: آخر تحديث

بحب السيما إذا كانت بهذا الجمال

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

[ رأيت نسراً تربى مع الفراخ فصار مطأطئ الرأس لايستطيع الطيران والتحليق أصبح مجرد فرخة وفقد بهاءه وكبرياءه ..جملة حوار فى فيلم "بحب السيما " تلخص لنا مضمون الفيلم ودلالاته، فنحن نولد نسوراً ويجعلنا المجتمع مجرد فراخ، يدجننا ويكبتنا ويرسم لنا تفاصيل وملامح حياتنا فنصبح متشابهين مثل الغربان أو حبات الفاصوليا ونفقد تفردنا الجميل وتميزنا النبيل، ونكره السينما وأطيافها السحرية وهو فى الوقت ذاته كراهية للحرية والتمرد والإنطلاق والحياة.

[ نعيم عدلى بطل الفيلم طفل مسيحى فى السادسة من عمره يحب السينما لأنه يعشق الحرية، ولكن والده والذى يجسد دوره محمود حميده يحرم مشاهدة السينما فهو يفهم الدين على أنه معاداة للبهجة، وشعاره كلما كنت أكثر كآبة فأنت أكثر إيماناً، تدين الأب هو خوف أكثر منه حب، فزع أكثر منه حميمية، يمسك طفله نعيم ويخبره بأن رؤية السينما ستجعله يشوى فى جهنم لتطارده الديدان وتلتهم بقاياه وفتات جسده النتن، يصل الإبن بعد هذه الملحمة التهديدية واللعنات الأبدية إلى قناعة بأنه فى النار لامحالة ولأنه فى النار فمش حتفرق فى رأيه أن يمشى على صراط أبيه الذى يريده قسيساً أو يخرج عن قواعد الأوامر والنواهى والزواجر الدينية .

[الأم نعمات والتى تجسد دورها ليلى علوى إمرأة موظفة فى زمن الستينات وهو زمن الفيلم، كانت مشروع فنانة مبشرة، ولكن عندما لوحوا لها بالترقى للنظارة سال لعابها على الفور، وقررت هجر الفن وقلبت لوحاتها على ظهرها، كانت اللوحة القديمة التى تدفن وجهها فى الحائط الآن لموديلات عارية أما التجديد الذى فعلته وأعلنت عن نفسها به وظهر للجمهور فقد كان عبارة عن لوحات تقليدية سخيفة عن مناظر طبيعية للنخيل والنيل تقلد فيها السائد كرسومات أطفال الإعدادية الذين يرسمون مايريده المدرس والوزارة وليس مايرغبه القلب الصغير والعقل البرئ المندهش، وعندما يزورها مفتش التربية الفنية المتمرد الذى يرفض تحويل حصص التربية الفنية إلى حصص علوم ولغة عربية ترد عليه بأن الرسم مادة غير أساسية، تخون ماضيها وتراوغ ضميرها لتصبح ناظرة كل دورها أن تنظم الطابور وتشكر سباك المدرسة على حسن إصلاحه للمراحيض

[ الطفل نعيم هو عينان نهمتان لاتشبعان برغم النظارة السميكة التى يجبره عليها الأب، ينتهز أى فرصة ليخلع ثيابه الثقيلة التى تكبله ومعها النظارة حتى يستطيع مشاهدة اللعبة التى يرى فيها سلايدز وشرائح السينما وهى تتوالى فى عجلة سحرية تشده إلى عالم الألوان والخيال، يعشق الخروج على السائد ويهوى السير على الطرق غير المعبدة، المقالب هى زاده اليومى التى يخلع بها الجاكت الجبس الذى يخنقه، فهو يلقى بالمياه على فريسته من الرجال الصلع فى الشارع، ويتبول على من يرفضهم وكأنه يعلن رأيه للجميع، يفرغ مثانته فيهم فى سرادق العزاء لأنهم مهرجون يدعون الحزن وهم غارقون فى أتفه تفاصيل حياتهم، يتحدى ويرفض ويصر على دخول السينما ليحكى لأصدقائه عن فريد شوقى وخناقاته وهند رستم وأنوثتها الطاغية، ينتهز أى فرصة للضغط، تارة على خالته التى يضبطها فى وضع مخل مع خطيبها فترضخ له حتى لايفشى السر فتدخله السينما، وتارة على خاله بالإلحاح فيتيح له دخول عالم الفن السابع الغامض المحبب، وفى مشهد بديع يتخيل الطفل أن السينما هى الجنة وأن عامل التذاكر هو رضوان وعمال الصالة هم الملائكة المجنحون ومن المؤكد أن الطفل نعيم هو ساكن هذه الجنة التى لايريد أن يبرحها .

[ بحب السيما هى بحب الحياة، الحياة التى نتخيل أننا نحياها ونحن بالفعل نتماس معها ولاندخل دائرتها أبداً، نحن نعيش ولانحيا، العيش بمعناه البيولوجى من أكل وشرب وتناسل، لكن الحياة نفسها أظن أننا نولد ونموت بدون أن نرتشف ولو قطرة من عسلها الصافى، نحن نرتدى فى حياتنا أقنعة طوال الوقت حتى يرضى عنا الآخرون ونصبح مواطنين صالحين فى طابور القطيع، نحن موظفون فى مؤسسة العيشة، نمثل أننا نحيا وأننا مختلفون ونحن فى الواقع فوتوكوبى سخيف ونسخة مملة فى صور متكررة، يقول الراوى فى الفيلم على لسان الطفل الذى يعاقب الطبيب بإلقاء مفاتيحه من النافذة " أنا بأكره الدكاترة، ومش بس الدكاترة أنا بأكره كل اللى فاكرين إنهم عارفين مصلحتنا أكتر مننا"، فللأسف يتم قمعنا وقهرنا بإسم الحفاظ علينا من الشطط لأننا مش عارفين مصلحتنا برغم أن هذا الشطط هو المغامرة صانعة التقدم، قانون الوصاية الأزلى الملعون الذى يعتبرنا مجرد أطفال بلهاء لم نصل الفطام بعد، يقدم الفيلم نماذج معبرة منهم، فيهم المدرس الذى لاهم له إلا العقاب والضرب والترهيب، والذى يحول العملية التعليمية من شحن العقول إلى عملية أشبه بملء الزكايب، والطبيب الجشع الذى يفهم الطب على أنه علاج قلب وكبد وطحال لا علاج إنسان وبنى آدم، ورجل الدين الذى يترصد ويتربص بأى مظهر للبهجة حتى ولو كان مجرد تليفزيون فهو فى نظره خطيئة، كل هؤلاء وغيرهم جعلوا منا عرائس ماريونيت بلا أى شخصية أو إرادة، جعلوا عدلى يحس بالذنب فى ممارساته الحميمة مع زوجته لأنه للأسف إستمتع والمتعة خطيئة والحياة المتبتلة هى التى ستفوز برغم أنه يعلم تماماً أن تدينه نفعى فهو يتمنى أن يمارس الخطايا طوال حياته ثم يتوب على آخر لحظة ولكن مشكلته تكمن فى سؤال واحد ماهى هذه الآخر لحظة ؟ومن يضمن له أن يموت بعدها ؟، الكل يؤجل إبتهاجه طمعاً فى الفردوس، حتى نعمات تهجر الفن خوفاً من الخطيئة فتقع فيها، وأخوها يعيد الثانوية العامة ليدخل فنون جميلة ويقف النظام العبثى الذى يسمونه المجموع فى وجهه فيهاجر ويترك الوطن الذى يقهره بإسم المجموع، الكل يؤجل أحلامه إلا الطفل نعيم هو الذى يصر على أن يحيا بالصورة التى يريدها وليس كما يرسمها له الآخرون، هذه الحياة السابقة التجهيز يرفضها، يتحدى هذا الكتالوج الحياتى الجاهز والباترون الفورى الذى ماعلى الإنسان إلا أن يدخل فيه وهو سيضبط مقاساته ويضغطها حسب الطلب، وعندما تتهم السلطة الأب بأنه خارج على النظام وتهدر إنسانيته وتسحق كرامته، هنا فقط يحس بأن فى الدنيا جانباً كان عليه أن يفطن إليه، وأن الحياة جديرة بأن تعاش، وأن القهر هو أقسى مافى الوجود، فيصبح أرق وأكثر مرونة ويسمح لإبنه بأن يدخل السينما، ويسمح لزوجته بالتصييف والبلاج، ويسمح لنفسه بأن يمارس معها اللذة التى حرمها على نفسه من قبل برغم تحذيرات الأطباء، وبعد أن قفز عدلى من فوق سور الدين العظيم مات تشيعه شمس الغروب الآفلة وصوت عبد الناصر وهو يتنحى، وتنشرخ الأسرة كزجاج أصابه سرطان، فتطلق الخالة ويهاجر الخال ويموت الجد وتتحول الأم إلى جلاد، ويعطى الطفل ظهره لكل هذا العبث ويغرق فى مشاهدة فاصل كوميدى فى التليفزيون وخلفه الكل ينوح على حاضر ومستقبل الأسرة

[ خرجت من الفيلم وأنا أقول أحب السيما إذا كانت بمثل هذا الجمال، وأحب الحياة وأثق فى المستقبل إذا كان فيه مثل د.جابر عصفور بإستنارته التى جعلته لايخشى تمرير هذه التحفة الفنية، والمخرج المبدع أسامة فوزى الذى حارب أربع سنوات من أجل فيلمه وذكرنا بقيمة غائبة عن حياتنا وهى قيمة الإجادة، والسيناريست الموهوب هانى فوزى والمنتجة الجريئة إسعاد يونس والموزع الفنان محمد العدل، ومجنون التمثيل محمود حميدة والرائعة ليلى علوى والطفل العبقرى يوسف عثمان وغول الأداء عايده عبد العزيز، وكل كتيبة الفيلم الجريئة المقتحمة، هذه ليست تحية تقليدية كتحية ومجاملة الكابتن محمد لطيف لرجال الأمن، ولكنها فرحة حقيقية بفيلم يجعلنا نحب الحياة ونلعن القمع تحت أى عنوان ونرفض القهر بأى مبرر ونثق فى أننا نملك الأفضل ولكن لنرفع الوصاية ونخلع الأقنعة ونحيا بجد.

nbsp; [email protected]
nbsp;

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.