهر بها عمه محمد باقر الصدر والذي ترك العديد من الكتب أهمها مقدمة في التفسير الموضوعي للقرآن واقتصادنا وفلسفتنا والأسس المنطقية لاستقراء والتجديد في علم الأصول وهي مؤلفات تتضمن رؤى تقدمية تنويرية باهرة وتشجع على الاستئناف الحضاري والتوحد.
أما الدافع الثاني الذي جعله يقرر الانعزال والانزواء هو انحراف أتباعه وسلوكهم سياسة دنيوية وعدم انصياعهم لأوامره وانغماسهم في التحزب وارتكابهم ذنوبا لا يقدر هو أن يتحمل وزرها ويكون مسؤولا عنها. السبب الثانوي حسب مقتدى الصدر هو محاولة البعض من المقربين منه إظهار نزعة استقلالية تسلطية وعدم توفر مناخ من الأمن والحرية يتيح له مواكبة عمله بنفسه والإشراف المباشر والمتابعة المستمرة لمكاتب تياره ومنابره وهيئاته من قريب.
انه من حق أي كان أن يطلب العلم متى شاء وفي أي أرض خاصة وأنه ينتمي الى حضارة تأمره بأن يطلب العلم من المهد الى اللحد ولو في الصين وهذا الطلب فريضة على كل مؤمن ومؤمنة ومن حقه أيضا أن يطبق وصية والديه خاصة وهو ينتمي الى مذهب ديني يقدس الوصية ويحكم قيم الذاكرة والماضي في أحداث الحاضر وتوجهات المستقبل ولكن من واجب العراق على أبنائه أن يبذلوا كل ما لديهم من أجله وأن يضحوا بأنفسهم بغية تصحيح المسار ورأب الصدع وتحقيق الفلاح ومن فرائض الحكمة أن العمل الكثير مع العلم القليل خير من العلم الكثير مع العمل القليل وخصوصا ونحن في حضارة يحكمها مبدأ أعوذ بالله من علم لا ينفع.
من هذا المنطلق يفسر العزوف عن العمل السياسي على أنه تردد وضعف من طرف الزعيم الشاب الذي بدأ مساره بالخطابات النارية المتوعدة والتي تخللتها بعض الاعتكافات والاحتجابات وقد رافقتها بعض الشائعات حول تتراوح بين المرض والتعرض للهجوم ولكنه قد يفهم على أنه قراءة لمستقبل العراق المظلم واستحالة ايجاد مخرج للمأزق الذي تتخبط فيه النخب السياسية العراقية.
لكن قد يخلف انسحاب الصدر الشاب من الحياة السياسية العراقية في الوقت الحاضر عدة تساؤلات وتكهنات أهمها: هل هذا الانسحاب يفسر على أنه راحة المقاتل ودرء للمخاطر وحفظ للنفس من كل تهديد أم أنه طلبا لدرجات عليا من العلم تمكنه من الارتقاء الى درجة المراجع العلمية حتى يقوى نفوذه على أتباعه ويكون صوته مسموعا؟
هل هذا الاعتزال يعبر عن تشتت التيار الصدري وفشل زعيمه في السيطرة على أجنحته واعترافه بالهزيمة أم أنه فرصة لهذا التيار لكي يتجدد ويبرز على السطح قيادات جديدة ويدخل في العملية الديمقراطية من الباب الكبير وينافس الأحزاب الشيعية التقليدية في تمثلية الحكومة والبرلمان؟
هل يفسر هذا العزوف عن العمل السياسي هيمنة اليمين الديني على الفضاء العمومي وعسر مهمة التيار المدني التقدمي أم أنه يعلن تعثر مشروع المقاومة الذي تشدق به كثيرا الصدر وجعله يقترب كثيرا من التيار السني ويمثل ذراع جبهة الممانعة في العراق؟
أليس اختيار الصدر طريق العلم والمعرفة وإتباعه نهج السلم والتسامح والمقاومة الثقافية المدنية هو أفضل المسالك لتجنب الحرب الأهلية والمشاحنات الطائفية التي كثيرا ما مزقت العراق وقطعت أوصاله؟ فهل يوقف التحاق الصدر بالحوزة الدينية في قم مشروع أمريكا الرامي الى تقسيم العراق الى ثلاث دويلات كردية في الشمال وسنية في الوسط وشيعية في الجنوب؟ وهل تكفي ابتهالاته ودعواته من مساجد ايران لإيقاف المؤامرة الكبرى التي حيكت ضد وطنه الأم العراق؟
ربما ما سيحدث في الأيام القادمة هو الذي سيبين لنا صدق هذه التكهنات من خطئها وصحة توجهات الصدر أم ضلالها طالما أن معشر الساسة في العراق سيخسرون فارسا وسيربح معشر العلماء والمثقفين فلربما يستطيع رجال العلم والفكر أن يقوموا بما عجز عنه هؤلاء الساسة، لكن المعضلة التي تطرح من جديد هي طبيعة الفكر السياسي الذي يدرس في الحوزات الدينية سواء كانت إسلامية أو إسلامية أو يهودية من يضمن أن يكون هذا التفكير السياسي تفكيرا ديمقراطيا وخاليا من روح التعصب والتشدد وبعيدا عن الانتصار للفرقة الناجية والشعب المختار والعرق النقي؟
* كاتب فلسفي
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه