قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك



في البدء، أرجو أن لا تفهم كلمتي هذه أني أنزع إلى تعصب بلداني، يجعل أهل العراق ملائكة ليس بينهم نفاق وشقاق، فلا أنزع إلى جعلهم ملائكة فوق مصاف الشعوب الأخرى، لا يجوز ثلبهم أو الإشارة إليهم بسوء، كذلك لا أنزع إلى التقليل من شأن شعوب عربية تثقفنا لأدبائهم وتعلمنا من باحثيهم ومؤرخيهم، وتنعمنا بجزيل شعر شعرائهم، وطربنا لمغنيهم، وسمعنا منهم كلمة الحق بوجه مَنْ ظلمنا، فمِن البؤس والتجاوز بمكان أن نمزج الغث بالسمين. لكني أحاول في كلمتي هذه تصحيح معلومة لا أعني جوهرها بقدر ما أعني ما شاع حولهم، وما تسرب منها من ذم شعب وتاريخ هو الشعب العراقي والتاريخ العراقي. وجدت من حقي التساؤل: لماذا يذاع ذم العراق ويستر ذم غيره من البلاد، لماذا يحكم علينا بأبدية النفاق والشقاق، على لسان علي بن أبي طالب أو الحجاج بن يوسف الثقفي، وهي صفة لا يخلو منها شعب من الشعوب؟ هل هي مشروع ثقافي يتوجه به محامو صدام حسين ليرافعون في قاعة المحكمة أننا مزورون وصدام وزبانيته هم أهل الرافدين، وأننا أهل شقاق ونفاق والقتلة وحدهم هو أهل الحق أو الفرقة الناجية؟ قالها أحد الفلسطينيين لنا وجهاً لوجه، وهو أستاذ جامعي: أرجو أن لا تغفلون قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فيكم، أنتم أهل شقاق ونفاق! لذا لا ينفع معكم غير حجاج مبير! وقتها قلت إذا نحن كنا هكذا فمَنْ بعث لعلي أن يتخذ عاصمته بكوفتنا؟
السائر على ألسن الناس، من عراقيين وعرب، أن علياً بن أبي طالب هو قائل القول الشهير "يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق". لكن كم من هؤلاء تقصى الأمر وفتح نهج البلاغة، أو عاين حوادث التاريخ كي يتأكد من صحة نسبة القول؟ متى وبأي مناسبة، ومَنْ هم الذين خاطبهم علي بن أبي طالب، هل هم أهل العراق أم قبائل الفتح العربي، وهنا يختلف الأمر كثيراً، فعلي لم يجد بين هذه القبائل مَنْ يبعثه وسيطاً صادقاً مع الخوارج غير عراقي يهودي، قال المسعودي: "رجلاً من يهود السّواد"، لذا كل ما ذم علي به العراقيين يقصد الفاتحين من قاطني العراق، لا يقصد العراقيين الأصليين من عرب، سكنة الأنبار والحيرة، وسريان وكلدان وعبارنيين وأقوام أخرى.
بعدها شاعت نسبة العبارة إلى نقيضين هما علي بن أبي طالب، والحجاج بن يوسف الثقفي، وظلت تتردد كثيراً على مسامع العراقيين، وفسر رميهم بها لسوء طبائعهم، وظهور قرن الشيطان في بلاد النهرين، ولتصديق ذلك وضعت أحاديث نبوية لذم أهل هذه البلاد، بينما فسر قولها عراقيون مثل ابن بحر الجاحظ وابن أبي حديد بالعقل الثاقب الذي لا يستكين لخليفة وأمير. ولتكرار عبارة النفاق والشقاق على المسامع صدقها العراقيون أنفسهم، حالهم في هذا مثل حال الأيزيديين منهم، لكثرة اسماعهم مسبة الشيطان ونسبهم إليه على أنهم عبدة شيطان اتخذوا التدابير ضد حرف الشين، مع أن العثمانيين أول مَنْ أشاعها عليهم، ودينهم لا يقر للشيطان بمنزلة، لكنهم مسالمون يتجنبون التحرش بالشر، ويا لالها من وداعة ومسالمة.
شأنهم شأن الشعوب الأخرى وردت في أهل العراق أحاديث المدح والذم، مثل: "أن إبراهيم عليه السلام همَّ يدعو عليهم، فأوحى الله تعالى إليه أن لا تفعل فأني جعلت خزائن علمي فيهم، وأسكنت الرحمة في قلوبهم". ومثل:"أن بها (أرض العراق) قرن الشيطان، وتهيج الفتن، وان الجفاء بالمشرق"(ابن الجوزي، مناقب بغداد). ومن الغرابة بمكان أن عالماً من ولادات بغداد بمنزلة محمد بهجة الأثري عدّ أحاديث مديح أهل العراق من الموضوعات، بينما عدَّ أحاديث ذمهم من الموثقات! ولا ندري ماهو معياره ف التمييز بين الموضوع والصحيح من الأحاديث، بينما يرى ابن قيم الجوزية في كتابه "المنار المنيف" كل ما ورد في مدح وذم البلدان والشعوب حديثاً موضوعاً.
افترق أهل المعرفة تجاه العراقيين إلى فريقين، نسب المحبون "يا أهل العراق أهل الشقاق والنفاق" إلى الأمير الدموي الحجاج، بينما نسبها المبغضون إلى الإمام علي ذلك لتأصيلها وتعميمها بل وتقديسها، فالعراقي حباً بعلي يرضى بهذا الوصف المشين. أما الخليفة الطارئ عبد الله بن الزبير وهو قائلها الحقيقي فلا أحد يذكره، فهو لا كعلي شريف لا تأخذه في الحق لومة لائم، ولا كالحجاج سفاك دماء، والمنزلة بين المنزلتين ليست منزلة! وكي لا يختم العراقيون بخاتم الشقاق والنفاق في كل الدهور نتحرى أصل العبارة.
ذم علي أهل البصرة، بسبب حرب الجمل، وذم العراقيين لأنهم تقاعسوا عن القتال وتكذيبهم إياه قياساً بحماس أهل الشام للقتال وتصديقهم لمعاوية، ولم يصفهم على العموم بأهل الشقاق والنفاق. وخص أهل البصرة بعبارة: "عهدكم شقاق ودينكم نفاق"، ومعروف كانت قبائل العرب التي سكنت البصرة بعد الفتح عثمانية وأموية الهوى. وورد اسم العراق في خطب علي بن أبي طالب أربع مرات، واحدة ينتقد فيها قريبه الزبير بن العوام، والثانية شبه العراقيين في جيشه بالمرأة الحامل، والثالثة وصف بني إسرائيل وأربابهم من قياصرة وأكاسرة واجتيازهم لبحر العراق، والرابعة وردت مدحاً لا ذماً "ليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة" (نهج البلاغة).
لكن لماذا تحفظ عبارة الإمام علي وتصاغ منها مقالة: "يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق"، ويغفل ذمه لقريش في أكثر من مرة، منها: "فدع عنك قريشاً وتركاضهم في الضلال وتجوالهم في الشقاق"؟ ومنها "حتى قالت قريش: ابن أبي طالب شجاع ولكن لا علم له بالحرب. لله أبرهم! هل منهم أحد أشد لها مراساً وأطول تجربة مني! لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين فهأنا الآن على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع"(نهج البلاغة، عيون الأخبار).
لقد وردت عبارة شقاق ونفاق أهل العراق أول ما وردت على لسان ابن الزبير أثر مقتل أخيه مصعب، واليه على العراق. ولكن مَنْ قتل مصعباً، العراقيون أم القرشيون بقيادة عبد الملك بن مروان؟ قال ابن الزبير: "ألا إن أهل العراق أهل الشقاق والنفاق باعوه (مصعب) بأقل ثمن كانوا يأخذونه به"(ابن قتيبة، عيون الأخبار).
أما الحجاج فقالها بعد أن تناقل العراقيون نبأ وفاته، وهو في الحياة: "إن طائفة من أهل العراق، أهل الشقاق والنفاق، نزع الشيطان بينهم، فقالوا مات الحجاج! فَمْه! وهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت!"(عيون الأخبار)، والحجاج كما نعلم كان متديناً كثير قراءة القرآن والصلاة لكنه دموي، ليس له في الميسر والخمر والأزلام شغف، لكن هل يدخل الجنة مَنْ يكثر الصلاة وقراءة القرآن ويعبث بدماء الناس، ويتقرب إلى الله بها على شاكلة إرهابيي اليوم؟ ومع ذلك لم يعمم الحجاج بكلمته كل أهل العراق بل قال طائفة، فلماذا تعممها الأقلام والألسن من بعده؟ فحسب ما نرى أن واضعي التاريخ وصائغي البلاغة العربية حرفوا الكلام، وكأن هناك حقد دفين على أهل هذا البلد، يظهر اليوم بوضوح بأرتال الإنتحاريين وخزائن المتفجرات عبر الجوار.
لا يرى الجاحظ في عصيان العراقيين شقاقاً ونفاقاً، قال: "أهل العراق أهل نظر وذوو فطن ثاقبة، ومع الفطنة والنظر يكون التنقيب والبحث، ومع التنقيب والبحث يكون الطعن والقدح، والترجيح بين الرجال، والتمييز بين الرؤساء، وإظهار عيوب الأمراء"(شرح نهج البلاغة). وهذا ما حفظه الشيخ محمد رضا الشبيبي وردَ به على عميد الأدب العربي طه حسين عندما سأله، وهو يحضر جلسات المجمع العلمي المصري بعد وفاة الأب أنستاس الكرملي بالقول: "لماذا كان العراقيون دائماً ثائرين لا يستقرون على حال، ولا يرتضون حاكماً؟ فقد قرأت في تاريخ العراق منذ الفتح الإسلامي حتى الآن، وقلما وجدت حقبة خالية من الفتن والقلائل"؟ أجابه الشبيبي بسؤال أغاض طه حسين، قال: "أتسمح أن أسألك أنا أيضاً؟ لماذا كان المصريون دائماً خانعين خاضعين؟ لقد قرأت تاريخ مصر منذ الفتح الإسلامي وقبله أيضاً، فوجدت المصريين دائماً يسترضون حكامهم مهما جاروا وطغوا، ويخفضون الهام لكا متحكم فيهم حتى لشجرة الدر"(أعلام الأدب في العراق الحديث). لا يفهم من جواب الشيخ الشبيبي أن العراقيين خصماء للمصريين، لكن المطلع على الأمور سيجد وجه الخصومة واضحاً لارتباط مصر عبد الناصر بأحداث العراق الدموية وتأجيج الشقاق في المجتمع العراق بشعارات الوحدة التي لم تتحقق، لذلك قال الشبيبي لأمين هويدي، وهو بمثابة المندوب السامي المصري ببغداد: "بلغ الرئيس عبد الناصر أن لا يغره كلام عبد السلام عارف، فالعراقيون عازفون عن الوحدة بالرغم من حبهم لمصر واعترافهم بمكانة الصدارة التي تتبوأها في مجتمع الدول العربية"(نفسه). نعم، كان عبد السلام عارف والبعثيون أول العازفين عن الوحدة، التي ذبحتنا بشعراتها من الوريد إلى الوريد!
يوصف المصريون وباقي العرب العراقيين بأهل شقاق ونفاق، وأهل ثورات ولا يناسبهم سوى الحجاج بن يوسف الثقفي ثم ذليل الحفرة، لكن هل العراقيون تقاتلوا في حرب الجمل بالبصرة أم الحرب كانت بين الفاتحين أنفسهم من القبائل العربية، وهل الحجاج وزياد بن أبيه وخالد بن عبد الله القسري وغيرهم من الحكام الدمويين كانوا عراقيين؟ ومَنْ إغتال علي بن أبي طالب، ومَنْ ذبح الحسين بن علي، ومَنْ صلب جثة زيد بن علي لمدة عام، ومَنْ نبش قبور الأمويين، وأطلق على نفسه لقب السفاح؟ هل قام عرب أهل العراق، من سكنة الحيرة والأنبار بهذه الأفعال الشنيعة، ولطخوا وجه التاريخ بالدم أم العرب القادمون مع الفتح؟ من قبائل قريش ومذحج وربيعة.
في مؤتمر خاص بأوضاع اليمن أقتربت من أمين هويدي، سفير مصر بالعراق ووزير الدفاع ورئيس المخابرات المصرية، وسألته: مَن أدخل عشرين ألف رشاش بور سعيد إلى العراق، ووضعها بيد البعثيين، فقتلت حتى من حامليها لأنهم صبية لا يجدون استعمالها؟ قال لي بالحرف الواحد: أنا! قلت له كيف أدخلتها أنت؟ قال محتداً: أدخلناها من مصر للقضاء على الأكراد! ثم أردف بالقول: لا لم أقصد الأكراد وإنما التمرد الكردي، لكننا أخبرنا حازم جواد أن الرئيس عبد الناصر زعل (أكتير) لما عرف أنها استخدمت ضد العراقيين. السؤال مَنْ ساعد الشقاق والنفاق بالعراق بالأمس ومَنْ يساعده اليوم غير المحيط العربي، فكيف أتفق عبد الناصر مع أمريكا ضد عبد الكريم قاسم، وكيف أتفق أن يزود عبد الناصر البعثيين ببور سعيد، ويعلن الشواف من إذاعته بالموصل "هنا صوت الجمهورية العربية المتحدة" بينما تهجز المخابرات الأمريكية البعثيين بالأسماء المراد تصفيتها؟
بعد هذا نؤكد أن في صياغة العبارة "يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق" شيئاً من التحامل، وإلا لماذا يغفل ثلب علي لقريش وإذاءهم له بينما يؤكد ثلبه للعراقيين ويضاف إليه ليصبح مقولة تاريخية شأنها شأن آية أو حديث أو وصية مقدسة؟ .وأي كان القائل، إمام أو خليفة أو أمير فهي لحظة غضب لا تستحق التأبيد على مدى الدهور، وأن نرجم بها صباح مساء.


[email protected]