: آخر تحديث

المفكر الإسلامي فهمي هويدي: الدولة الإسلامية ترف فكري!!

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


عمّان - محمد أبو رمان



* يرى المفكر الإسلامي المصري فهمي هويدي أنّ الحركة الإسلامية المصرية شغلت بالدفاع عن نفسها وعن وجودها ما لم يمكنها من تطوير خطابها الفكري خلال المراحل السابقة، ويبدي هويدي قلقه من التطورات الأخيرة على الأزمة بين كل من الإخوان والحكم المصري وحالة الإغلاق الحاصلة في الأفق السياسي، ويرى أنه في الوقت الذي لا تبدو فيه جماعة الإخوان مستعدة أو مهيأة للمواجهة فإن تعرضها لضربات أمنية وحكومية سيزيد من شعبيتها وحالة التعاطف العام معها.وبخصوص الحركات الإسلامية في العالم العربي، يرى هويدي، أنّ الاحتلال الأميركي هو أول من عزف على لحن الطائفية ودفع باتجاه تفكك المجتمع وتشظيه طائفياً، وقد استخرج هذا الاحتلال من العراقيين أسوأ ما فيهم.ويرى في الشأن الفلسطيني أنّ حماس لم تخطئ في دخولها الانتخابات الفلسطينية، لكنها غامرت بمشاركتها في السلطة، وأن المطلوب منها عدم تقديم تنازلات على حساب ثوابتها الأيديولوجية.

ويعتقد أنّه لا يمكن الحكم على مصداقية التحولات الفكرية الجديدة لدى الحركات الإسلامية - بخصوص قبولها بالديمقراطية كنسق نهائي للنظام السياسي والتعددية وتبادل السلطة والقبول بالآخر - إلاّ باختبارها في المجال السياسي الواقعي، فالخطاب الفكري متوافر لكن المطلوب الممارسة الكاشفة له.ويوافق على أن (القاعدة) أصبحت عبئاً على المشروع الإسلامي، لكنه يتساءل عن الشروط الموضوعية التي تنتج (القاعدة)؛ كالقسوة في الحكم، وغياب الديمقراطية، والاحتلال الأجنبي..فإلى تفاصيل الحوار:

* ثمة اختلاف كبير في تقييم حالة الإسلام السياسي باعتبارها في تقدم وصعود منتظم أو أنها تمر بأزمة حقيقية وتسير إلى الفشل الكامل. كيف تقرأ المشهد العام للإسلام السياسي؟

- أولا من حيث المبدأ، إطلاق التعميمات قد لا يكون دقيقاً. حركات الإسلام السياسي تمتد من المغرب إلى إندونيسيا. وتختلف الأوضاع من دولة إلى أخرى، لذا فإنّ لي تحفظاً على خطأ التعميم، فلكل مجتمع خصوصيته.
وبالمناسبة وضع حركات الاسلام السياسي يتأثر بحالة الديموقراطية في كل بلد. فإذا جاز لنا استخدام تعبير (أزمة) الإسلام السياسي فإن أزمة الديمقراطية تشكل أحد أوجه هذه الأزمة. أظن أن هنالك تشوهات في حركات الإسلام السياسي وهي من الإفرازات حالات التشوه الديمقراطي في كل بلد عربي من ناحية، ومن ناحية أخرى قد تكون أزمة حركات الإسلام السياسي وثيقة الصلة بنضج هذه الحركات السياسي، وتقاس بمدى ارتباط هذه الحركات بأجندة العمل الوطني في كل قطر.

ما يحدث أن حالة الحصار والتضييق التي تعانيها هذه الحركات تحول دون إنضاج تجربتها. فمن خبرتي في مصر فإنّ الأكثر عقلانية وواقعية من رموز العمل السياسي الإسلامي كانوا قد انخرطوا في مؤسسات العمل العام كالمجالس البلدية والنقابات المهنية واتحادات الطلاب. فالاحتكاك في الواقع ينضج التجربة وينزل بها من آفاق التنظير العالية لتضاريس الواقع، ما يؤيد هذا الكلام تجربة العدالة والتنمية في تركيا، وهي صيغة قد يختلف فيها البعض لكنها تبلورت بعد قرابة ثلاثين سنة من التجربة.

هذه الفترة الطويلة ساعدت في إنضاج التجربة وإنضاج المشروع، فانخراط الناس في العمل العام حولهم إلى جزء من المشروع الوطني التركي، وليس المشروع الخيالي الذي طرحته القاعدة ومحاربة الصليبيين وما هو على هذا القبيل.
جزء من الأزمة هو الانفصال عن الواقع الذي يفرضه الاقصاء والحصار الواقع على الحركات الإسلامية، ما يحول دون إنضاج التجربة على النحو الذي يخدم المشروع الوطني.


* حركات الإسلام السياسي علقت فشلها وعدم تطويرها خطابها السياسي على عدم توافر البيئة المناسبة، واستسهلت عملية رفع الشعارات وثقافة الاحتجاج، ما وجهة نظركم عما يجري وبخاصة أن حزب التنمية والعدالة التركي طرح برامج واقعية وشارك في السلطة؟

- إذا كانت التجربة التركية هي المعيار، فإنّ الممارسة تتيح فرصة الإنضاج. أما تجربة مصر فقد شغلت الحركة الإسلامية بالدفاع عن نفسها بأكثر مما شغلت بتصليح أوضاعها. فحركة الإخوان منذ عام 48 حتى الآن تدافع عن نفسها. بالمنطق الطبيعي عندما تكون باستمرار أمام حالة الإقصاء والتهميش والاعتقال والمصادرة، فإن عقلك الجمعي يكون مستنفرا ليس للوضع الداخلي، بل لصد الهجمات من الخارج، لهذا قيادات الحركة الإسلامية في مصر كانت قيادات احتشاد وتنظيم لا قيادات فكر وتنظير.

ما سبق يعني أنّ إفرازات الحركة الإسلامية كانت تصب في مجرى الاحتشاد والدفاع عن النفس هذا لم يتح للعقل التنظيري ولا المراجعات أن تأخذ مداها. أحيانا تتشكل قدراتك استجابة لواقع معين. هناك واقع يستنفر فيك العقل وهناك واقع يستنفر فيك الأظافر والأسنان. الذي حدث أن الإخوان لم تتح لهم - وهذه مسؤولية مشتركة من الظروف ومنهم - فرصة المراجعة، وبسبب هذا الظرف التاريخي نمت لديهم قدرات استجابت لظرف الضغط والإقصاء وهو ما يسمونه بوحدة الجماعة ووحدة الصف، فالمهم حتى لا ينفرط العقد أن تتلقى الضربات وتتماسك، أما عافية الجسم في الداخل فستتولى أمرها وأنت في عافية كاملة وفي حالة يقظة فكرية أو مراجعة.. فهذا الظرف التاريخي لم يعطهم فرصة كافية لتنمية القدرات واستغرقهم الدفاع عن النفس ولم ينتبهوا للدفاع عن الفكرة، أي أنّ الدفاع كان عن الجسم وليس العقل.

مصر: بين الإخوان وحزب الوسط

* هنالك تجارب إسلامية قطعت شوطاً أكبر من الإخوان في المرونة الفكرية والسياسية، لكنها لم تلق نجاحاً إلى الآن كتجربة حزب الوسط الإسلامي؟

- أولا نحن في العالم العربي مشغولون بقمع التطرف، ولسنا مشغولين بمساعدة الاعتدال. حزب الوسط له عشر سنوات يناضل لم تتح له رخصة للعمل. فالظروف الاستثنائية غير الموضوعية تساعد على الانطفاء وتوقف عملية الإنضاج.
ثانياً الإخوان أخطأوا في اشتباكهم أو في عدم استيعابهم حزب الوسط، وحزب الوسط أخطأ في اشتباكه مع الإخوان. فحينما يخرج حزب الوسط من عباءة الصف الإسلامي لماذا يشتبك مع الإخوان؟! لماذا نضع في حسابنا أن يكون الأول على صواب والثاني على خطأ، لماذا لا يكون الاثنان على صواب؟! لماذا لا نسير بخط متواز؟!

الإخوان أخطأوا في عدم استيعابهم لوجود خريطة إسلامية متشعبة وواسعة من الحركات الإسلامية الأخرى، وحتى استغراقهم البعد التنظيمي في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، فعندما تقول (حزب إسلامي) لا تنصرف أنظارهم إلا إلى الإخوان، لم يستوعبوا أن هنالك متغيرات جديدة. الآن الأحزاب الإسلامية لا تعني بالضرورة الإخوان، فالحكاية تغيرت بعد نصف قرن وهو ما لا يستوعبه الإخوان بشكل كاف.

أيضا جماعة الوسط لما خرجوا من جماعة الإخوان استمروا مشتبكين معها، وهو ما أساء إليهم لأنه كان بإمكانهم أن يأخذوا معهم من جمهور الإخوان. ظلت هذه الحركة شريحة محدودة من المثقفين والنخب ليست لها قواعد.


* لماذا بقيت تجربة الوسط على تقدمها وتطورها محدودة ونخبوية، بينما بقيت جماعة الإخوان هي صاحبة الحضور الشعبي العارم؟

- أنت ذكرت البعد الزمني، فجماعة الإخوان تأسست عام 1928، وقد بدأ جيل الرواد من الإخوان بداية صحيحة دخلوا كل قرى مصر. تجربة البنا تختلف عمن جاؤوا بعده؛ عندما وضع لجنة استشارية في اللجنة السياسية دخل فيها أربعة أقباط في حركة الإخوان. ولو تابعت التبرعات في تلك المرحلة فستجد أن الأقباط كانوا قد عملوا اكتتابا لمبنى الإخوان الجديد في الحلمية. فالعلاقات في زمن البنا - مع الأقباط - كانت تمتاز برحابة الصدر، وكان ينظر إلى الجماعة أنها وسيلة وليست هدفا. آخرون بسبب البعد التنظيمي اعتبروا الجماعة هدفاً وليست وسيلة. اختلفت المسألة، وأعرف حالات لأشخاص أرادوا الانضمام إلى الجماعة من أحزاب أخرى لكن الأستاذ البنا قال لهم: لماذا لا تدعون للإسلام في أحزابكم، فالإخوان كانت بالنسبة للجيل الأول مجرد قناة من القنوات. هذا فكر مختلف.

من ناحية أخرى؛ الأميركيون يقولون عندما يتكرر سقوط التلاميذ في مساق معين أنّ العيب في الأستاذ. وفي بيئة سياسية ومناخ سياسي لم ينمُ فيه الاعتدال والنضج والقبول بالآخر والتعددية.. سيفرض الواقع شروطه على الجميع، ويقولون إن كل نظام سياسي يخلق المعارضة التي يستحقها، ويعلّم القمع أو التسامح، وهذا من طابع الحياة السياسية في مصر فبذلك لا تستطيع الفصل بين الإخوان وبين المناخ السياسي السائد في مصر.


* ما قراءتك لآفاق الأزمة الحالية بين الإخوان والنظام في مصر؟

- دائما أقول علاقة الإخوان بالنظام - أو أي فصيل إسلامي سياسي بالنظام السياسي - مرتبطة بالديمقراطية. مثلا التعديلات الدستورية الأخيرة في مصر لا تضمر خيرا لا للإخوان ولا أي فصيل سياسي مستقل. ففي التعديلات الدستورية ليس فقط لا يجوز بناء حزب على أساس ديني، بل حتى ممارسة نشاط على أساس ديني حتى لو مقال. أنت تغذي ماذا؟ حصل تسديد للأفق السياسي للإخوان حتى للنشاط النقابي والمشروعات الاقتصادية. بالمناسبة هذا يرفع من شعبية الإخوان لأن الناس مضطهدون ويتعاطفون مع الضحية، فمن حيث لا يريد النظام فإنه يوسع دائرة التعاطف مع الإخوان.

كتبت مقالا عندما كان الإخوان يقولون إن الإسلام هو الحل، وبالمناسبة فإن هذا لم يكن هو شعار الإخوان، لكن هذا شعار عادل حسين أيام حزب العمل، والإخوان أخذوا هذا الشعار. الآن مرفوع شعار الإسلام هو (المشكلة) لأن هنالك أناسا خرجوا من الاشتباك مع الإخوان للاشتباك مع الإسلام ومع ممارسة أي نشاط سياسي له صلة بالدين حتى لو وزارة الأوقاف، وأصبحوا يقولون إن التوجه الإسلامي ضرب لفكرة المواطنة والعلاقات مع العالم.

في المحصلة فإنّ المستقبل لا يبشر بخير، إما كمون أو مواجهة، ولا أعتقد أن الإخوان مستعدون للمواجهة، أغلب القيادات أشرفت على الثمانين عدا عن القيادات الوسيطة ممّن اعتقل خمسة عشر سنة ليس مستعداً بعد ذلك للاصطدام مع الحكومة مرة أخرى.

الإسلام السياسي في العراق


* تجربة الإسلام السياسي في العراق بعد الاحتلال مخيبة للأمل، في ظل تورط الحركات الإسلامية في الصراعات الطائفية والنزول بالدين إلى مستوى صراعات سياسية؟

- أولا الطرح الطائفي بدأ فيه الاحتلال. ففي تشكيل مجلس الحكم الانتقالي كان، شيعة، سنة، أكراد، وتركمان، وهذه الخلفية التاريخية مهمة لإدراك من ألقى هذه البذور ووفر التربة الخصبة لإنبات هذه الأشواك.
الشيء الآخر هو أنّ الحالة الشيعية مفهومة؛ فقد كان شائعاً أنهم مضطهدون في زمن صدام، وبالمناسبة ذلك لم يكن لأنهم شيعة، بل لأنهم معارضة، و 40 في المائة من قيادات حزب البعث والأمن فترة صدام كانوا من الشيعة. لكن جرى الترويج لذلك بأنهم مضهدون، ويجب تعويضهم، وقد كان هذا من مداخل الاحتلال الأميركي؛ أي إنقاذ القاعدة العريضة المضطهدة.

أمّا الصف السني فلم يكن واحدا، حتى قيادة الحزب الإسلامي لم يكن موقفها باعث على الراحة داخل في الصف الإسلامي، وهيئة علماء المسلمين لم تدخل في اللعبة. إذا جاز لنا أن نعمم بدرجة أو بأخرى على الصف الشيعي فلا يجوز لنا أن نعمم على الصف السني.

الصف الشيعي أنعش تطلعات إيرانية موجودة، وما يمكن أن نسميه (تمكين الشيعة) في العراق. الأدبيات الأميركية جميعها التي تحدثت عن العراق كانت قد دخلت من المدخل الطائفي مثل بيرنارد لويس. الفكرة كان هنالك إذكاء أميركي وإذكاء واستثمار الوجود الشيعي. المراهنة كانت في محلها لأن السيستاني عندما دخل الأميركيون دعا لمقاومة مدنية وليست مسلحة.

هذا التفكيك للمجتمع العراقي بدأ أميركيا، واستمرار الاحتلال قلب الخريطة، والإيرانيون ارتكبوا أخطاء عندما ساندوا الشيعة في الداخل ما استنفر السنة ودخلت عناصر القادة بحماقاتها، ودخلت في مواجهة مع الشيعة أو مع السنة الذين لا يريدون الاعتراف بالواقع الجديد.

الأجواء ملوثة. الأجواء قد تستخرج من الناس أسوأ ما فيها أو أفضل ما فيها. الحاصل أنها استخرجت من العراقيين أسوأ ما فيهم من قتل وتعذيب وتمثيل.


* لكن ألا تعتقد أنك تبرئ الحركات الإسلامية التي لم تستطع الخروج من أمراض الواقع فتماهت معها، بدلاً من تقديم علاج سياسي وثقافي للطائفية التي أصبحت جزءاً بل ومحركاً رئيساً للمشروع السياسي؟

- أولا أنا ضد التعميم. الحالة العراقية تبقى داخل الإطار العراقي. عندما تحدثنا عن مصر قلنا إن هنالك ظرفا تاريخيا منذ ستين سنة. دور العوامل الموضوعية كان أقوى من العوامل الذاتية في الحالة المصرية. في العراق هل نحن على إحاطة كافية بخريطة القوى الإسلامية الموجودة في العراق، نعلم أن هناك مرجعا شيعيا كالسيستاني، بينما الحالة السنية ليست واضحة تماماً.

فالفوضى العراقية أحدثت فوضى فكرية أيضا، الأمور تتغير، الكتائب تنقسم والصور متغيرة بفعل التفاعلات، الأجواء غير صحية وتفرز حالات غير صحية. ولهذا الطرح الذي تفضلت به أي الحل العلماني، ليس لدي مانع لغطاء علماني، لكن المفارقة أن من يطرح هذا الأمر كعلاّوي وغيره هم صناع الاحتلال. دخلوا من مدخل شيعي و لم تتحقق مصالحهم فانقلبوا إلى الطرح العلماني.

على كلٍّ لست ضد أي طرح يخرج العراق من المأزق الأساسي، ولا بد أن يكون واضحا أن المأزق الأساسي هو الاحتلال.


* هل المشكلة فقط في الاحتلال أم في مدى قدرة القوى العراقية المختلفة على الحوار وبناء تقاليد للعمل المدني السلمي ؟

- الإجابة ليست سهلة؛ فقد يكون في الطرح النظري أننا لا نستطيع أن نواجه الاحتلال إلا بالحوار، لكن بالطرح العملي من يحاور من؟ أقبل نظريا أنه لا سبيل إلى خروج الاحتلال إلا بتوافق وطني حول هذه القضية هذا من ناحية نظرية. لكن هذه النظرية يتعذر تطبيقها على الخريطة العراقية بسبب أن القوى المهيمنة الآن هي من صنيع الاحتلال.

* وهل جميع القوى المشاركة في العملية السياسية الجارية هي من صنيع الاحتلال؟

- الأدق أن أغلبها صنيع الاحتلال. الآن مقتدى خرج من العراق مؤقتا، ولا أضمن تحولاته! لكن لو رصدت الباقين فهم صنيعة أو استخدموا وقبلوا بالاستخدام. دخلت في مناقشات مع طارق الهاشمي وعادل عبد المهدي وهؤلاء في المحصلة ربطوا أنفسهم بالأميركيين. بالنسبة للحزب الإسلامي فهو ليس على قلب رجل واحد، هنالك تمايزات واختلافات كبيرة، لهذا أعيد التنبيه للظروف الموضوعية والأجواء الملوثة في فيروسات تستخرج أسوأ ما في الجسم. لهذا هناك خروج الاحتلال وجدولة الانسحاب هو الأسلم. لو قالوا مثلا في سنتين ممكن تنظيم المسألة.

حماس بين الآيديولوجيا والتحولات الجديدة

* ألا تعتقد أن حماس وقعت أسيرة التناقض بين مقولاتها الآيديولوجية وواقعها الحالي، وهل دخولها العملية السياسية خطأ استراتيجي؟

- حماس لم تخطئ في دخول الانتخابات، لكنها غامرت باشتراكها في السلطة. فثمة فارق بين دخول الانتخابات والمجلس التشريعي وبين دخول سلطة مسؤولة عن القرار السياسي. لكن أفهم لو دخلت انتخابات لا تستطيع خذلان الجماهير التي راهنت عليك. ولا أقول حدث تناقض لأن التاريخ قصير فقط 14 شهراً، المهم ألا تتورط حماس في هذا التناقض، القبول بالتهدئة ممكن، لكن لابد أن تكون واقفة تماماً عند رفض الاحتلال أو تقديم أي تنازلات سياسية. برأيي إن استمر الوضع الحالي للشعب الفلسطيني، فعلى حماس أن تضحي بالسلطة وأن تعود لصف المقاومة.

حول التطور الفكري للإسلاميين

* يثير المسؤولون العرب وعدد من الباحثين شكوكاً حول مصداقية وجدية التحولات الفكرية لدى الحركات الإسلامية، وفي مدى إيمانها بالتعددية والديمقراطية وتداول السلطة، ما رأيك؟

- ليس أمامنا إلا أن نحاسبهم على ما يقولون. لا تستطيع الحكم على هذه الحركات إلا إذا اختبرت.

* لكن من خلال خبرتك الطويلة في متابعة الحركات الإسلامية؛ هل تعتقد أن هذه التحولات الفكرية حدثت بديناميكية صحيحة أوصلت إلى هذه النتائج أم أننا أمام فقط دعاية سياسية ليست متجذرة لدى هذه الحركات؟

- هنالك فرق كبير بين الجدل النظري والممارسات العملية. برأيي أن الديمقراطية لا تتشكل ببيان وإنما بالممارسة، لذا أكثر الناس قبولا بها من أبناء الحركة الإسلامية هم من شاركوا في النقابات ومجالس الطلبة ومؤسسات المجتمع المدني ذات التعددية.

دفاعاً عن الديمقراطية لابد أن نترك هؤلاء يُستوعبون الآلة الديمقراطية. الخطاب النظري توافر لكن الخبرة العملية لم تكتسب بعد.

* أحمد الكبيسي، الفقيه العراقي المعروف، يرى أن الدولة الإسلامية دولة علمانية، فيما لا يزال آخرون يصرون على أنها دولة الآيديولوجية، ألا تعتقد أنه آن الأوان لتحديد وتعريف واقعي عملي لمفهوم الدولة الإسلامية؟

- أظن أن هذا بمثابة ممارسة لترف فكري، ليس وارداً على المدى المنظور، أنت الآن تدافع عن كيان الدولة. فحينما أصدرت حماس بياناً، لحظة تأسيس الحركة، بأن فلسطين أرض إسلامية كتبتُ أنّ فلسطين محررة قبل فلسطين إسلامية، وردّ عليّ أحد الإخوان في الأردن. نحن الآن في حالة انفراط للدولة ذاتها؛ العراق والسودان والصومال ومصر مهددة بالانفراط: الأقباط والنوبة وسيناء. المغرب العربي واليمنيين. نحن لم نصل لمرتبة تلوين البناية قبل تمكين أساساتها!

برأيي أن وجود الدولة الآن هو التحدي الأساسي. لهذا الاحتشاد الوطني بالغ الأهمية.

* هل سينتظر السياسيون والمراقبون إلى حين وصول الإسلاميين إلى السلطة ليعرفوا ما هو تصورهم الحقيقي للدولة؟ أليس من حق القوى السياسية الأخرى معرفة محصلة المشروع السياسي الإسلامي؟

- في مرة كتبت مقالة أن المشتغلين بالعمل الإسلامي لن تقبل منهم أي إجابة، وسيظلون يسألون ثم يجيبون. ماذا ستفعلون بالديمقراطية والمرأة والأقباط؟ هل سيقيم الإسلاميون الحدود؟

أشك كثيرا في عملية فتح ملفات، فالدولة الإسلامية ستقوم بقيام دولة ديمقراطية. لا نريد أن نستولي على السلطة ونقيم الدولة، كما حدث عند البعض في السودان وإيران. نريد أن يقيم الناس الدولة لا نريد أن نستولي على السلطة ونقيم الدولة. إذا كان لابد لنا من الحديث عن الدولة التي نريد فلابد لها من عناصر العافية السياسية التي لن تتوافر إلا بإقامة دولة ديمقراطية حقيقية.

* برأيكم أين تكمن الأولوية في الخروج من الراهن السياسي هل هي لمقاومة الاحتلال أم للإصلاح أم للمشروع الثقافي؟

- أنا أخشى من التعميم، حيث تختلف الحال من قطر إلى آخر. في المشرق العربي هنالك مشكلتان هما النفط وإسرائيل. هذا غير موجود في المغرب العربي أو إندونيسيا. إذا كان لدي قوى هيمنة مصصمة على الفتك بي طوال الوقت فهذه قد تشكل أولوية وقد تصبح الديمقراطية عنصرا مساعدا في حشد الصف الوطني لمواجهة هذا التحدي. لكن هذا الموضوع ليس مطروحا في أماكن أخرى، وبالتالي لا أجد أجندة واحدة للحركات الإسلامية أينما وجدت، فطبيعة المناطق تفرض ترتيب الأولويات، ما قد يختلف من منطقة لأخرى.

* ألا تعتقد أن القاعدة أصبحت عبئاً على المشروع الإسلامي اليوم؟

- ما حجم القاعدة ؟ هل كل شيء ينسب للقاعدة هو من القاعدة؟ الإعلام يقول أصبحت القاعدة مخزن الإرهابيين، مسألة أخرى، القاعدة خرجت استجابة تاريخية لظرف معين. احتلال وتغريب وافتراس للعالم الإسلامي والعربي.. جففت التجربة فأنبتت شوكاً.

نعم، القاعدة عبء على المشروع الإسلامي، لكن لنرى شعبية القاعدة في مجتمعات عربية حيث الاكتساح هناك لماذا؟ الضغط الرسمي، الهيمنة الأميركية، تخريب للتعليم، ضرب للثقافة السائدة. هذه القسوة تنتج مشاعر مماثلة مع استجابة تاريخية لهذا الواقع بقسوة في مواجهة التحدي .


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد