قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

هل يجوز للمرأة أن تقود السيارة؟ يشبه السؤال هل يجوز للأنف أن يتنفس؟ أو الأذن أن تسمع؟ فهي من البديهيات ولكن الثقافة عندها قدرة أن تجعل المسلمات والبديهيات موضع سؤال؟
وهو موضوع تجاوزته معظم البلدان الإسلامية وأصبح في بعض الزوايا مثل جدل أهل بيزنطة العقيم ينتظر قدوم محمد الفاتح.
وحساسية الموضوع يأتي من ضغط الثقافة والعادات والبيئة أكثر من نصوص القرآن، فلا يوجد نص في القرآن يقول: حرمت عليكن قيادة السيارة كما قال حرمت عليكم الميتة والدم؟
وفي يوم اتهم النبي بأنه كذاب أشر؟ والسبب هو أن النبي دعا الناس إلى مراجعة عقولهم، فأبوا إلا أتباع الآباء ولو كانوا لايعقلون، وبيننا وبين تشغيل عقولنا مسافة سنة ضوئية؟
وقضية قيادة المرأة للسيارة هي قمة الجليد لمجمل قضايا متراكبة في وضع المرأة في بلد ما، وإذا كانت النساء المنقبات من الطبقة المخملية في دمشق هن من أكثر النساء سواقة للسيارات الفاخرة، فلا يعني هذا أن وضع المرأة أفضل، فالمتدينات اللواتي يسقن السيارة في دمشق قد سلمن عقولهن لشيخة تسوق لهن العقول بدون شهادة سواقة.
وهذا يفضح إشكالية كبيرة فليس من ساق اهتدى، ولا من لم يسوق ضل وعمى، والمسألة تدور حول هل المرأة كائن مستقل عاقل راشد موضع للثقة يمكن أن تقرر لنفسها بنفسها؟ أم أنها جيب جنسي ومصدر إثارة وعربدة وكائن متقلب مزاجي لا يؤتمن بنصف دين وربع عقل؟
وإذا كان السؤال حول قضية قيادة المرأة للسيارة يحتج به الحداثيون لإثارة الموضوع ومحاولة ربطه بالدين؛ فالدين ليس مسئولا عنه بل الثقافة والمتشددون، وهو بلاء يصيب كل ثقافة وأصحاب دين. ويصيب المتشددين والحداثيين.
والحملة التي تشن ضد الغنوشي لصالح العفيف في الانترنت تنادي بمحاربة الإسلام الأصولي (الأسود)، ولكن هل الدين الحداثي أبيض، مع العلم أن استخدام كلمة (أسود) عنصرية يحاكم عليها الحداثيون؟
وهذا ليس اتهام فريق على حساب تزكية آخر، فالاثنان من نفس العين الحمئة يشربون. ومن نفس الضرع الثقافي يرضعون.
وأمراض أهل الكتاب متشابهة، وفي الحديث لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع فلما استفسر الصحابة هل هم اليهود والنصارى كان جوابه: فمن يكون إذن؟quot;قالوا آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟quot;
وأمراض الأمم متشابهة وفي يوم كانت فرنسا تبعث كل سنة وجبتين من المظلومين إلى زنازين في غوايانا الفرنسية بدون عدالة حيث يموتون في جزيرة الشيطان (Devil Island)، وليست أقبية المخابرات العربية متفردة في ذلك بفارق أن فرنسا أقفلت حبس نابليون الثالث منذ عام 1950م، العالم العربي يحكمه حسب الله السادس عشر ويمشي إلى الخلف منكس الرأس بدون إحساس بالدوار.
وفي هذه النقطة يلتقي الحداثيون والأصوليون في نقطة على غير ميعاد، فإذا كان المتشددون قد احتكروا ركوب الجمال والحمير للنساء، وقصروا قيادة السيارة للفحول من الرجال، فوضع المرأة في البلاد الثورية ليست بأفضل حالاً وأبعد منالاً، ويشاهد المرء في سوريا وتركيا وتونس منع ما يسمى المحجبات من دخول المدارس، في الوقت الذي يحظر في بلاد عربية أخرى على الفتاة أن تدخل المدرسة إلا وهي كتلة من السواد.
وكلا الفريقين يمارس الإكراه من جهته، ومع أن القرآن يقول لا إكراه في الدين ولكن البعثيين والإسلاميين ينطلقان من نفس قاعدة الإكراه.
ونحن نعلم أنه مع الإكراه لايبق الإيمان إيمانا ولا الكفر كفرا، وقد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استميك بالعروة الوثقى لا انفصام لها.
ومسألة غطاء الرأس يضحك لها أهل كندا وتورط فيها الفرنسيون بقلة عقل وحماقة هم في غنى عنها.
وإذا كانت المرأة في الكويت قد حققت دخولها إلى البرلمان فلا يعني أن وضعها الاجتماعي قد وصل إلى رتبة القرآن حين يقول quot;الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساءquot; في مساواة مطلقة، فلم يقل وخلق منه زوجته، كما لم يقل أنه خلق المرأة من ضلع الرجل؟ فتبقى عرجاء حدباء مقوسة لا تقبل الاستقامة أبدا مثل ذنب الكلب فلا يستقيم ولو وضع في المكواة؟
كما أن وضع المرأة العالمي ليس أيضا مما يبعث السرور في القلب، فما زالت مقاليد السياسة بيد المجرمين الرجال الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وينظمون الحياة على شكل ثكنة عسكرية، ويشنون الحروب ويسفكون الدماء. وأي امرأة دخلت مؤسستهم تحولت إلى ذكر بثديين بدون خنوثة، ولم تصل المرأة في بريطانيا للقدرة على التصويت إلا عام 1912م، ومن خلال مظاهرات سفكت فيها الدماء.
وإذا كانت المرأة في بريطانيا بلد الديموقراطية لم تصل إلى العتبة الحالية إلا على جسر من المعاناة فوق نهر من الدموع والدماء فكيف بحال المرأة العربية عند حريم المتشددين أو إباحية الحداثيين؟
و(مالك بن نبي) المفكر الجزائري انتبه إلى المشكلة منذ زمن بعيد فقال في كتابه شروط النهضة أن من يغرق في تغطية المرأة هو الوجه الثاني لنفس العملة من تعرية المرأة، في الوقت الذي يظن البعض أن التغطية تقوى والتعرية فجور، فيكشف مالك بن نبي الوجه الجنسي للعملية المتعاكسة بقوله: إن كلا الفريقين ينطلق و(لا شعوريا) من نفس المنطلق الجنسي بهدف التمتع والحفاظ على الأنثى أنها من أملاكه، ولذا رأينا في تعبيرات الفحول الذكور وصف المرأة أنها (جوهرة) وهي تخون منطقه فتكشف عن اللاشعور بشكل واضح أن المرأة أصبحت من الممتلكات الذكورية فهي جوهرة في خزانته العامرة بالأشياء؟
ورأينا في كندا في شارع سانت كاترين أي (القديسة) كاثرين في مونتريال بيوت الدعارة تعمل على مدار الساعة في شارع كان بالأصل للتقوى فأصبح للعهر.
والغربيون يعتبرون هذا حرية وهي تجارة باللحم والإنسان، والرأسمالية ترى أن كل شيء يأتي بالمال شطارة وحلال على أن لا يكشفه القانون، والقرآن اعتبر أن من يسهر على هذه التجارة له العذاب أما البنات فذنبهن مغفور.
وبالمقابل فالمتشددون يرون أن الإسلام بني على ست أولها غطاء الرأس، وإذا لبست المرأة في بلاد الحداثيين كل شيء باستثناء قطعة قماش على الرأس قالوا عنها محجبة، والحجاب خصوصية لزوجات النبي بالفصل الكامل وحرمة الزواج منهن بعده.
وهنا نبصر منظرا عجيبا من عنفوان الثقافة كيف أن بمقدورها أن تنزل وحيا بنصوص من العادات بدون وحي.
وموضوع المرأة أصله أنثروبولوجي فهي التي ساهمت في تكريس الخطأ فمكنت الذكور من توجيه المجتمع مثل الأحول الذي يوصف بالجمال الفتان والأعرج الذي يطلب منه مسابقة مائة متر في المارثون؟ كما يذكر ذلك بيتر فارب في كتابه الجنس البشري في تعليل ولادة مجتمعات الهيراركي الذكورية (البترياريك)؟
ولكن البيولوجيا تكشف اليوم القناع عن حقيقة خطيرة تتعلق بمصير الذكور المفسدين في الأرض الذين يهلكون الحرث والنسل، فقد تبين أن الكروموسوم الذكري قد تآكل ثلثاه حتى الآن، وهو المعروف بالكروموسوم (واي) باللغة الإنجليزية (Y) ولم يبق إلا الثلث من محتواه، في حين أن الكروموسوم الأنثوي المرموز له بحرف إكس باللغة الإنجليزية (X) قد حافظ على نفسه خلال مئات الآلاف من الرحلة البشرية، والمهم والخطير أن الكروموسوم الذكري مستمر في التآكل، وهذا يعني أنه خلال السنوات القادمة سوف يدمر الجنس المدمر بيد الطبيعة لعدم صلاحيته.
وهذه الحقيقة موجودة في بعض الكائنات الحية التي لا يشترط فيها التزاوج ويكفي وجود الأنثى، وهو أمر يصعب علينا تصوره، ولكن العديد من الجراثيم والخلايا تتوالد بالانقسام الذاتي وليس الجنسي، وبذلك تكون الحياة قد تخلصت من ورطة ذكور البشر والنحل.