quot;ان الخطر علينا الآن هو الخرافة والأسطورة والخلط بين المستويات...quot;[1]

يختزل البعض من المتأولين التنوير الديني عند حسن حنفي في عملية الانتقال من العقيدة الى الثورة أو تثوير الدين وتدين الثورة باستعمال العقائد في عملية التغيير الاجتماعي ويستندون في تأويلهم الى كتاب شهير لحنفي بعنوان: quot;من العقيدة الى الثورةquot; دون حتى أن يقرؤوه أو يطلعوا عليه أو يتعرفوا في أي مجال يتحدث وعن أي اختصاص يتطرق وان أحسنوا الصنع يقومون باقتطاف مجموعة من المقاطع من المقدمة ويستدلون بها من أجل كيل النعوت للرجل ووضعه ضمن قالب مسبق ويسمح البعض لنفسه بالقول:quot; أن مشروع حنفي ان هو سلفية مقنعة أو هرطقة لادينية أو مجرد تلفيق لا طائل من ورائه أو دغمائية جديدة تقصي الحوار ولا مجال فيها للتعدد والتنوع والحياة...quot;[2]
هذه الاتهامات يمكن الرد عليها بالقول ان كتاب:quot;من العقيدة الى الثورةquot; هو محاولة من أجل إعادة بناء علم أصول الدين أي علم الكلام وهو تكملة لرسالة التوحيد لمحمد عبده ويدور في معظمه حول أفكار الانسان والتاريخ والمجتمع والحكم، كما أن المقدمة المشهورة اعترف كاتبها نفسه أنها خطابية غلب عليها الأسلوب التحريضي ولا تتماشى مع فصول الكتاب التي تميزت بالدقة والموضوعية والأمانة العلمية ولا تصلح بالتالي كحجة مضادة لانتقاد هذا العمل.
الرد الثاني على سوء الفهم هذا يتمثل في أن حنفي يعامل الدين منذ ترجمته لتربية الجنس البشري لليسينج كوسيلة من أجل الارتقاء بالإنسانية وليس كغاية وبالتالي يرفض النظرة الإيمانية البحتة للعقائد التي تجعل الانسان موجود من أجل أن يضحي بنفسه في سبيل عقائد الدين ويصرح في هذا الشأن:quot; الموروث الثقافي كله ماهو الا أداة والغاية عندي هي التغيير الاجتماعيquot;.[3]
التنوير عند حنفي هو نحت فكرة التقدم الإسلامي ويتراوح بين الإصلاح والثورة وبين تحرير العقول من كل أشكال الوصاية والرقابة وحفز الهمم وتحريض الأنفس على النهوض وبناء الوجدان وصقل الشعور ويعرفه على النحو التالي:quot; ان ما يسمى بالإسلام التقدمي أو الإسلام لصالح الجماهير أو إسلام الغالبية الصامتة إنما هو استمرار لتيار عريق وجد منذ نشأة الإسلام الأولى، ولذلك كان أغنياء قريش هم أول من عادى الإسلام في حين كان فقراؤها أول من انحاز اليه. فالإسلام جاء ينذر الحكام والطغاة ويقوي الحركة الشعبية ويقودها ثم يؤسس عليها نظاما اجتماعيا جديدا. والدين بطبيعته يغير الأمر الواقع الذي يسود فيه الغني على الفقير والحاكم على المحكوم كل الثورات التي قامت في الإسلام مثل ثورة القرامطة وثورة الزنج قامت على هذا الأساسquot;.[4]
ينادي حنفي بإعادة تأسيس تنوير عربي جديد ويرفض رفض التيار الديني لهذا المصطلح واحتكاره من طرف التيار العلماني ويقوم بتعديل بسيط لهذا المفهوم من تنوير الى مستنير ويرى أن:quot; الإسلام المستنير هو الإسلام الإصلاحي الذي يحاول احياء الإصلاح القديم ودفعه خطوة نحو الأمام في خطاب ثالث يجمع بين الخطاب السلفي التقليدي والخطاب العلماني الغربي ويقبل الحوار مع الطرفين ويشارك في قيم التنوير التي تمثلها المعتزلة والفلاسفة والعلماء وفلاسفة التنوير في الغرب وخاصة في فرنسا في القرن الثامن عشر ومعرفة العرب بها بعد تقديمهم في مصر والشام منذ رفاعة الطهطاوي...quot;[5]
اذا تدبرنا هذا النص نستنتج أن حنفي يقول بالتنوير الأصيل وليس بتقليد التنوير التغريبي بحذافيره والتنوير الأصيل هو ذلك الفعل العقلي وتلك الكلمة العلنية وذلك الفعل المناضل الذي يعطي الأولوية للواقع على النص وينتصر للتقدم الاجتهادي بدل التقليد المذهبي والذي يؤمن بختم النبوة وتجديد الفكر الديني ويعتصم بالعقل ويعطي للإنسان الحرية الكاملة ويحمله مسؤولية أفعاله وينطلق من الطبيعة والإنسان والتاريخ ويتناقض مع التصور السلفي للعالم ومع الخرافة والأسطورة والتطير والتفسير الخرافي الغيبي للتاريخ ويؤمن بروحية سامية وغائية وجودية هادفة.
في هذا السياق يقول حنفي:quot; الإسلام دين تنويري يقوم على العقل ويؤكد حرية الانسان ومسؤوليته والعدالة الاجتماعية والمساواة وقدرة الانسان على السيطرة على قوانين الطبيعة بعد اليهودية الاختيارية الاصطفائية والمسيحية القلبية المخلصيةquot;.[6]
ربما المقصود أن التنوير الإسلامي الذي بلغ أشده مع ابن رشد هو إصلاح للمسيحية الكهنوتية التي شرعت للكنيسة التدخل في شؤون سياسة الناس تحت غطاء الحق الإلهي وربما كانت المسيحية الأصلية التي لها توجه روحي كوني هي إصلاح لليهودية الملية الغارقة في مشاغل الدنيا، هنا يأتي التنوير الإسلامي ليرفض النزعة الملية اليهودية والتطرف في الاهتمام بمتع الدنيا وليرفض الزهدية المسيحية والتطرف في تكريس الثيوقراطية السياسية.
يعترف حنفي بالأصول الغربية لكلمة تنوير ولكنه يؤمن بوجود تجارب تنوير في الحضارة العربية متنوعة وشاملة ومتعددة النماذج وقد ظهرت هذه التجارب التنويرية إما في عصور الازدهار مع المعتزلة وابن رشد وابن خلدون وإما في عصر النهضة وخاصة القرنين الماضيين ويؤكد أن التنوير العربي الإسلامي مر بعدة مراحل وهي الفجر والشروق والضحى والظهر والغسق ويحاول أن يؤصل التنوير في التراث بقوله:quot; التنوير العربي كمصطلح هو صورة فنية أثيرية في الثقافة العربية الإسلامية مشتقة من لفظ النور التي منها آيات النور الشهيرة/نور على نور/quot;[7].
يرصد حسن حنفي مجموعة من المثل التي ينبغي تحقيقها في عملية التنوير وهي العقل وهو أساس النقل حيث quot; يتفق صحيح المنقول مع صريح المعقولquot;، أما المثل الأخرى فهي الطبيعة والحرية والمسألة الاجتماعية والتقدم التاريخي ويدعو الى صناعة التنوير وليس استيراده كما يفعل البعض من التغريبيين مثل بعض الليبراليين العرب المحافظين الجدد الآن إذ يصرح:quot;ان التنوير العربي الجديد شيء يصنع يتم خلقه بعمل الأفراد والمجموعات وليس حلما طوباويا يقفز فوق الحاضر الى عصر ذهبي بعيد في الماضي أو الى عصر ذهبي قريب في المستقبلquot;[8].
ان طرافة الاستنارة عند حنفي أنها لا تقتصر على الأفراد بل تتعدى ذلك الى تضافر جهود المجموعة من أجل تنوير الحشود لأن التنوير يخبو وينطفئ عندما يظل حبيس أفراد متنورين يعيشون بين حشود تنتمي الى التصورات ما قبل حديثة للعالم وفي هذا السياق يصرح:quot; ان ظهر التنوير لا يأتي بجهد فرد واحد بل بعمل جماعي مؤسسي ثقافي سياسي علمي وإعلامي، نظري وتربوي، فكري وأدبي، هي مرحلة تاريخية بأكملها تصوغ هذا التحول من القديم الى الجديد ومن الماضي الى المستقبل وتضع له منطقا محكما تستنير به المجتمعات وهي في حركة التاريخquot;[9].
التنوير عند حنفي هو القيام بإصلاح ديني واستئناف حركة الاجتهاد لتتجاوز الفروع نحو إعادة تأصيل الأصول من خلال عمل فلسفي تأويلي كوني وهو كذلك ترسيخ الوعي التاريخي والإيمان بالزمانية. ان التنوير هو حل ناجع لحالة الانحباس النظري والعملي التي تعاني منهما حضارتنا لأن:quot;حسن حنفي لا يضع اللوم في قصور حضارتنا على النص أيا كان هذا النص. ولكنه يضع اللوم...كل اللوم على رجال الدين الذين ينطقون النص ويفسرونه ويؤولونه بما يتفق وأهوائهم ومصالحهم السياسية والمالية. فالنص كما يقول حسن حنفي يقوم فقط بدور الافتراض الذي يمكن التحقق من صدقه في التجارب الانسانية الفردية والجماعية. النص يقيد والتأويل يحررquot;[10].
لا مشاحة أن حنفي يؤمن بالإسلام المستنير ويعتبره:quot;تيار فكري يجمع بين الإسلام والعصر والماضي والحاضر...قادرا على أن يكون جسرا بين التيارات المتصارعة في عصرنا الحاضر وينهي القتال الدائر بين أنصار الدنيا وأنصار الدين،المتحررين والمحافظين...الإسلام المستنير اذن تيار ثقافي واختيار فكري وممارسة عملية لبناء الأوطان وتغيير للمجتمعات لماهو أفضل في إطار الثقافة المشتركة والعمل الوطني الموحدquot;[11]. فكيف يتجلى الإسلام المستنير في الشأن السياسي في ثوب العلمانية والديمقراطية؟
هوامش:
[1] حسن حنفي التراث والتجديد موقفنا من التراث القديم منشورات مجد الطبعة الخامسة 2002ص 141
[2]حوار مع د حسن حنفي مجلة حقائق عدد 411 من 20الى 26 أوت 1993 ص14
[3]حوار مع د حسن حنفي مجلة حقائق عدد 411 من 20الى 26 أوت 1993 ص16
[4]حوار مع د حنفي حول اليسار الإسلامي مجلة الفكر الديمقراطي العدد 11 1990ص170/171
[5]حسن حنفي نحو تنوير عربي جديد محاولة للتأسيس مجلة عالم الفكر المجلد 29العدد3 يناير ndash; مارس 2001ص75
[6]حسن حنفي نحو تنوير عربي جديد محاولة للتأسيس مجلة عالم الفكر المجلد 29العدد3 يناير ndash; مارس 2001ص76
[7]حسن حنفي نحو تنوير عربي جديد محاولة للتأسيس مجلة عالم الفكر المجلد 29العدد3 يناير ndash; مارس 2001ص77
[8]حسن حنفي نحو تنوير عربي جديد محاولة للتأسيس مجلة عالم الفكر المجلد 29العدد3 يناير ndash; مارس 2001ص92
[9]حسن حنفي نحو تنوير عربي جديد محاولة للتأسيس مجلة عالم الفكر المجلد 29العدد3 يناير ndash; مارس 2001ص92
[10]شاكر النابلسي مقال فقهاء السلطان يستعدون للثأر من حسن حنفي نشر بموقع إيلاف.
[11]حسن حنفي مقال الإسلام المستنير مجلة التسامح تصدر في سلطنة عمان العدد الأول
كاتب فلسفي
هذا الجزء الأول من الورقة التي قدمت في منتدى الجاحظ لتكريم الأستاذ حسن حنفي بتاريخ 2 جوان 2008