-1-
أصبحت تونس في عهد بورقيبة وبعد رحيله، المثال التنويري العربي الإسلامي، الذي يجب أن يُحتذى في العالم العربي. وبذا، انتزعت تونس شعلة مارثون التنوير من مصر طه حسين وعلي عبد الرازق وحسين هيكل وغيرهم من مثقفي quot;الحزب الدستوريquot; في ذلك الوقت. وما تزال تونس كذلك. فما فعله الحبيب بورقيبة (1903-2000) في تونس، هو ثورة بيضاء بكل معنى الكلمة، من حيث إصدار quot;مجلة الأحوال المدنيةquot; في 1956، التي حررت المرأة التونسية من قيودها وأعطتها حقوقها، لأول مرة منذ 14 قرناً، وإصلاح جامعة الزيتونة التي تعتبر بمثابة quot;الأزهرquot; المغاربي، وإصلاح التعليم الديني.

-2-
ولكن الحبيب بورقيبة لم يكن وحده يحارب على أرض معركة الظلام والظلال ويبني من أجل النور والتنوير. فقد كان معه طابور عريض وطويل من الإصلاحيين التنويريين على أرض معركة الظلام والإصلاح. وكان واحداً من هؤلاء محمد الشرفي (1936-2008) الذي رحل عنا بالأمس (6/6/2008)، والذي كان أحد أعمدة التنوير والإصلاح في تونس، وشغل كرسي أستاذ القانون في الجامعة التونسية. والأهم من هذا كله، أنه كان مؤمناً إيماناً شديداً وداعية قوي الحجة من دُعاة حقوق الإنسان في كل مكان، سواء كان رجلاً أم امرأة، أبيض أم أسود، مؤمناً أم كافراً. وكان رئيساً للرابطة التونسية لحقوق الإنسان.
كذلك فالأهم من هذا كله، هو ما فعله أثناء توليه وزارة التربية والتعليم التونسية (1989-1994) حيث قام بأهم إصلاح لبرامج التعليم ليس في تاريخ تونس فقط، ولكن في تاريخ العالم العربي كله. وقد أثمرت جهود المفكر الشرفي التربوية والتعليمية الإصلاحية، إلى أن تصبح تونس الآن، هي النموذج العربي المحتذى في الإصلاح التعليمي والتعليم الديني على وجه الخصوص، إذا أراد الحكام العرب الآخرون الإصلاح، وكانت لديهم شجاعة وإقدام وإيمان الحبيب بورقيبة.

-3-
عرفت محمد الشرفي لأول مرة في بيروت، عندما كنا نحضر مؤتمر إشهار quot;مؤسسة التحديث الفكريquot; عام 2002، ودار بيننا نقاش وجدل طويل حول الإسلام الدين والدولة. وكان محمد الشرفي من أعمدة هذه المؤسسة الفكرية، كما كان فيما بعد من أعمدة مؤسسة quot;رابطة العقلانيين العربquot; التي تأسست في باريس 2007. ثم توالت الاتصالات بيني وبينه. وفي عام 2004 أهداني كتابه المهم (الإسلام والحرية: الالتباس التاريخي)، الذي صدر أساساً بالفرنسية عام 1999، ثم صدر بالعربية في عام 2002.
وتأتي أهمية كتاب محمد الشرفي، من أن مؤلفه يكتب فيه من خلال التجربة وليس من خلال النظر فقط. لذا، نرى في الكتاب أمثلة تونسية كثيرة، واستعراضاً لتطبيقات تونسية في التربية والتعليم، عاشها وخبرها بل وشارك في هندستها وإقامة صرحها الشرفي، أثناء توليه لوزارة التربية والتعليم التونسية.
إذن، نحن أمام مؤلف جمع العصب الفكري من طرفيه: طرف النظر، وطرف التجربة الواقعية الطويلة.

-4-
كان مطلب تخليص الإسلام من (إسلام الفقهاء) مطلباً متداولاً وملحاً منذ مطلع هذا القرن، مع ظهور وانتشار الفكر العلماني على أيدي رواد الحداثة العربية في مطلع القرن العشرين بقيادة شبلي شميّل، وعبد الرحمن الكواكبي، وإسماعيل أدهم، وإسماعيل مظهر، وفرح أنطون، وسليم وسليمان البستاني، وعبد العزيز الثعالبي، ثم طه حسين، ومحمد حسين هيكل، ومنصور فهمي، ولويس عوض، وغيرهم.
فقضيتنا الكبرى كما يقول الشرفي في كتابه في فصل (الإسلام والقانون) هي السجن الجماعي الذي أودعنا به أنفسنا بأنفسنا. فلا تطور لنا، نحن المسلمين دون حرية، ولا حرية دون الإفلات من هذا السجن التاريخي. والمعركة الملحة اليوم هي حرية المسلم، في أن يجتهد في فهم الإسلام، ويؤوّله كما يدركه. وهذا يقتضي إلغاء دور الفقهاء، الذين يرمون كل مجدد ومجتهد بالردة، التي تهدد حياته، باعتبارها أداة ظلت مستعملة حتى الآن، لمنع كل تفكير قد يؤدي إلى التجديد والابتكار. ولعل القول، بأن quot;ما أغلقه السلف لا يفتحه الخلفquot; هو تلخيص لمشكلة الحرية الكبرى في التفكير الإسلامي المعاصر. فشرعية الفقهاء نابعة من كونهم محسوبين على احتكار الحقيقة الدينية. ومن هنا حرص الفقهاء دائماً على ربط القواعد التي ابتدعوها بالتعاليم الدينية، حيث أن مهمتهم محصورة في تأويل الإرادة الإلهية.
وهناك الكثير من الآراء التي طرحها محمد الشرفي في كتابه بجرأة وشجاعة. ويظل هذا الكتاب إضافة متميزة في الفكر السياسي الديني، يحاول أن يزيل الالتباس التاريخي عن علاقة الإسلام بالحرية.

-5-
عزاؤنا في محمد الشرفي هو في قيام quot;رابطة العقلانيين العربquot; الذي ساهم محمد الشرفي بفكره وتنويره في إنشائها، والتي تترجم وتنشر الكتب التنويرية الإصلاحية والعقلانية في الشرق والغرب، وعزاؤنا أيضاً، في كتابه القيّم الذي تركه لنا، وأفكاره المنتشرة في تونس والعالم العربي، وما قام به من إصلاح تربوي وتعليمي مهم ومتميز.
وعزاؤنا نقدمه اليوم بحزن غامر إلى عائلة محمد الشرفي، وإلى الصديق محمد عبد المطلب الهوني الداعم لـ quot;رابطة العقلانيين العربquot; ومنشوراتها وموقعها quot; الأوانquot; الفكري على الانترنت، وإلى كافة أعضاء quot;رابطة العقلانيين العربquot;، وإلى الصديق الحميم العفيف الأخضر، صنو محمد الشرفي.