قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

هناك تشابه كبير بين الحالة العراقية، حينما عُين الدكتور اياد علاوي رئيسا للوزراء في يونيو الماضي، والوضع في روسيا عندما فاجئ الرئيس السابق بوريس يلتسين الراى العام في نهاية 1999بقراره بتعيين فلاديمير بوتين، رئيسا للحكومة الروسية0 وبدأ بوتين منذ تسنمه مقاليد الحكم بانتهاج سياسة مثيرة للجدل، من اجل اخذه زكام المبادرة والسيطرة على الوضع، والتحرك ببراعة وتوظيف القانون، لتصفية مصادر الخطر وبؤر التوتر، سيطلق عليها فيما بعد "البوتينية"، ومسميات اخرى،
وجاء بوتين الذي انتخب في عام 2000 رئيسا للاتحاد الروسي، الى البيت الابيض، ( مقر الحكومة الروسية) ومن ثم الكرملين، وروسيا مهددة كعراق اليوم، وتجابه تحديات امنية خطيرة، واقتصاد اقرب الى الموت منه الى الحياة، والمجتمع الروسي( كالعرقي حاليا) يعاني الانقسامات الحادة وتعددت مراكز صنع القرار والتاثير عليه، والحركة الشيشانية الانفصالية، فجرت الوضع في شمال القفقاز وغزت جمهورية داغستان المجاورة، على امل تثوير سكانها ضد الروس وتحقيق حلمها بالحصول على منفذ جغرافي الى العالم الخارجي واقامة الدولة الاسلامية في شمال القفقاز. ووقفت روسيا في نهاية عهد يلتسين على حافة التفكك، وتردت توقعات قوية بان مصيرها سيحاكي مصير الاتحاد السوفياتي السابق، ووصف حكام الاقاليم ال 82 الداخلة في الاتحاد الروسي بانهم " قياصرة صغار" في اقاليهم، لكل بطانته وفريقه وحتى قواته الامنية، وشرع كل منهم باملاء شروطه على المركزالمريض، مثل الرئيس يلتسين حينذاك، واستشرت الجريمة المنظمة في كافة مرافق الدولة، وسيطرت المافيا على مفاصل الاقتصاد، وتشكلت مراكز النفوذ والسلطة، وظهرت مجموعة الاولغارشية، وهي مجموعة من الشخصيات التي حصلت بطرق غير مشرعة بما في ذبك اقتراف الجريمة، بسرعة على ثروات ضخمة ، وسعت لاخضاع مؤسسات الدولة لمشيئتها من اجل ان تكون صمام امان لوصول قوى تطرح من جديد السؤال الخطر" من اين لكم هذا؟" او تطالب بتقاسم الخيرات والاموال.
ليس ثمة شك من ان الدكتور اياد علاوي جاء الى السلطة وهو يجابه مشاكل تتسم بمواصفات التحديات التي جابهت بوتين. فهاجس انفراط وحدة التراب العراقي قائم، والدلائل كلها تشير الى ان الحركة الكردية تضع تمهيدات للانفصال عندما تكون الاجواء مناسبة، والفصائل المسلحة تمارس الارهاب والقتل والجريمة لاحد لانتشارها ، والانفلات الامني في العراق في اوجه، وهناك مراكز تتوزع في انحا البلد تضاهي قوتها قوة السلطة، وتمارس سطوتها في المدن.
وبعد مرور اكثر من اربعة سنوات على حكم بوتين تلوح روسيا في صورة مختلفة تماما عن تلك التي كانت عليه حين لحظة وصوله للحكم. لقد انتهج بوتين سياسة هادئة وصاعدة ومتدرجة في سبيل تحقيق هذا الهدف، الذي جعله يظهر بمظهر الزعيم القوى، الذي يتمتع بشعبية واسعة، رغم كل السلبيات التي تنخر في الحياة الومية للمواطن الروسي. ويمكن للدكتور اياد علاوي، اواي زعيم عراقي سيحل مكانه، الاستفاد من تجربة بوتين في اعادة الوضع الى نصابه، و تحقيق النجاح على هذا الطريق ،مع الاخذ بنظر الاعتبار الزمان والمكان والخلفيات التاريخية والموضوعية للحالتين العراقية والروسية. لقد ادرك بوتين ان روسيا متعددة القوميات والاديان والطوائف، التي تخزن ذاكراتها الكثير من المظالم والدعاوى على بعضها الاخر، وبروز مراكز مال ونفوذ وسلطة موازية للمركز، يحتاج الى القبضة القوية، التي طالما حن لها سكان روسيا في عهد بوريس يلتسين. فالتجأ بذلك الى حلفاءه القدماء، والاقرب له في الروح والعقيدة. الى اجهزة الامن والقوات المسلحة ليكونوا سندا في مهمته العصية، فاطلق يدهم للتحرك بهدوء ودون ضجة على كافة المراكز التي تشكل تهديدا للسلطة المركزية. لقد كان مثل الجراح الذي يحتاج الى غرفة هادفة من اجل اجراء عملية جراحية عصية. وفي سبيل ذلك ومع شعوره بوجود دعم شعبي لخططه، فضحى بالعديد من الحلفاء، وعلى ان يكون هدفا للهجوم من مختلف القوى، التي راحت تكيل له تهم اثارة الحرب الشيشانية، والتضييق على الحريات العامة، وغيرها. وحينها وجه له السؤال الذي ترددت اصداءه في ارجاء العالم " من انت ايها السيد بوتين". وبوتين الان اصبح اكثر وضوحا، انه الزعيم الذي يفهم ان التحول بروسيا نحو منعطف الديمقراطية والسوق الحرة، ورغم ايمانه بهما ينبغي ان لايكون حادا ومفاجئا، وان ياخذ بنظر الاعتبار ذهنية الانسان الروسية وتركيبته النفسية وتقاليده. ولم ينجرف مع الموجات السابقة عليه التي عملت على حرق المراحل للوصول الى الحضارة الاوروبية وادماج سكانها ضمن " المليار الذهبي". وحافظ على العديد من الرموز التي تقتات عليها الذاكرة الروسية، فاحيا من جديد اعياد وتواريخ ارتبطت بها الذاكرة الجمعية لقطاعات واسعة من الشعب. وتبنى سياسة خارجية وداخلية واقعية، تعتمد على القدرات المتوفرة، وتنطلق مما هو موجود في ارض الواقع، والكف عن محاربة" الطواحين" وخوض المعارك الخاسرة. فحلربه اليسار بتهم التخلي عن مصالح روسيا، واليمين بتهم التراجع عن المنجزات الديمقراطية التي كانت في زمن سلفه.
وفي السياسة الداخلية اعتمد بوتين ما يسمى اليوم " بالديمقراطية الموجهة". ويلوح ان بوتين برى انها الاسلوب الانسب بدولة مثل روسيا التي لن تتعلم الديمقراطية بعد. فاخذ المركز على عاتقه تحديد القوى، التي يحق ان تنشط على الساحة السياسية. القوى التي لها امتداد حقيقي في الشارع. وتتحرك ادارة بوتين في انجاز كل تلك المهام بصورة هادئة، وتوظف القانون لها، حتى لاتبدو وكان هناك انتهاكات للشرعية. وبوتين يدعو الى حرية الكلمة، ولكن الحرية، برايه يجب ان تعطى الى الكلمة البناءة والمسؤولة، التي تخدم الهدف العام الذي يعلنه بتوفير حياة كريمة للمواطن الروسي ورفع مستويات المعيشة. وتعهد بوتين للاثرياء بعدم المساس بثرواتهم، رغم انه يعرف انهم حصلوا عليها بطرق غير شرعية، مقابل ان تحول جزء من الارباح الى الدولة على هيئة ضرائب، والى الخدمات الاجتماعية بتحسين ظروف العاملين في مؤسساتهم والمناطق التي ينشطون فيها، وان يكفوا من التدخل في صياغة قرار الدولة وتفريط بخيرات البلد لمصالحهم الشخصية، وكان اول من اخترق العقد مع بوتين رئيس شركة يوكوس ميخائيل خودوركوفسكي العملاقة، فصدر الامر القاسي بتجريده من ثرواته، وايضا بوسائل قانونية.
والحديث لايدور عن موقف من سياسة بوتين، فتلك مهمة ومجال اخر، وانما من المعادلة التي يمكن الخروج بها. ان دولا كالعراق ورسيا، لم تعرف في تاريخها الا الانظمة الشمولية والدكتاتوريات المستبدة، حقا بحاجة الى انظمة انسانية وشرعية وصنع الخطوات نحو بناء نظام ديمقراطي تصان فيه حريات الانسان، ولكن الوصول الى هذا الهدف النبيل غير ممكن بدون قبضة قوية تتمتع بروح انسانية، يكون تحركها في اطار القانون، يد يكون لها هيبة لدى المواطن، يد لاتمارس القوة بتعسف بل بمسؤولية. يد تحد من كل يسول لنفسه التجاوز على القانون والتحرك خارج اطاره، القانون الذي يحظى باعتراف ابناء البلد. وان يكون يكون هناك مركز قوى قادر على ادارة اللعبة السياسية في البلاد، من اجل خدمة المصالح الانية الماثلة، والهادفة الى توفير الامن والحياة الكريمة للانسان في خطوة اولى نحو افاق ابعد.