قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

-1-
أنكر بعض الليبراليين المتطرفين كزكي نجيب محمود التراث، وخيّر الليبراليين بين أمرين:
إما عصرنا، وإما تراثنا.
وقال:
quot;إما أن نعيش عصرنا بفكره ومشكلاته، وإما أن نرفضه ونوصد دونه الأبواب لنعيش تراثنا. نحن في ذلك أحرار، لكننا لا نملك الحرية في أن نوحّد بين الفكرينquot; (quot;تجديد الفكر العربيquot;، ص 189).
ولكن مفكراً ليبرالياً آخر كالسوري جورج طرابيشي، يأخذ على محمود ndash; رئيس قسم الفلسفة السابق بجامعة القاهرة - هذه المقولة، وينكرها عليه. (quot;مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرةquot;، ص 65).
فهنالك فروقات كثيرة بين طريقة قراءة الأصوليين للتراث وطريقة الليبراليين. الأصوليون يقرأون التراث من خلال المفردات والشكل والبنية النحوية والأسلوب، كما يقول محمد أركون في كتابه (محاضرات في القرآن) أما الليبراليون فيقرأون التراث بربطه أولاً بالعقل، كما قرأه ابن رشد، ثم بربطه بالقيم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، التي كانت سائدة عندما تشكل النص التراثي. ولذا يقول محمد أركون، إن نقد العقل الإسلامي غير ممكن من خلال القراءة اللغوية الشكلية فقط، لإن العقل ليس نتاج النصوص، ولإن الحقيقة عملية تواصلية تراكمية، وليست عملية منقطعة ومرتبطة بزمان ومكان معينين.
-2-
كان وما زال مشكل العقل والنقل، هو محل الخلاف بين الأصولية والليبرالية. ففي حين أن الأصولية تتشبث بالنص، وتلتزم به دون أي اعتبار للتغيرات التي طرأت على الإنسان الذي جاء النص لخدمته ومصلحته، ودون أي اعتبار للتغيرات التي طرأت على الزمان والمكان الذي وُجد له وفيه هذا النص. ولم يكن الليبراليون في هذا العصر هم وحدهم الذين رفضوا دعوى الأصولية للتشبث بالنص. فقد كان قُدامى الفقهاء التنويريون يخالفون النص في سبيل مصلحة الإنسان.
فقد ظهر في القرن العاشر الميلادي، فقيه مجتهد وقاض مشهور، وهو أبو بكر الباقلاني، سفير الدولة البويهية في عهد أهم حكامها، وهو عضد الدولة (949- 983 م). وكان الباقلاني يُلقّب بـ quot;سيف السنةquot;، ورأس المتكلمين على مذهب الشافعي، ولسان أهل الأرض، ومؤلف الكتاب المهم والفريد quot;إعجاز القرآنquot;. ورغم هذا، فقد كان فقهياً ليبرالياً إلى الحد الذي كان فقهاء الأصولية يحذرون منه، وإلى يومنا هذا. وقد سبق لأبي حامد الغزالي أن حذر منه، رغم أن الباقلاني كان من فقهاء الأشاعرة، إلا أن آراءه الجريئة كانت تخالف أهل السلف من السنة والجماعة. وكان الفقيه الباقلاني يقول، بأن شرط الاجتهاد السليم، يقوم على تعلُّم الفلسفة وعلم الكلام، وأن على المجتهد أن يضع مصلحة العباد فوق كل اعتبار. رغم أن الباقلاني تخلّى عن كثير من آرائه، وتراجع عن التأويل، وعاد إلى منهج السلف، تحت ضغط فقهاء السُنَّة في عصره. وظهر هذا واضحاً في كتابيه: quot;تمهيد الأوائل وتلخيص البدائلquot;، وكتاب quot; الإبانةquot;، اللذين كانا مرجعاً مهماً لابن تيمية، وابن القيّم. وهذا يذكرنا في العصر الحديث بتخلّي خالد محمد خالد عن كثير من آرائه بخصوص الدين والدولة في الإسلام، تحت ضغط الإخوان المسلمين في مصر. وظهر هذا واضحاً في كتابه (quot;الدولة في الإسلامquot;، 1981).
-3-
وفي القرن العاشر الميلادي أيضاً، جاء الفقيه والإمام عبد الملك الجويني (1028- 1087 م)، إمام الحرمين وأشهر أئمة الأشعرية، وصاحب الكتاب السياسي المهم quot;غياث الأمم في التياث الظلمquot;، وكتاب quot;نهاية المطلب في دراية المذهبquot;، وهو فقيه ليبرالي آخر، يقول بضرورة تطبيق مقاصد الشريعة على واقع كل مجتمع مع الأخذ بالمستجدات والتغيرات. وأن لا تطبيق ثابت. وأن التطبيق متغير بتغير المجتمعات. والهدف من هذا كله أولوية مصلحة الإنسان، التي تُعرف بالعقل السليم والبراهين التطبيقية، وليست بتطبيق ما أفتى به السلف فقط، لأجيال عاشت حياة مختلفة، وهو ما نفتقده هذه الأيام في فقهاء عصرنا السلفيين.
وفي القرن الثالث عشر الميلادي ظهر الفقيه نجم الدين الطوفي الحنبلي (1258- 1316م) الذي تجاوز أهم القواعد الفقهية القائلة: quot;لا اجتهاد مع النصquot;. فأباح الاجتهاد حتى مع النصوص الواضحة القاطعة المجتمع عليها، استناداً لاجتهادات الخليفة عمر بن الخطاب، مع نصوص قاطعة بالتعطيل وبالمخالفة وبالإلغاء، كما في إلغائه فريضة متعة الحج وفريضة متعة النساء وفريضة المؤلفة قلوبهم، لاختلاف المصالح بدوران الأزمان. وأن رعاية مصالح الناس تعلو على النص والإجماع و تقدم عليهما، (سيد القمني، خريطة الطريق نحو الإصلاح).
وفي القرن الثاني عشر، ظهر الإمام إبراهيم الشاطبي (1189- 1388م)، المولود بمدينة شاطبة شرق الأندلس، وهو فقيه ليبرالي بامتياز وسبق زمانه و تجاوز فقهاء عصرنا مجتمعين، وهو الذي فعل كما فعل الجويني والباقلاني والطوفي الحنبلي. وبنى فكره على المقاصد الكلية للشريعة، واستخرج منها فتاوى لمصالح الناس، ملاحظاً الزمان الذي هو فيه وعاداته. واشترط معرفة زمان الفتوى وظروفها قبل الإدلاء بها. وأن ليس هناك فتوى شرعية سابقة الإعداد للزمان الذي هي فيه. ويجب اختلاف الفتوى في الحالة الواحدة باختلاف الزمان والمكان. وأن مصلحة الإنسان في كل فتوى هي العليا. وأن الأصل في الأشياء الإباحة. ويقول عن الشاطبي المفكر المغربي والأستاذ في جامعة محمد الخامس سالم يفوت quot;تجمع سائر الكتب المؤرخة للفقه والتشريع الإسلاميين أو المتعرضة لأصول الفقه وأدلة الأحكام الشرعية على اعتبار الإمام الشاطبي من أعظم المجددين في الإسلامquot; (حفريات المعرفة العربية الإسلامية، ص161). وقال عنه محمد رشيد رضا quot;إن كتابه [ الموافقات] لا ندَّ له في بابه، ولولا أنه ألف في عصر ضعف العلم والدين في المسلمين، لكان مبدأ نهضة جديدة لإحياء السُنَّة وإصلاح شؤون الأخلاق والاجتماعquot; (من مقدمة رشيد رضا لكتاب الشاطبي quot;الإعتصامquot;، ج1،ص 4). وأكمل تقويم الشاطبي محيي الدين عبد الحميد بقوله: quot;لا سيما أنه انتبه إلى ما لم ينتبه إليه غيره؛ أي أسرار التكليف. وأن الشريعة على وفق مصالح العباد، مما يفسح المجال، ويتيح الفرصة لتعليل الأحكام بما يفهم من مقاصد النص، أو بما تدل عليه عموميات الشريعة وتطرد عليه فروعها وتفصيلاتهاquot; (من المقدمة التي كتبها عبد الحميد لكتاب الشاطبي، quot;الموافقاتquot;، ج1،ص 4).
-4-
تتبنى الليبرالية الحداثة، وترفض الأصولية الدينية الحداثة، بما هي اعتراف بحرية البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني التي تصفها الأصولية الدينية الإسلامية بالردة. ورفض الأصولية للحداثة، ناتج عن أن الحداثة غلّبت العقل على النقل، بينما تتشبث الأصولية بالنص، ولو كذّبته جميع الحقائق العلمية تكذيباً ساحقاً ماحقاً.
ولعل من عوائق تقدم الحداثة في العالم العربي اعتبار الأصولية الدينية، أن الحداثـة ضد التراث، وهادمـة له، ومفصولة عنه، ومتناقضـة معه. وهذا مفهوم خاطئ. فالحداثــة لا بُدَّ لها من أساس، وأساسهـا هو التراث الصالح كأساس مكين، والذي يقوى على حمل كيان فكري وحضاري كبير كالحداثـة، كما يقول العفيف الأخضر. كذلك، فإن من عوائق تقدم الحداثة في المجتمع العربي الفهم الخاطئ للتراث نفسه. فمعظمنا يفهم التراث على أنه فترة زمنية مقدسة ومحددة، (يركز معظم التراثيين المتشددين على أن الفترة الزمنية القدوة التي يجب أن تُستعاد، هي فترة حياة النبي والخلفاء الراشدين فقط، وهي فترة لا تتجاوز الثلاثين عاماً بما فيها عهد الخليفة عثمان وعلي) وليس نصوصاً قابلـة أو غير قابلـة للتنفيذ في العصر الحديث. وعلينا أن نستعيد هذه الفترة المقدسـة دون نقاش، ودون تمحيص، ودون غربلـة أو فرز، فلا نأخذ منها ما يُيسر حياتنا ويدفعهـا إلى التقدم، ولا نترك منها ما يُعيق هذه الحياة وسيرها إلى الأمام.
السلام عليكم.