: آخر تحديث

كهوف ومغارات الجزائر العجيبة

مواضيع ذات صلة

استوطنها الإنسان منذ العصر الحجري
كهوف ومغارات الجزائر العجيبة.. حكايا ترويها أنامل الطبيعة


كامل الشيرازي من الجزائر: تحفل الجزائر بعديد المغارات والكهوف المنتشرة عبر فضاءها الفريد المترامي في موطن الآثار والعمق الحضاري، فهنا تروي عشرات المعالم أساطير صنعها القرطاجيون والرومان والوندال والإسبان والفرنسيون والعرب من فاطميين وزيانيين ورستميين وحفصيين، وأينما تتوجه في الجزائر تعانقك متاحف على الطبيعة كما هو حال مغارة quot;بني عادquot; الشهيرة التي تتراقص بها الأساطير الحية، إلى كهوف quot;أوقاسquot;، وصولا إلى مغارة quot;ابن خلدونquot;، التي كتب بها العلامة الشهير ومؤسس علم الاجتماع الحديث رائعته في فلسفة التاريخ quot;المقدمةquot;.

الجزائر التي دلت الحفريات على تواجد الإنسان بها قبل أزيد من خمسمائة ألف عام، تزخر عبر جهاتها الأربع بألوان من المغارات والكهوف المنّوعة، من آثار الحضارة الإيبيرية-المغاربية، والحضارات القفصية، إضافة إلى حضارات أخرى في مناطق الهضاب والساحل والصحراء وغيرها كثير مترامي الأطراف عبر المحافظات الـ48.

كهوف quot;غار البازquot;: أسرار الكريملن وبرج بيزا وتمثال الحرية

بلدة زيامة المنصورية ضواحي ولاية جيجل (400 كلم شرق الجزائر)، تختزن خلف جنباتها، كهوف quot;غار البازquot; المغرية وهي إحدى روائع هذا الزمان، إذ ينبهر الزائر بذاك الامتداد البديع، وما تتوفر عليه دواخلها من عوالم رائقة، بدرجة حرارة ثابتة طيلة فصول السنة (18 درجة) في حين تقدّر الرطوبة بـ60 درجة فما فوق، واستنادا إلى السكان المحليين، جرى اكتشاف هذه الكهوف سنة 1917م اثناء فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر، وتمّ الأمر عن طريق الصدفة، عندما كان عمال إحدى الشركات الفرنسية للانشاءات العامة، بصدد شق نفق يتوسط الكورنيش الجيجلي، حيث أدى ثقب على مستوى النفق، إلى التعرّف على هذه السلسلة العجيبة من الكهوف.

ويبدي خبراء اهتماما بالظواهر التي يلحظها الزائر للمكان، حيث تحتوي تلك الكهوف على أشكال غريبة مجسدة في الطبيعة عبر العالم على غرار قصر الكريملن في روسيا وبرج بيزا الايطالي وتمثال الحرية بأمريكا، وكأس العالم وأفاريز أخرى على غرار السمكة المجمدة quot;البوياquot;، وضرس كبير بجذوره يحمل إسم الجلالة quot;اللهquot; بالعربية، ناهيك عن شكل لجنين في بطن أمه، ومجسم لأرجل جمل عملاق، كما تمتاز كهوف quot;غار البازquot;، بأشكال من النوازل والصواعد، إضافة إلى قردة ثلاثة تمثل رمز الحكمة quot;صم، بكم، عميquot;، وأشكال أخرى أبدعت فيها أنامل الطبيعة، ويفسّر مختصون ارتسامات هذه الظواهر بما أنتجته ترسبات كلسية لمياه الأمطار والتي عادة ما تكون معبأة بأملاح معدنية.

وبعدما كانت هذه الكهوف عرضة لأيادي التخريب في أوجّ الفتنة الدموية التي عايشتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي، قامت السلطات بأعمال ترميم لإعادة وهج المكان، حيث تمّ إعادة تجديد مدخلها الرئيس المطل على البحر، وكذا الجسر الحديدي المؤدي إلى تلك الكهوف، فضلا عن إعادة تثبيت جدرانها التي تصدعت إلى حد ما في وقت سابق.

واللافت أنّ كهوف quot;غار البازquot; تظل مغلقة طيلة أشهر العام، ويجري فتحها اعتبارا من الفاتح مايو/آيار أمام الزوار، بيد أنّ أبوابها مشرّعة على مدار أيام السنة أمام البعثات العلمية والمجموعات الطلابية والوفود الأجنبية، وتعرف كهوف quot;غار البازquot; توافدا كبيرا للزوار من الجزائر وخارجها، وقد استقبلت خلال العام الأخير ما يربو عن 240 ألف زائر بينهم 56 سائحا أجنبيا من فرنسا وألمانيا وكندا، وكذا المشرق العربي.

مغارة quot;محي الدينquot; بوهران.. مذكرات عصر ما قبل التاريخ
nbsp;
من جانبها، تشكّل مغارة quot;محي الدينquot; (الاكميل سابقا) بولاية وهران (430 كلم غرب الجزائر)، مذكرات عصر ما قبل التاريخ، ويعتبرها خبراء، مرجعا أساسيا في عملية تحليل واستجلاء المواقع التي سكنها الانسان في العصر الحجري، وهو ما تؤكده البحوث العلمية التي أجريت حول المغارات و الكهوف الموجودة هناك.

وبحسب مراجع محلية، تبيّن أنّ هذه المغارة كانت تجمعا بشريا منذ القدم حيث عاش الانسان بها منذ عصر ما قبل التاريخ بجوار الجبل العتيق الشاهق quot;المارجاجوquot;، وما يدلّ على ذلك أنّ مدينة وهران كان اسمها القديم quot;إفريquot; ويعني بالأمازيغية quot;المغارةquot; وذلك استنادا إلى الحفريات والأبحاث التاريخية التى قام بها علماء الآثار الفرنسيون خلال الحقبة الاستعمارية، وشملت كوكبة من المغارات والكهوف التي تم اكتشافها ما بين 1885 و1912.

وغير بعيد عن مغارة quot;محي الدينquot;، تتراقص مغارة quot;بني سلامةquot; بولاية تيارت (500 كلم غرب الجزائر)، وهي مغارة تعود إلى العهد الروماني، ولا تزال أسوارها شاهدة على تلك الحقبة، و''بني سلامة'' أطلق عليها عمداء الدولة الرستمية التي حكمت الجزائر بين القرنين الثامن والعاشر الميلاديين، مسمى quot;غطرسة الحروبquot; بينما سماها الأمازيغ الأوائل ''تاوغزوت''، علما أنّ اسمها الروماني هو ''كاستيلوم''، اعتكف فيها العلامة ابن خلدون من ربيع 1375 إلى 1378م، وبين جوانحها دوّن مقدمته الشهيرة التي غيّرت مجرى التاريخ بوضعها لبنة علم الإجتماع الحديث.

مغارة ''بني عاد''bull;bull;bull; التحفة الخالدة

ولاية تلمسان (800 كلم غرب الجزائر)، المتألقة بأسوارها وأبراجها وكهوفها، تظلّ لوحة لها سرها الخاص وهي بلا منازع مغارة ''بني عاد'' بمواصفاتها العالمية ونفائسها المزدهية وكنوزها الأثرية، التي تتوّج ناصية عاصمة الزيانيين، وهو ما خلب مخيالات مؤرخين مشاهير من قامة عبد الرحمن بن خلدون وابن أبي زرع، وشعراء بوزن ابن خفاجة، وابن الخميس.

مغارة ''بني عاد'' تراث طبيعي يزاوج بين الإبهار والسحر، تقع 57 مترا تحت سطح الأرض، تجد داخلها عشرات الكهوف الصخرية الصغيرة، ويقول باحثون أنّ هذه المغارة الموغلة في القدم، تمتد على طول سبعمائة متر، ولها درجة حرارة ثابتة طوال العام (بحدود 13 درجة)، وتفيد الروايات أنّ مغارة بني عاد جرى اكتشافها من طرف الأمازيغ الأوائل في القرن الأول قبل الميلاد، وأقنعهم تشكلها كحصن منيع، إلى اتخاذها بيوتا من طرف ملوكهم آنذاك.
nbsp;
وتقول دراسة موثقة أعدها الباحثان أبو عبيد البكري وجورج مارسيه، أنّ مغارة بني عاد يزيد طولها عن الـ150 كلم، وتصل إلى مغارة الحوريات التابعة لمدينة وجدة المغربية، وما يؤكد ذلك، قيام المحتل الفرنسي في أواخر خمسينيات القرن الماضي، بغلق منفذها نحو تراب المملكة المغربية، بعدما وظفها ثوار الجزائر في جلب السلاح والمؤونة.

ويمكن للزائر أن ينتعش بصفاء المكان ويتمتع بهديل الحمام الذي يتخذ من المغارة مسكنا آمنا، وسط صواعد صخرية كلسية عجيبة تزيد المكان رونقا ومهابة، وعلى منوال تمثال الحرية بأمريكا الموجود بكهوف quot;غار البازquot;، تجد داخل غرفة صخرية وسط مغارة بني عاد، نسخة أخرى لتمثال الحرية، كما تحتوي غرفة أخرى على تمثال صقر أو ما يُعرف بـquot;طائر الملوك المفضلquot;.

وبين قاعتي quot;السيوفquot; وquot;المجاهدينquot; اللتان تخلدان مآثر الذاكرة الجزائرية العريقة، تنتصب ثالثة الروائع في هذه المغارة الواسعة الأرجاء، هي جدار أبيض ملّون كالرخام يمكن للمرء أن ينقر عليه بعمود خشبي، فتنبعث منه نوتات موسيقية نخالها مضاهية للريتم الإفريقي الذائع الصيت في القارة السمراء.

للأسف هذه المواقع التي يُفترض أن تتقدم بالجزائر إلى مصاف السياحة الثقافية، تعاني من ويلات التدهور والاهمال واللامبالاة، وقد نفاجئ الكثيرين في الجزائر وخارجها، إذا ما كشفنا أنّ هذه المغارات والكهوف على الرغم من شهرتها التي اخترقت الآفاق لم تحظ بالاهتمام المطلوب الذي يليق بحجمها، بل أنّ زيارات المسؤولين الحكوميين إلى هذه المعالم لم تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة منذ استقلال الجزائر في يوليو/تموز 1962، بينما تتخذها عديد الوفود الأجنبية قبلة مفضلة لها.


عدد التعليقات 7
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. عاشق بلدالمليون شهيد
العربي الصعيدي - GMT الأربعاء 23 أبريل 2008 10:06
جميلة هي الجزائر .....
2. .........
الأوراسية - GMT الأربعاء 23 أبريل 2008 13:49
الصور جميلة وأتمنى من الصحفي كامل الشيرازي أن يطل على أوراس النمامشة وتحديدا عن ( الحضارة العاترية وبئر الكاهنة ) فتيفاست حسب المؤرخين أول مدينة رومانية تبنى في شمال افريقيا والبحر الأبيض المتوسط ككل .
3. [email protected]
newman - GMT الخميس 24 أبريل 2008 07:58
...انا من سكان مدينة جيجل عروس البحر المتوسط..فكل من زارها يوما يعود اليها حتما.. يعد الكورنيش الجيجلي من أكثر المناطق سياحة في الجزائر فهي طريق محفورة بين جبال صخرية من جيجل الى بجاية...اما الشواطئ فمن اجمل ما صور الخالق على الارض...لمن يريد اكثر يتصل بي على العنوان اعلاه...وشكرا
4. yemen
حبيبة الجزائر - GMT الخميس 24 أبريل 2008 09:12
احب الجزائر وشعبها والصور جميلة جدا ياريت لو ان الاخ الصحفي اضاف صور اخرى
5. اضافة مغارة
al wali abdelah - GMT الخميس 24 أبريل 2008 20:42
بالاضافة الى ما عرض في المقال اود اضافة مغارة الى علمكم حضرات القراء وهي مغارة الامير عبد القادر التي دفن فيها سلاح المقاومة وكنزها وهو مدكراته القيمة الا ان هده المغارة لم يقدم احد على الاقتراب منها لانها محصنة جدا بواسطة حراس و السلام عليكم
6. الجزائر
love_almosta7yl - GMT الجمعة 25 أبريل 2008 09:33
الجزائر بلد جميل بشهامة أهله وحسن ضيافتهم وأكيد الصور ما هي إلا جزء صغير من جمال هذا البلد.أتمنى من الجميع أن يزروهاااااااااااااااااا
7. الله
هالة الحسيني - GMT السبت 26 أبريل 2008 12:08
جميله جدا الجزائر


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.