أشعر بالمرارة على المصير العبثي الذي انتهت إليه حركة (فتح)، ويلازمني إحساس عميق بالأسى، على زمن quot;منظمة التحريرquot; الذي يبدو أنه ولى، ذلك لأنني ببساطة على quot;مذهب فتحquot; في المسألة الفلسطينية، منذ أن تفتح وعيي على هذه القضية، التي حملتها (فتح) كحركة تحرر وطني، وارتبطت منذ نشأتها الأولى بحزمة من الأهداف الإنسانية النبيلة، يتصدرها بالطبع تحرير التراب الفلسطيني، لكن ـ وآه من لكن وأخواتها ـ جرت مياه كثيرة في بحر غزة ونهر الأردن وأنهار أخرى، تبدلت معها الأحوال والرجال .
quot;اشتري جوال واحصل على اثنين، لكن شريطة الاعتراف بإسرائيلquot;، هكذا تندر حمساوي ـ متشفياً ـ من واقعة محاولة تهريب الآلاف من أجهزة الهواتف النقالة في سيارة روحي فتوح رئيس المجلس التشريعي السابق أثناء عبورها من الأردن إلى الأراضي الفلسطينية عبر جسر اللنبي، والتي أطلق عليها لاحقاً فضيحة (فتوح - فون)، نسبة إلى فتوح الذي سارع إلى إنكار علاقته بعملية تهريب الأجهزة وأصدر بياناً قال فيه quot;إن سائقه هو من قام بهذا العمل، مستغلاً بشكل غير أخلاقي وغير مسؤول، مهنته كسائق لدى شخصية عامةquot; .. طيب، كسبنا صلاة النبي ..

..........
ومع التسليم دون لغو ولا مكابرة بأن هذا الطراز المزري من وقائع الفساد استشرى بشكل مخجل في دوائر السلطة الفلسطينية لحد لا يمكن تبريره، ولدرجة أنه بات يتماهى مع ما يجري في كواليس دوائر أنظمة الحكم العربية المختلفة، ولكن لدى هذه الأخيرة من القوة ما يكفيها حتى تتحمل منظومات الفساد بدرجات متفاوتة، غير أن quot;سلطة مدنيةquot; تعيش على المنح والمعونات ولم تدشن بعد دولة، لا يمكنها أن تحتمل كل هذا الفساد، لاسيما في ظل ظرف غير مسبوق في تاريخ الفلسطينيين، اختطفت فيه حركة حماس القضية الوطنية برمتها، واختزلتها في خطابها المتطرف، الذي لا يتجاوز حدود خطب الجمعة، وذهنية التنظيم السري، وممارسات عصابات الزعران حين ينتزعون الاحترام بالكلاشينكوف .
ولعلي لا أبالغ هنا حين أقول إن أدبيات حركة (فتح) ومنظمة التحرير الفلسطينية ساهمت مع ظروف أخرى في تشكيل ذائقة جيل كامل من المثقفين بكافة الدول العربية إذ ارتبطت المنظمة بأجندة تقدمية مفرداتها تتألف من أشعار محمود درويش وسميح القاسم وكتابات عدد لا حصر له من المفكرين والمثقفين وروائع فيروز : quot;سنرجع خبرني العندليب .. القدس العتيقة .. زهرة المدائن الخquot;، ناهيك عن تجارب صحافية وثقافية صاغت وجدان أجيال من العلمانيين اليساريين والليبراليين .
لم تكن تقيم أي اعتبار للتمييز بين شابة فلسطينية مسيحية أتت من حواري القدس العتيقة، أو شاب نشأ في مخيمات غزة، أو يساري رضع الانحياز الفطري للفقراء والمهمشين مع حليب أمه في مخيمات الفلسطينيين بلبنان، أو أي اعتبار آخر، المهم أن يكون فلسطينياً، وحتى لو لم يكن هكذا، فيكفي أن يكون مناصرا للقضية، عربياً كان أو غربياً أو من أميركا اللاتينية أو روسيا أو حتى إسرائيل.. لا يهم .
أما حين ظهرت حماس فلم يعد الأمر هكذا، إذ تبدلت كل القناعات ليعلن أعضاؤها الميدانيون ـ ودعك من القادة السياسيين المراوغين ـ أن الفلسطيني المسلم خير من المسيحي، وأن المسلم الذكر أفضل من المسلمة الأنثى، وأن المسلم الذكر الحمساوي أسمى من غيره، وأن المسلم الحمساوي المقاتل هو quot;ذروة سنامquot; الجماعة، وأن القضية الفلسطينية ليس سوى مقدمة لحرب مفتوحة مع كل الأمم الأخرى، وأن التعايش السلمي مسألة تكتيكية وليست خياراً استراتيجياً .

..........
لن استطرد كثيراً فيما جنته حماس ـ ومازالت ـ على ملايين الفلسطينيين من كوارث ومحن، فهذا ما ينبغي أن نتوقعه من حركة ساهمت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في صناعتها، والشهادة عن الدور الإسرائيلي في تسهيل إقامة حركة حماس، تأتي على لسان الكاتب الإسرائيلي quot;الموغ بوكرquot; في صحيفة (هآرتس) من خلال تحقيق صحافي بعنوان quot;هكذا أسسنا حماسquot;، تناول فيه قصة منح الحركة الترخيص اللازم للعمل من خلال المجمع الإسلامي، الذي افتتح رسمياً عام 1979، وتحذير مسؤول الشؤون الدينية أفنير كوهين من مثل هذه الخطوة quot;كمن يربي غولا في حديقة منزلهquot; ويحفل التحقيق بمعلومات مذهلة عن علاقة المرحوم أحمد ياسين بإسرائيل، وكلها وقائع وتصريحات منسوبة لشخصيات لم تزل على قيد الحياة.
أما عن مزاعم حماس وأمها quot;الإخوان المسلمونquot; حول الديمقراطية، فهو اللغو وحديث الإفك بعينه، وهاهو ما كنا حذرنا منه يحدث، فما أن تسلم مجاهدو حماس مقاليد الأمور في غزة، حتى أشهروا السلاح في وجوه شركائهم، وفعلوا بهم ما لم تفعله إسرائيل، ذلك لأن الديمقراطية في عمق أدبياتهم هي quot;كفر بواح، واحتكام لغير ما أنزل اللهquot;، وهذه هو ما قاله مؤسس quot;أم الجماعاتquot; حسن البنا في مجلة quot;الإخوانquot; في عددها الصادر بتاريخ 22 يوليو سنة 1946 بالحرف الواحد : quot;لقد آن الأوان لأن ترتفع الأصوات مطالبة بالقضاء على نظام الحزبية في مصر لمخالفته الصريحة للنهج الإسلاميquot; .

..........
لهذا دعونا لا نهدر المزيد من الوقت مع حماس وشقيقاتها الساحرات الشريرات، ولنتجه مباشرة لترميم quot;البديل الحضاريquot; الفلسطيني المقبول إقليمياً ودولياً، وهو فتح ومنظمة التحرير، والأمر ببساطة ـ وهذه نصيحة محب مخلص ـ أن هذا البديل لم يكن في حاجة إلى مراجعة الذات كما هو حاله اليوم، والبداية مع تحطيم quot;أصنام فتحquot;، وبالطبع فإننا لا ندعو لمحاسبة أحد أو التشهير، بل غاية ما نأمله أن يُنحى هؤلاء عن مراكز صنع القرار، مع شكرهم على كل ما قدموه من خدمات جليلة طيلة تاريخهم النضالي، لكن ليفسحوا المجال أمام جيل جديد من شباب المنظمة لينخرط في اللجنة المركزية والمجلس الثوري، وإحداث تغييرات جذرية تبدأ بإقرار quot;نظام أساسيquot; للحركة، وأسلوب عمل جديد لإدارتها، ولنوفر مخصصات quot;أصنام فتحquot; ـ وهي بالمناسبة ضخمة ـ لتحرك من نوع جديد وجيل جديد، مع إهدائهم quot;وسام نوكياquot;، من الجيل الثالث .. وكفى ما تحمله بسطاء الفلسطينيين جراء ممارسات الفاسدين والمتطرفين والمهرجين .
والله المستعان،
[email protected]