قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

-1-
كتبت إليَّ مجموعة من القراء الأعزاء على بريدي الإليكتروني، يعتبون عليَّ لأنني لم أكتب كلمة واحدة عن ذكرى النكبة الفلسطينية الستين حتى الآن، خاصة وأن الرئيس بوش يزور إسرائيل مهنئاً ومباركاً بذكرى قيام دولة إسرائيل ويصحب معه زوجة، دون أي مراعاة أو اعتبار إنساني لمشاعر الفلسطينيين والعرب من أصدقائه وأعدائه. وكانت هذه الزيارة بمثابة تحدٍ مثير ووقح لمشاعر كل هؤلاء، بغضِّ النظر عن هدفها السياسي. وكان بإمكان البيت الأبيض- لو كان عاقلاً وحكيماً - أن يبعث ببرقية تهنئة، أو يتصل تلفونياً مهنئاً كباقي رؤساء العالم. فبريطانيا التي أعطت اليهود quot;وعد بلفورquot; المشهور، الذي يعتبر الحجر الأساس في قيام إسرائيل، لم تفعل ملكتها ما فعله بوش، ولم يفعل رئيس وزرائها ما فعله بوش. ولا أدري ماذا يريد بوش أن يرسل بهذه الزيارة من رسائل للعرب. هل يريد أن يثبت لهم من جديد أفقه السياسي الضيق، أم يريد أن يثبت لهم دعم ومساندة أمريكا المطلق لإسرائيل، وهذه معروفة، ومشهود لها، ولا تحتاج إلى مزيد من الإثبات. وبهذا يزيد بوش الطين الأمريكي في الشرق الأوسط بلّة من السخط العربي والإسلامي على منحى السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وأقل ما توصف به زيارة بوش مع زوجته لإسرائيل للتهنئة، بأنها خطوة في منتهى الغباء السياسي، والتحدي الأهوج لمشاعر الفلسطينيين والعرب على السواء. وسوف يُحمّل بوش الإدارة الأمريكية القادمة - سواء كانت جمهورية أم ديمقراطية - أعباء ومسؤولية هذه الزيارة غير المباركة، التي خلت من الذوق الدبلوماسي، والفطنة السياسية، والأخلاق الإنسانية.

-2-
القراء الأعزاء الذين كتبوا لي يحمسونني على الكتابة في ذكرى النكبة الفلسطينية الستين، ماذا يريدون مني أن أكتب وأقول في هذه المناسبة؟
ماذا أكتب في هذه المناسبة، التي كُتبت فيها مئات الآلاف من الصفحات منذ 1948، وعلى مدار ستين عاماً، ولم يبق جُحر من جُحور هذه القضية، إلا وامتلأ بالتحليل السياسي، والشعر، والرواية، وخلاف ذلك من إنتاج الفنون الأخرى؟
ماذا أكتب في هذه المناسبة، التي أثبتت خيبة العرب الكلية، في استعادة حقوقهم ممن اغتصبوها؟
ففلسطين ليست هي النكبة الأولى والأخيرة في تاريخ العرب الحديث، وليست هي الضحية الأولى ndash; وما أسهل الضحية العربية ndash; في تاريخ العرب الحديث، التي لم يفلحوا بحلها حتى الآن، لا لصعوبة مركبها، ولا لتعقيد مشكلتها، ولا لقوة مغتصبها، ولكن لهشاشة الوضع العربي، والعجز السياسي والعسكري العربي. فالعرب لديهم قدرة فحولية كبيرة مشهود لهم فيها، في ممارسة الجنس، ولكنهم عاجزون عجزاً مخزياً سياسياً وعسكرياً. ويبدو أنهم لا يصلحون إلا للنوم مع النساء، وتلك أسهل من شرب الماء.

-3-
ماذا أكتب في هذه المناسبة، وأنا أرى أكواماً من النكبات تحلُّ بالعرب؟
فمن نكبة اقتطاع لواء الإسكندرون (5408 كم مربعاً) السوري 1939 من قبل تركيا - (أهم الموانيء البحرية التركية الآن)، ويبدو أن سوريا quot;الأسديةquot;، قد طوت نهائياً ملف هذا اللواء العزيز من سوريا، واستسلمت للأمر الواقع - إلى الاستيلاء على المدينتين المغربيتين: سبتة عام 1410 (احتلها البرتغاليون 1410 ، ثم الأسبان 1460) ومليلية عام 497 ، وذلك بعد سقوط غرناطة، وتحريرها، وطرد المستعمرين العرب منها، إلى استيلاء إيران على ثلاث جزر للأمارات العربية المتحدة عام 1971.
إذن، ليست فلسطين وحدها هي النكبة العربية في التاريخ المعاصر. ولكن هناك نكبات عديدة في التاريخ العربي الحديث. فالوطن العربي (وكالة بلا بواب) مشاع للصوص، وقطاع الطرق، وللقادر على السرقة والاستيلاء.
والعرب أمة من العجزة، والمقعدين، الذين لا يستطيعون استرداد شبر واحد من أرضهم المغتصبة في الشرق أو الغرب، في الجنوب أم في الشمال.
فإسرائيل منذ ستين عاماً، وهي تقضم الكعكة الفلسطينية سمسمة سمسمة، ولا أحد من العرب بكل هذه (الهلُمّه)، وبكل هذه الجيوش، وبكل هذا السلاح، وبكل هذا المال، وبكل هذا التراث المجيد الذي عنه لا نحيد، قادر أن يردَّ أي قاطع طريق عن الاستيلاء على أي جزء من العالم العربي.
ومن هنا نرى، أن ضياع فلسطين، لم يكن نتيجة لوعد بلفور، أو الدعم الغربي، أو قوة اللوبي الصهيوني في أوروبا والغرب، أو نتيجة لقوة إسرائيل، ونظامها السياسي، وعلو مقام أبنائها من العلماء والخبراء والسياسيين والمخلصين في بناء وطنهم فقط، ولكنه ناتج عن ضعف العرب، وهشاشة العرب، و (حيطهم الواطي)، وتخاذل العرب، وانشعال العرب بمقدار طول العباءة النسائية، وبحيض النساء، وهل يمارس الجنس معهن أثناء الحيض أم لا، وأن النبي عليه السلام ndash; كما أورد البخاري ndash; كان يمارس الجنس مع السيدة عائشة وهي حائض، ولكن من فوق إزار - وبمنع الاختلاط بين الكاز والنار (المرأة والرجل) .. إلى آخر هذه الشعوذات، والإنشغال بتاريخ وروايات اللذة الجنسية.
فالأوطان تُقتضم، وتضيع، ونحن نتفرج عليها، لاهون بالحجاب والنقاب ويوم الحساب.

-4-
ماذا أكتب في هذه المناسبة وقد كتب quot;الكاتبونquot; أطناناً من الورق عن النكبة الفلسطينية، وقال الشعراء آلاف القصائد العصماء والعمياء والبكماء الباكية والنائحة واللاطمة، وألّف الروائيون عشرات الروايات عن النكبة والمنكوبين، ظناً منهم جميعاً، بأنهم بهذا فقط يستردون حقاً سليباً، وأرضاً مغتصبة؟ وراحوا يُخدّرون الفلسطينيين والعرب بهذا الكم الهائل من الكلمات والعبارات وسحر البيان، ويلقوا في قلوبهم الطمأنينة، بأن الوطن السليب عائد لا محالة، والزمن معنا وليس ضدنا. وأن السيوف الخشبية وإن كانت تتآكل، فإنها لا تصدأ.
فلا عاد وطن بالشعر، ولا حُررت مدن بالكلمات، ولا عاد اللاجئون بالروايات.

-5-
ماذا أكتب في هذه المناسبة، وقد (خُلص) الكلام، واستيقظ العالم ونحن نائمون، وسار العالم ونحن قاعدون، وتحدّث العالم ووصل إلى ما بعد الحداثة ونحن أصوليون، واتحد العالم ونحن متفرقون، وانفتح العالم ونحن مُغلَقون، وتسالم العالم ونحن متحاربون، وتحرر العالم ونحن مستعبدون، واتفق العالم ونحن مختلفون، وتقدم العالم ونحن متخلّفون، وزرع العالم ونحن الآكلين، وأنتج العالم ونحن المستهلكين، وباع العالم ونحن الشارين، وابتدع العالم ونحن التابعين، وتعلّم العالم ونحن الجاهلين؟
ماذا بقي لكي نكتب عنه أيها الأصدقاء؟
لم يبقَ لدينا إلا البكاء واللطم، الذي نشاهده كل يوم على شاشات التلفزيون، وقبلها في الصحف عن الشعب الذي يبكي ويلطم منذ ستين عاماً. فهل هناك غير هذه الصور؟
وتعالوا لنكمل المشوار.
تعالوا نلطُم.
السلام عليكم.