قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

إن موجة المسيرات الصاخبة ضد تنقل الشعلة الرياضية قد هدأت نسبيا، ولكن الأسئلة عن مواقف الصين مستمرة.
نقول إن اختيار المكان كان غير موفق بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في الصين ودعمها لأنظمة فاشية، أجل، إن الرياضة رياضة، والسياسة مصالح متبادلة، ولكن ما بينهما مبادئ أخلاقية ينبغي ضمان الحد الأدنى منها.
لقد اتخذ قرار اختيار بكين في هيأة رياضية لا في مؤتمر حكومي، دولي، ومن هنا، لم يكن ممكنا إلغاء القرار، أو المقاطعة، بسبب محنة شعب التبت، ولكن ثمة خيوطا بين الرياضة، والسياسة، بقدر ما يتعلق الأمر بانتهاكات كبرى لحقوق الإنسان في البلد، أو دعم أنظمة ديكتاتورية سادية، ودموية، تسبب للشعوب محنا بشرية مأساوية، هي اليوم في مقدمة اهتمامات المجتمع الدولي.
إن تغيير مكان المهرجان الرياضي كان، كما قلنا، غير وارد، لاسيما وإن رياضيي العالم متهيئون بلهفة للمشاركة، ولا يمكن لأكثريتهم العظمى استيعاب حرمانهم من المهرجان الدولي لإظهار قدراتهم، وحيث يأمل رياضيو كل بلد بنيل الماليات الذهبية.
إن الاحتجاجات على التنكيل بشعب التبت مشروعة، ومطلوبة، لكن ما جرى في عواصم غربية، وخصوصا في باريس، هو قيام المظاهرات في طريق مسيرة الشعلة، ومحاولة وقفها بعنف. لقد كان ممكنا مثلا تنظيم المظاهرات بعيدا عن مسيرة الشعلة، كما يمكن استمرار الاحتجاجات بعد انتهاء المهرجان.
إن الصين دولة كبرى، واقتصادها ينمو بسرعة، بوتيرة بين 10- 11 بالمائة، وللصين ثقل دولي لا ينكر، ولذا بالغت الحكومة الصينية في ردود فعلها، واعتبرت أن المسيرات الاحتجاجية طعن بكبريائها الوطنية، وعداء للصين وشعبها، وأن المتظاهرين هم أعداء للرياضة أيضا!
لقد ردت الحكومة الصينية على مظاهرات باريس بالإيعاز [غير الرسمي] بمقاطعة البضائع الفرنسية، علما بأن حجم لعلاقات التجارية بين فرنسا والصين كبير، وإن المقاطعة تلحق خسائر كبيرة بالصناعة، والمنتجات الفرنسية، إلى جانب إشعال توتر سياسي بين البلدين، ولذا قررت الحكومة الفرنسية إرسال وفد عالي المستوى لبكين لترطيب العلاقات، والحكومة الصينية من جانبها أوعزت لمواطنيها بالكف عن المقاطعة.
هنا نسأل: لماذا عاقبت الصين فرنسا وحدها؟؟ في رأينا، أن هناك سببين: الأول قرب ترؤس فرنسا للاتحاد الأوروبي، فتكون معاقبتها تحذيرا للدول الأخرى، والسبب الثاني هو ما تواجهه الحكومة الفرنسية، ورئيس الجمهورية، من متاعب، وتحديات، داخلية كبرى.

إن الاشتراكيين الفرنسيين، [ بجنب منظمات حقوق الإنسان]، هم من قادوا حملة الدعوة للمقاطعة، وقد بالغ الاشتراكيون في استغلال القضية لأغراض سياسية داخلية، وذلك في سباق التنافس على الزعامة، ولإحراج الحكومة، وآخر هذه التحركات قرار رئيس البلدية الاشتراكي بمنح الدالاي لاما لقب المواطن الفخري لباريس، بعد الموقف العدائي العلني الذي اتخذه عند مرور مسيرة الشعلة أمام البلدية. إن قرارا كهذا، وحتى دعوة الدالاي لاما لجلسة برلمانية مثلا، مثلما استقبله الكونغرس الأميركي قبل فترة قصيرة، كان يمكن اتخاذهما في توقيت مناسب، بعيدا عن الأولمبياد. التجارب بينت أن قرار صحيح يجلب الخطأ فيما لو اتخذ في الوقت غير المناسب.
إن الصين ليست ملاكا، بل هي متورطة جدا، وعدا محنة التبت، في إسناد النظام الإسلامي الدكتاتوري للسودان في عملية إبادة شعب دارفور؛ وهي متورطة في دعم الدكتاتورية العسكرية الدموية في بورما ضد تحرك المعارضة هناك؛ وأخيرا، مد الرئيس الزيمباوي الدموي بالسلاح في وقت يقوم فيه بتعطيل إعلان نتائج الانتخابات، التي فازت المعارضة فيها، وفي الآونة الأخيرة أرسلت الصين باخرة محملة بأطنان السلاح لنظام موغابي، وحين رست في مياه جنوب أفريقيا أصدرت محكمتها العليا قرارا بوجوب ترك السفينة لمياه البلد عن هذه الباخرة أيضا، يذكر أنها توجهت لأنغولا، ولكن حكومتها نفت ذلك، كما طالبت دول أفريقية بطرح الموضوع منظمة الدول الأفريقية. إن إرسال شحنة السلاح هذه، وفي وقت الصراع السياسي الحامي بين موغابي وممثلي الشعب، استفزاز للشعب، فضلا عن تحديه لقرار دول الغرب بحظر إرسال أسلحة لزيمباوي، ولكن الصين لا تعترف بهذا القرار.
إن العلاقات الدولية مصالح متبادلة، ومن حق كل دولة خدمة مصالحها الإستراتيجية، والاقتصادية، ولكن مواقف الصين مارة الذكر تفتقر للحد الأدنى من احترام حقوق الإنسان، وحقوق الشعوب. أجل، إنه لمشروع جدا أن تبحث عن مصالحها، ولكن ليس بهذه الدرجة من المكيافيلية.
منذ يومين كان دبلوماسي صيني في حوار مع إحدى قنوات التلفزيون الفرنسية، وعندما سئل عن الحرية الصحفية في الصين، أجاب بأن آلافا من صحفيي العالم سيتواجدون في بكين لمتابعة الألعاب، وسأل: أليس هذا برهانا عمليا على توفر الحرية في الصين!! أما عن السياسة الفرنسية، فقد وصفها بالشيزوفرينيا؟
الصين تتطور اقتصاديا، وتنهج اقتصاد السوق، ولكن نظامها السياسي لا يزال شموليا، بحزبه الواحد، وقمع كل معارضة، والمواطنون لا يزالون يطيعون الحكومة، والحزب، كما في زمن ماو؛ أي إن الاقتصاد لبرالي، والنظام السياسي شمولي، ويصدق ذلك أيضا، لحد كبير، على روسيا بوتين. إن هذا لا ينفي وجود بعض الممارسات الديمقراطية داخل الحزب الشيوعي الصيني، لم تكن موجودة زمن ماو تسي تونغ.
إن الحاضر الصيني ورث تركات الماضين، البعيد، والقريب، وهما تتركان بصماتهما على سلوك، وعقليات، الأفراد. إن الصين الراهنة ترث عواقب تركتين ثقيلتين جدا: الأولى، من عهود الإمبراطورية، والثانية تركة ماو، وثورته 'الثقافية'؛ أما السمات الرئيسة لسلوك، وعقلية، المواطنين، فيكاد ينطبق عليهما وصف الفيلسوف هيجل في جزء 'العالم الشرقي' من كتاب محاضراته:
'ليست للصينيين شخصيات فردية مستقلة، لا داخل الأسرة، ولا خارجها.'، [ ترجمة إمام عبد الفتاح إمام.] إن العلاقات الأبوية الراسخة، حيث الأب هو الأول، والتالي، كانت هي المسيطرة في عهود الإمبراطورية، وهذه تكيفت مع قيام الصين الشعبية، فحل محل الأب المسيطر في عهد ماوتسي تونغ القائد الأوحد، وطاعة تعليماته حرفيا، وفق ما في كراسه الأحمر العتيد.
لا يمكن القول بأن صين اليوم هي كصين ماو بالضبط، لاسيما في النهج الاقتصادي، ولكن التركات القديمة لا تزال تؤثر على سلوك الصيني، وخصوصا طاعة الحزب، والقبول بسياساته مهما كانت، والفارق أنه برزت منذ سنوات معارضة محدودة جدا، تجرؤ أحيانا على التجمع، والتظاهر، رغم القمع، وهذا كان مستحيلا زمن ماو. ومن جهة أخرى، فإن مناسبة المهرجان الرياضي، واتصال الصينيين برياضيي الدول الديمقراطية، قد يتركان أثرا إيجابيا لحد ما على الموطن الصيني.
إن صين ال800 مليون من البشر تسير بسرعة، ودينامية، نحو تبوء مركز أكثر قوة، وأهمية، اقتصاديا، وفي السياسة الدولية، وإن من مصلحة الصين إجراء تحولات في التعامل مع الحريات ومع مآسي الشعوب، وهذا سوف يقوي، أضعافا مضاعفة، مكانتها، ووزنها الدوليين.