قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

فاجأت أحزاب ومراجع وتجمعات سياسية عراقية الرأي العام بطلب تأجيل الانتخابات المقرر عقدها في 30 يناير القادم. إن هذا الطلب الغريب جدا يأتي بعد يومين فقط من دعم مؤتمر شرم الشيخ للانتخابات وموعدها برغم تحفظات عربية وخصوصا من سوريا. إن طلبا يأتي بصورة مفاجئة وأثناء الاستعدادات الجدية لإجراء العملية الانتخابية، هو في نظرنا موقف خاطئ وخطر، ويشكل ضربة للعملية الديمقراطية. لماذا؟

1 ـ كما قلنا، إنه طلب يأتي بعد إجماع دولي وعربي وإقليمي للانتخابات في موعدها وبعد وضع اعتراضات دول وكوفي عنان جانبا وعدم استجابة المؤتمر لها؛
2 ـ ليست هناك أحداث خطيرة مفاجئة كالزلزال تستدعي التأجيل، بل إن الضربة القاصمة لبؤرة الإرهابيين في الفلوجة قد عززت فرص نجاح الانتخابات؛
3 ـ إن طلب التأجيل يتم بحجة توسيع المشاركة الانتخابية. لكن دعونا نتصارح : من المقاطعون ولماذا؟ إنهم حزب البعث الصدامي الذي يحرض يوميا على المقاطعة، وهيئة علماء المسلمين ومجلس الشورى اللذان يدعيان تمثيل سنة العراق، مع أن السنة العراقيين موزعون على مختلف التيارات والتجمعات السياسية ومن بينهم شخصيات وتجمعات في قوام مؤسسات الحكم، ومنهم الحزب الإسلامي، والسيد الباجة جي وفريقه، والشريف علي، وآخرون، ناهيكم عن أن الأكراد هم بغالبيتهم من السنة. كما نعرف أن الهيئتين الدينيتين المذكورتين تناصران العمليات الإرهابية وتبررانها، وإن الناطق باسم مجلس الشورى يعلن للصحافة الأجنبية أنهم سوف يقتلون حتى الطفل والمرأة والمعوقين. هؤلاء يقاطعون ويحاربون الانتخابات لكونهم أصلا ضد الديمقراطية والانتخابات الحرة، ولا يرضون بغير عودة النظام الفاشي، او قيام حكم "إسلامي" طالباني من فصيلة إمارة الطالبان المنهارة في الفلوجة
4 ـ إن كل تأجيل سوف يستدعي حتما طلبات تأجيل جديدة ولحين ضمان حصة كبرى لفلول صدام في المجلس الوطني والحكومة القادمة. وهنا نتساءل عن هوية هذه العناصر التي يتفاوض معها في عمان الأستاذ وزير الخارجية، مع أننا نعلم جميعا أن الأردن يأوي عددا من كبار شركاء صدام والعديد من رجال مخابراته، ناهيكم عن بناته. فمن هؤلاء الذين يجري الحوار معهم ؟ ولماذا لا تمارس الحكومة سياسة شفافة أمام العراقيين في مثل هذه القضية الحساسة والمهمة؟!
5 ـ إن التأجيل سيكون مكافأة لقوى الإرهاب التي هددت في العديد من البيانات بمواجهة العملية الانتخابية بالعنف والتفجير والاغتيال. إنه سيكون مكافأة لهم وسيفسر بالضعف مما يغري هذه القوى الشريرة على مواصلة الابتزاز والضغط العنفي لنسف العملية الانتخابية كلها ما لم تسر الأمور كما تريد هي. والغريب أننا لن نسمع عن مواقف لبعض طالبي التأجيل حول جرائم المسلحين الدمويين في الفلوجة واللطيفية وغيرها، في حين سوف نبدو ضعفاء أمام المجرمين لو وقع التأجيل. لا يمكن ان تكون الانتخابات القادمة ديمقراطية تماما، ولكنها ستكون ممارسة الشعب ولأول مرة لحق أولي كبير من حقوقه الديمقراطية. إن الذين يقاطعون لم يجبرهم أحد على المقاطعة حتى يذهب القادة الوطنيون والمسؤولون الحكوميون للتوسل بهم وبوس اللحى بأمل إقناعهم، بينما هم يمارسون الجريمة ويمدونها من الداخل والخارج بكل وسائل الدعم المالي والدعائي والدبلوماسي.

نحن نعرف أن أنظمة وأوساطا عربية عديدة تعمل على إشراك الصداميين في مراكز المسؤولية القيادية في السلطة، وأن نزعات طائفية تحرك بعض الحكومات فتدفع بساسة عراقيين لهم علاقات خاصة بتلك الحكومات للمطالبة بالتأجيل، وربما سيطرحون تدريجيا شروطا جديدة. ولا أستبعد شخصيا احتمال الطعن في أية نتائج انتخابات تجري سواء في يناير أو بعده ما لم تكن النتائج مرضية لتلك الأنظمة والأوساط وإن كان ذلك على حساب مصالح الشعب والمسار الديمقراطي.

يبدو لي مع الأسف الشديد أن تفكير بعض المراجع السياسية العراقية بحساباتها الانتخابية هو الطاغي، والمنطلق! ولكن التأجيل، وبالظروف والحيثيات المارة، سوف يصيب بالضرر كافة القوى الوطنية التي تعمل من اجل الشعب ولا تتأثر بمصالح وحسابات خارجية إيرانية كانت ، أو خليجية، أو سورية، أو تركية. إن تأجيل الانتخابات بعد كل التهيئة والبيانات والتصريحات عن موعدها، والذي ثبته شرم الشيخ، موقف بالغ الضرر وسيكون حالنا كمن يعتبر الانتخابات مجرد لعبة نعبث بها لا عملية جادة.

المطلوب إجراء الانتخابات في موعدها، وهزم دعاة التهديد والابتزاز من الإرهابيين ودعاتهم خارج العراق وداخله، وأن تعمل الأطراف الوطنية والحكومة بجد ونزاهة وتجرد لضمان نجاح العملية وإبعادها عن التأثير الخارجي الإقليمي، وعن الحسابات الطائفية. إن وجود مقاطعة للانتخابات او امتناع عن المشاركة لن ينفيان شرعيتها. وكما ذكرنا مرارا وذكر غيرنا، فإن المشاركة الانتخابية في دول ديمقراطية كبرى، ومنها فرنسا، لا تتجاوز أحيانا السبعين بالمائة ممن لهم حق الاقتراع. كما أن دولا تجري على جزء من أراضيها أعمال إرهابية واضطرابات نظمت انتخاباتها مرارا ولم يطعن أحد في شرعية نتائجها. ويذكّرنا صديق العراقيين الكاتب أمير طاهري كيف كانت الهند وإندونيسيا تجريان الانتخابات مع أن أجزاء من أراضيهما كانت تحت هيمنة العنف وقوى الإرهاب. ويكتب طاهري في آخر مقال له عن انتخاباتنا:

" من واجب العراق وأصدقائه أن يتحلوا بأعلى درجات الحذر والحيطة من محاولات بعض الدول للتأثير على نتائج الانتخابات. وعلى سبيل المثال، فإن إيران تحول مبالغ ضخمة لعدد كبير من الأحزاب التي تدعو إلى الصيغة الطائفية. كما تقوم سوريا بدعم مجموعتين على الأقل من البعثيين، بينما تستثمر تركيا بصورة مكشوفة في إثنية التركمان، فيما تقوم بعض الدول العربية في محيط العراق بإرسال المبالغ إلى الجماعات الأصولية السنية المتطرفة. وأخيرا وليس آخرا فإن أحزاب السلطة الانتقالية تستخدم الأموال العامة، وهي في كثير من الأحيان أميركية، للخروخ بصيغة عراقية من الانتخابات القائمة برشوة الناخبين. يضاف إلى ذلك أن انتخابات العراق الأولى، الحرة، والنزيهة، تواجه معارضة داخلية وخارجية، من كل أولئك الذين لا يرغبون، ولمختلف الأسباب التي تخصهم، في رؤية عراق ديمقراطي. والطريقة الوحيدة لهزيمة هذا التحالف هي العمل على جعل انتخابات يناير حرة ونزيهة، وأن يراها الشعب العراقي نفسه على تلك الصورة."[ الشرق الأوسط عدد 26نوفمبر 2004 ]

أجل، الانتخابات الأولى لن تكون مثالية ولا تستكمل الديمقراطية ولكنها ستكون مدرسة سياسية، وثقافية، وعملية، كبيرة للمواطنين، وتجربة هامة ذات نتائج إيجابية بعيدة الأثر، كما وقع للشعب الأفغاني مؤخرا. كما ستكون تقوية لمعنوية الشعب، وضربة لقوى الإرهاب من مختلف الفصائل والنحل والمصادر!