قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

التفسير الجحاوي للتاريخ (2)

يقول د. عمارة (الحلقة 10 من سلسلة "الحروب الدينية والأديان السماوية") "إن الفتح الإسلامي لمصر جاءلإنقاذ المسيحيين فيها من ظلم المسيحيين الغربيين من الرومان وإعادة ممتلكاتهم وأديرتهم وإطلاق سراح أنبا مصر من السجن وإعادته إلى كرسيه على رأس الكنيسة المصرية.."
الذي يقرأ هذا الكلام يهيأ له أن قبط مصر اجتهدوا في إرسال الرسائل وكتابة المكاتيب طالبين نجدة العرب مما هم فيه. ولشدة إلحاحهم وكثرة لجاجتهم قررت دولة الخلافة، عملا بحقوق الجيرة والمحبة الأخوية والتضامن الإقليمي، أن تضحي بالغالي قبل الرخيص لتمد لهم يد المساعدة!!
وقبل مراجعة قصة الفتح لا بد من التأكيد على أن تناحر النصارى مع بعضهم هو أمر معروف، تختلط في أسبابه النزاعات العقيدية والنزعات الوطنية. ولعل ما يتردد في كتابات المؤرخين المسيحيين أمثال يوحنا النقيوسي يعطي فكرة عن عمق تأثير تلك الصراعات على الضمير العام، إذ يكرر أن ماحدث من هزائم ومصائب وإذلال على أيدي العرب فيما بعد كان من قبيل العقاب السماوي بسبب خيانة مباديء المسيحية واللجوء إلى العنف [إذ ليس عند الله محاباة].
من ناحية أخرى، يجب الحذر من المبالغة حول حقيقة ما حدث في مصر قبيل مجيء العرب، فقد قام الفرس بغزوها في 616 م وقتلوا كثيرين [...ولم يقدر القبط على إقامة بطرك لسبع سنين]. وبعد تولى هرقل الحكم في بيزنطة..[قاتَل الفرسَ فانتصر عليهم... وطردهم من مصر في 629م. ولما ارتاح (..) من عناء الحرب تفرغ لتحقيق العقائد الدينية التي كانت في أيامه محلا للنزاع وأخذ يجمع الجموع من العلماء ويعقد المحافل. وظهر (القبط) بديار مصر بعد انكماش...]. كان هرقل يعتقد أن تلك الخلافات الدينية الدقيقة لا تستدعي كل هذا التناحر، وأيده بعض بطاركة المشرق في جهوده التوفيقية. ثم قام بتعيين قيروس (الذي يطلق عليه العرب لقب "المقوقس") بطريركا مالكيا (يتبع مذهب الدولة) على مصر، وجعله "مندوبا ملكيا"، يحكم البلاد باستثناء الجيش حيث كان قواد المناطق يتبعون القسطنطينية مباشرة، وأوكل إليه مهمة تحقيق الوحدة المذهبية. وبعد محاولات لاستمالة القبط، لجأ قيرس إلى العنف. ثم رحل بنيامين (البطريرك القبطي الذي كان قد تولى في 623 وظل بعيدا عن كرسيه طوال فترة الاحتلال الفارسي) عن كرسيه بالاسكندرية، ليقيم في أديرة الصحراء الغربية وغيرها.

نعود إلى قصة الفتح، لنجد ما يلي بحسب ابن عبد الحكم وغيره:
[.. ولما كانت سنة ثمانية عشرة وَفَد عمرُ بن الخطاب الجابيةَ (بقرب دمشق)، قام إليه عمرو بن العاص وخلا به. فقال: "ياأمير المسلمين إئذن لي أن أسافر إلى مصر (أي ليفتحها)، وحرّضه عليها. وقال إنك أن فتحتها كانت قوة للمسلمين وعونا لهم وهي أكثر الأرض أموالا و(أهلها هم) أعجزهم على القتال والحرب"].
عمرو هذا هو الذي وصفه علي بن أبي طالب فيما بعد قائلا: "إن معاوية (الذي أصبح أول خلفاء بني أمية) وعمرواً ومن معهما ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرَفُ بهم منكم، قد صحبتهم أطفالا ثم رجالا فكانوا شر أطفال وشر رجال..".
[...فتخوف عمر بن الخطاب على المسلمين وكَرِه ذلك؛ فلم يزل عمرو بن العاص يُعَظّم أمرها (مصر) عند عمر ويخبره بحالها ويُهَون عليه فتحَها حتى ركن لذلك عمر، فعقد له أربعة آلاف رجل كلهم من (قبيلة) عك. (تساؤل: هل هم أصل "العكاكين" الذين يُعمّرون العالم العربي اليوم؟!). وقال عمر: سِر وأنا مُتَخيِّر الله (أي سأقوم باستخارة) في مسيرك، وسيأتي إليك كتابي مسرعا... فإن أدركك كتابي وأمرتُك فيه بالإنصراف عن مصر قبل أن تدخلها أو شيئا من أرضها فانصرِف (أي عُد)؛ وأن أنت دخلتها قبل أن يأتيك كتابي فامض لوجهك واستعن بالله واستنصره"].
[فسار عمرو من جوف الليل ولم يشعر به أحد من الناس (ربما يعني أنه لم يُضَيـِّع وقتا خوفا من أن يرجع عمر عن رأيه). واستخار عمر الله... وكره ذلك (أي فكرة الغزو) فكتب إلى عمرو بن العاص أن ينصرف بمن معه من المسلمين (أي يوقف الغزو ويعود). فأدرك الكتابُ عمرواً وهو برفح فتخوف إن هو أخذ الكتاب وفتحه أن يجد فيه الإنصراف كما عهد إليه عمر، فلم يأخذ الكتاب من الرسول ودافعه. وسار كما هو حتى نزل قرية فيما بين رفح والعريش فسأل عنها فقيل إنها من مصر، فدعا بالكتاب فقرأه على المسلمين..] وأخبرهم بما قاله له الخليفة قبل ذلك...
إذن لا نجد في هذه القصة، ولا في غيرها، أثرا لكون الأمر يتعلق بتخليص النصارى من عسف البيزنطيين. بل ليس فيها حتى ما يدل على أن فتح مصر بغرض نشر الدين الجديد كان عندئذ من الأولويات المطروحة! كما يبدو أن السماء لم تكن راضية عن الفتح، كما تبين قصة استخارة عمر! لكن عمرواً، الذي سبق أن زار مصر في قوافل التجارة وعرف أحوالها، حرّض الخليفة ثم وضعه أخيرا أمام الأمر الواقع، عندما تحايل بعدم فتح رسالته حتى دخل تخوم مصر!
على أي حال، بعد أن أصبح عمرو والياً عى مصر [.. ضرب على أهلها الجزية (...) وبالغ في إرهاب الناس وإذلالهم وجمع ما عندهم من الأموال الكنوز...].
هذا هو مربط الفرس. ليس إعادة الحرية الدينية أو إنقاذ أحد من ظلم آخرين، بل إرهاب الناس وإذلالهم وجمع ما عندهم من أموال. [..واشتد عمرو بن العاص في إحصاء أهل البلاد وتقدير الجزية عليهم فكان يحبس منها ما يحتاج إليه ويبعث إلى عمر بن الخطاب ما تبقى منها...]
وبرغم هذا يبدو أن الخليفة لم يكن راضيا عن مقدار ما يصله من أموال، فكتب إلى عمرو رسالة يؤنبه فيها، بل يتهمه، بصورة ليست خافية، بالتلاعب في خراج مصر...
وردّ عمرو: ["...فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين الذي استبطأني فيه من الخراج والذي ذكر فيها من عمل الفراعنة قبلي وإعجابه من خراجها على أيديهم ونقص ذلك منها مذ كان الإسلام، ولعمري الخراج يومئذ أوفر وأكثر والأرض أعمر لأنهم كانوا على كفرهم وعتوهم أرغب في عمارة أرضهم منا مذ كان الإسلام. وذكرتَ أن النهر يخرج الدر فحلبتُها حلبا قَطَع درها، وأكثرتَ في كتابك وأنّبت وعرّضت وثربتَ، وعلمتُ أن ذلك عن شيء تخفيه على غير خبر فجئتَ لعمري بالمقطعات المقذعات. (..) لقد عَمِلنا لرسول الله (ص) ولمن بعده فكنا بحمد الله مؤدين لأمانتنا حافظين لما عظم الله من حق أئمتنا، نرى غيرَ ذلك قبيحا والعملَ به شيِّنا، فتعرف ذلك لنا ونصدق فيه قلبنا معاذ الله من تلك الطعم ومن شر الشيم والاجتراء على كل مأثم. فامض عملك فإن الله نزّهني عن تلك الطعم الدنية والرغبة فيها بعد كتابك الذي لم تستبق فيه عرضا ولم تكرم فيه أخا؛ والله يابن الخطاب لأنا حين يراد ذلك مني أشد غضبا لنفسي ولها إنزاهاً وإكراما، وما عملتُ من عمل أري عليّ فيه تعللا ولكني حفظتُ ما لم تحفظَه، ولو كنت من يهود يثرب مازدت يغفر الله لك ولنا وسكت عن أشياء كنت بها عالما وكان اللسان بها مني ذلولا ولكن الله عظم من حقك مالا يجهل والسلام"].
ياله من أسلوب مليء بالغمز واللمز يخاطب به عمرو أميرَ المؤمنين!! على أي حال فقد أقر بوضوح أن الأقدمين برغم كفرهم كانوا أشد حرصا واهتماما على عمارة مصر وأرضها من المسلمين.
وتوالت المراسلات "الشيقة" بينهما... ويبدو أن الخليفة لم يجد فائدة في مطالبته بزيادة الخراج، فتركه لحاله...يحلب البقرة على كيفه.
أما عن البطريرك بنيامين، فصحيح أن عمرواً أعطاه الأمان ليعود من مخبئه في الصحراء؛ ولكن هذا تم بعد ثلاث سنوات من سقوط الإسكندرية (أي في 644م)، وكان من قبيل "استمالة قلوب وعقول" المصريين (طبقا للتعبير الأمريكاني المعاصر!)، وهو ما يُحسب لذكاء عمرو....
وقد حدث بعد ذلك في عهد عثمان بن عفان، أنه عَيّن عبدَ الله بن سعد واليا على مصر مكان عمرو، وفي أيامِه [... جاء الروم إلى الاسكندرية محاولين استعادتها وتقدموا إلى وسط الدلتا... فأرسل عثمان عمرواً لقتالهم (بسبب معرفته السابقة بالبلاد).. فردهم عمرو (...) ولما هُزمت الروم، أراد عثمان أن يبقى عمرو في مصر ليكون على الحرب (أي قائدا للجيش) وعبد الله بن سعد على الخراج؛ فقال عمرو (قولته المشهورة): "أنا إذن كماسك البقرة بقرنيها وأخر يحلبها!" وأبَى أن يقبل (المنصب)].


***
ومن الغريب أن حوليات العرب بشأن فتح مصر، وهي التي تم تجميعها في القرن التاسع، يرد فيها بكثرة التساؤل عن: هل فُتحت "صلحا" (أي استسلمت بدون مقاومة) أم "عنوة" (أي أخضعت بالقوة).
والسؤال من ناحية المبدأ لم يكن ينبغي أن تكون له أهمية كبيرة. فمصر قد عرفت أثناء الغزو، كما سجل التاريخ، وكما هو الحال في معظم الغزوات، كل الأشكال: من التحارب والمذابح وأخذ الأسرى والنهب والسلب. وانتهى بمعاهدة صلح فرض فيها الغزاة شروطَهم على السكانِ الأصليين. وقد تم الصلح العام في 642م مع الاستسلام الأول للإسكندرية.
ولكن مجرد طرح التساؤل دليلٌ على أن الأمر لم يكن أمر "تحرير"، كما ينفي أكذوبة معاونة القبط للعرب على غزو مصر التي يرددها البعض. فالغالب أن معظم القبط، كما يقول بتلر، أخذوا في النهاية موقفا يميل "للحياد" بين العرب وجيش البيزنطيين.
على أي حال، لم يكن ذلك النقاش لدواعي الدقة والأمانة "التاريخية"، بل كان يجري في إطار تطبيق الشريعة؛ فبحسب ما كانت منطقة ما تعتبر مأخوذة عنوة بدون معاهدة، أو استسلمت بدون مقاومة كبيرة، كانت التبعات تختلف بشأن السكان وأولادهم وممتلكاتهم وبيوتهم وأراضيهم وكذلك نوع ومقدار الضرائب المفروضة الخ.
ويخصص ابن عبد الحكم فصلين كاملين في "فتوح مصر" للموضوع. ويبدو أن الإجابات التي أوردها على التساؤل كانت متناقضة بحسب المصدر، والرغبة في الحفاظ على حقوق معينة. فالأقباط مثلا يؤكدون أنها فُتحت صلحا، من أجل الدفاع عن الحقوق المكتسبة والمنصوص عليها في معاهدات الصلح؛ والعرب يؤكدون أنها فتحت عنوة، لتبرير نتائج "حق الغزو"، أي مزيد من النهب والسلب.
وقال ابن عبد الحكم: [.. أنبأنا (...) أن أبا حيان أيوب بن العالية حدثه عن أبيه أنه سمع عمرو بن العاص يقول: "لقد قعدتُ مقعدي هذا (أي على كرسي الولاية) وما لأحد من قبط مصر عهد ولا عقد ألا أهل أنطابولس (المدن الغربية الخمس)، فإن لهم عهدا يُوفَي به" (...) وزاد: "أن شئتُ قتلت، وأن شئتُ بعت". (وكأنها عزبة المرحوم والده). وأخرج عن ربيعة حفيد عمرو: قال: "فُتِحت مصر بغير عهد ولا عقد وأن عمر بن الخطاب حبس درها وصرها أن يخرج منه شيء نظرا للإسلام وأهله"...]
ويلخص القضاعي في "الخطط" قصة الفتح حتى يصل إلى [..وتكلموا في أمر الصلح فبعث عمرو بعبادة بن الصامت (..) فصالحه المقوقس على القبط والروم على أن للروم الخيار في الصلح إلى أن يأتي كتاب مَلِكُهُم... أما القبط فبغير خيار. قال: وكان الذي انعقد عليه الصلح أن فرض على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط دينارين عن كل نفس من البالغين شريفهم ووضيعهم دون الشيوخ والنساء والأطفال، على أن للمسلمين عليهم النزل والضيافة حيث نزلوا وضيافة ثلاثة أيام لكل من ينزل منهم، وأن لهم أرضهم وبلادهم لا يتعرضون في شيء منها أبد (...). قال الليث أقام عمرو بالاسكندرية في حصارها وفتحها ستة اشهر.. ولم يكن بها تخطيط (أي بدون توزيع) وإنما كانت أخائذ من أخذ منزلا نزل فيه هو وبنوه وبنو بنيه].
***
نكتفي بهذا القدر... لكن نجد من المثير للاهتمام أن خاتم عمرو بن العاص، وهو أقدم خاتم عثر عليه في العصر الإسلامي (كما ذكر الأستاذ دو بريمار، وقد وُجد مطبوعا على وثيقة تاريخها القبطي يعادل 8 يناير 643)، حفر عليه إسمه ورمزه الذي هو صورة " ثور ناطح". هذا الرمز، الذي لم يكن اختياره اعتباطا، يصلح بحق لأن يكون عنوانا لما جرى للكنانة، ولعلاقتها بدولة الخلافة لقرون طويلة....
وإلى مزيد من الملاحظات.

[email protected]