قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أما العهدان، فهما عهد النظام المنهار، والعهد الحالي، وأوضاع التعليم في كليهما.
ربما يمكن الاتفاق مع الكاتب، الأستاذ عدنان حسين، حين يكتب أن العالم بدون صدام صار أفضل، ولكن العراق لم يزل على السوء الذي تركه فيه صدام، وهذا ينطبق أيضا على وضع التعليم العراقي بين العهدين.
لقد ورث عهد ما بعد النظام الصدامي سلسلة مواريث كارثية، وخرابا عاما في العلاقات الإنسانية، والعقليات، وتشجيع نزعات الانتهازية، والوصولية، والارتزاق، والحسد الوظيفي، كما ورث عواقب سياسات التمييز العرقي، والمذهبي.
لا شك أن أوضاع التعليم سابقا كانت لها بعض الإيجابيات، كمحاربة الأمية، وتوزيع القرطاسية على التلاميذ، والتعليم الجامعي المختلط، والاهتمام بالعلوم الطبيعية، [ ربما بنية استخدام الخبر لأغراض عسكرية؟].
بدأ تبعيث المناهج، والمؤسسات، التعليمية تدريجيا، ومنذ حملة مكافحة الأمية في السبعينات، إذ ملئت كتب المطالعة بتمجيد حزب البعث، وقادته، وخطوات النظام، وكذلك بما يشحن الثقافة القومية المتطرفة؛ ومع صعود صدام للسلطة، أصبح التبعيث التعليمي سياسة رسمية، خصوصا في المدارس الثانوية، والجامعات. لقد تم فرض الانتماء للحزب بالضغط، والابتزاز، أو الإغراء، وراح الاتحاد الوطني البعثي للطلبة يصول، ويجول، محصيا الأنفاس، وهو الذي يساهم في اختيار طلبة البعثات، المشترط انتماؤهم للبعث. إن العدد الأكبر من الطلبة انتموا للحزب، أو صاروا في نظر البعث من مؤيديه، لكن دون قناعة، وإرادة أكثريتهم، وإن معظم الأساتذة اضطروا للانتماء للحزب، بعضهم عن قناعة أيديولوجية، وسياسية، وغالبيتهم اضطرارا للحفاظ على الوظيفة.
كان تدخل المخابرات يثير الخوف الدائم، والقلق، وكان ذلك التدخل شاملا غير مستتر، مما خلق جوا غير طبيعي في سلك التعليم، وكل ذلك لوضعه في خدمة النظام، وأيديولوجيته، وسياساته. كما أمعن النظام في تشويه التاريخ بعنوان ' إعادة كتابة التاريخ'، وذلك بتضخيم ما يعجبهم من صفحات التاريخ العربي، وحجب ما لا يسرهم منها، للنفخ في الغرور القومي، وتوزيع صكوك الوطنية على فئات من العراقيين، والتشكيك في الفئات الأوسع، وعلى الأخص الشيعة العرب، والكورد الفيلية، الذين أدرجوا في خانة 'التبعية للمجوس'، والذين سرعان ما تم تهجير مئات الآلاف منهم بأكثر الأساليب وحشية، وبربرية.
إن ما يجب ذكره أيضا تزييف الشهادات الجامعية، كما حصل مع شهادات صدام، وعدي، وغيرهما من الحاشية، إذ كان بعض الأساتذة هم الذين يكتبون لهم الأطروحات الجامعية، ويجب أن يضاف سوق الطلبة للخدمة العسكرية إجبارا، مما كان يمنعهم من مواصلة الدراسة، أما خريجو الجامعات، فكانوا يجندون كضباط احتياط، ويساقون لخطوط النار خلال الحرب مع إيران.
فما الذي استجد بعد تلك الأهوال التي ضربت الطلبة، والأساتذة، كما ضربت مختلف فئات الشعب؟؟
لقد ارتفعت رواتب الأستذة لدرجة مرضية، رغم أن رواتب معلمي الابتدائية تتطلب زيادة أعلى؛ ولم يعد الطلبة يساقون قسرا للخدمة العسكرية، وهذه خطوات إيجابية ومهمة. أما مقابل ذلك، فإذ ذهب رجال أمن صدام، والاتحاد الوطني، وغاب تدخلهم في مؤسسات التعليم، وهيمنتهم عليها، فقد حل محلهم أفراد المليشيات الحزبية، وذلك منذ اليوم الأول لما بعد سقوط صدام. لقد غزت المليشيات الجامعات، كما كتبنا مرارا، وأخذت تتدخل في شؤونها، وتفرض الحجاب قسرا على الطالبات، وفي بعض الأحيان، كانت الجامعة تحول لما يشبه الحسينية، فتمارس فيها مراسيم اللطم، والعزاء. إن المليشيات تنتهك حرمة الجامعات وحريتها الأكاديمية.
لقد علقنا في مقالنا ليوم 11 فبراير 2007، على تصريح مدير عام التربية في النجف للصحفيين، بأن وزارة التربية وزعت 'مبادئ جديدة لفلسفة التعليم على كافة المديريات، مع نسخ منها إلى مكاتب المرجعات للاطلاع عليها، وتقديم الأفكار والاقتراحات'، وأضاف أن التغييرات على المناهج 'لن تكون بعيدة عن أفكار، وتوجهات، المرجعية'، أي المرجعية الشيعية في النجف. في ذلك المقال قلنا إن هذه أول مرة في تاريخ العراق الحديث يتحول فيها رجال الدين لمرجعية وضع وصياغة برامج التعليم، وفلسفته، إذ لم يكن رجال الدين، من سنة، ومن شيعة، يتدخلون في النظام التعليمي، ويصوغون فلسفة التعليم.
إننا نعلم جيدا كم هي الفتاوى الدينية الجديدة، من المذهبين، بتكفير حملة الديانات الأخرى، وتحريم الموسيقى، والفنون، وحجز حرية المرأة، والتضييق على حرية الفكر لصبها في قالب واحد، شديد التزمت، والانغلاق، في حين يجب أن يكون التعليم 'محايدا لا منحازا لجهة دون أخرى، وأن يدعو المساواة الحقيقية بين البشر، وبين الجنسين، وأن يثقف بروح المواطنة العراقية المشتركة'، وبروح استيعاب المنجزات العلمية الحديثة، والانفتاح على حضارات الآخرين، وتنمية الاستقلال الفكري، وهذا ما ورد في مقالنا السابق.
إن المؤسف أن ما يقع منذ خمس سنوات هو النقيض لكل ذلك.
لقد تعرض الطلبة لمختلف الضغوط، والاعتداء، ومن لا يذكر عدوان أفراد المليشيات في جامعة البصرة على طالبات، وطلبة، كانوا يقومون برحلة سياحية بريئة؟ ومن ينسى خطف مليشيا الصدر لأكثر من 100 موظف، ومراجع، من وزارة التعليم العالي، ولا يزال الكثيرون منهم في عداد المفقودين، وقد انتقلت عمليات خطف الطلبة للموصل، وآخر حدث خطف 42 من الطالبات، والطلبة الجامعيين في الموصل على أيدي القاعديين المجرمين، وقد استطاع رجال الأمن العراقيون تحرير معظمهم، وهذا حدث خطير يجب أن يدفع بالحكومة، وقوات التحالف، إلى أن تشدد من مطاردتها للقاعديين، أسوة بما يجري للصدريين.
لقد تحول فرض الحجاب لنهج رسمي حتى في المدارس الابتدائية، وللعلم، فإن وزارة التربية ظلت حكرا على الأحزاب الإسلامية الحاكمة لمعرفتها بدور تكوين الطالب منذ صغره، ومن الوزراء من يحمل شهادة جامعية من طهران، وعنوان أطروحته 'تفسير الطباطبائي'؛ كما أن الكتب الدراسية صارت تطبع في إيران!!، وبمناسبة ذكر الشهادات الجامعية، فإن تزييفها انتقل من عهد صدام للعهد الحالي، بل واتسع نطاقه!؟
إن سيادة الحجاب تحت الضغط شملت مختلف مؤسسات الدولة، مثلما كادت كل وزارة تتحول لاحتكار المنتسبين لحزب بعينه، أو مناصرين، تبعا لانتماء كال وزير، وقد تم تطبيق نظام إسلامي متزمت على الطالبات، والطلبة، من حيث التعليم المختلط، ونوع الأزياء، وهو ما أوردته أيضا وكالة الأنباء الفرنسية. أما القاعدة، والمتطرفون من السنة، فقد فرضوا، حيثما حكموا جزءا من العراق، نظاما طالبانيا خانقا، سواء في المدارس، أو على نطاق المدينة.
لقد اغتالت المليشيات الحزبية منذ 2003 أكثر من 150 أستاذا جامعيا، وذلك وفق تقدير منظمات حقوق الإنسان، وغالبا ما يتهم الضحية بالبعثية فيكون الموت جزاءه، علما بأن الكثيرين من الأساتذة، الذين كانوا منتمين حقا لحزب البعث، قد فعلوا ذلك عن حرص على الوظيفة، وإعاشة العائلة، ولقد وصلت الوحشية لدرجة ذبح معلمة ابتدائية أمام التلميذات الصغيرات في إحدى مناطق بغداد.
إن موجة قتل، وتهجير الأساتذة، على غرار الصحافيين، والأطباء، والفنانين، سواء على أيدي المليشيات الحزبية، أو القاعدة، راحت في السنوات الأولى تتسع لحد مذهل، ومأساوي.
في السابق، لم يكن الطالب، أو الأستاذ، يتعرض للأذى إلا إذا اتهم بمعاداة النظام، والقائد الفرد، وما عدا ذلك، فقد كان الأمن، والاستقرار، يسودان لحد كبير مؤسسات التعليم، أما اليوم، فقد تدهور الأمن لحد خطير، سواء بسبب انتهاكات وجرائم المليشيات، أو القاعدة، ونأمل أن تكون الضربات الحكومية المتلاحقة لجيش المهدي، وهو ما يقدّر لرئيس الوزراء، عامل لجم قوي لاستهتار المليشيات في المجتمع، وفي مؤسسات التعليم.
خلاصة رأينا أن صدام ترك وراءه خرابا فكريا، وأخلاقيا، وتسييسا تعليميا تبعيثيا، وكان على حكومات ما بعده معالجة كل ذلك الإرث البغيض بروح العصر، وحضارته، والإعلان الدولي لحقوق الإنسان، وميثاق الأمم المتحدة، والاتفاقيات الدولية. إن هذا، مع الأسف الشديد، ليس هو الذي حدث.