يواجه المثقفون والنقاد العرب، أزمة تعتبر "نفسية" فيما بينهم وبين اوساطهم، وتتمثل تلك الأزمة بحسب ما يزعم الغالبية العظمى من المثقفين باختفاء المثقف العقلاني الحقيقي، وظهور حملة ما يسمّون بالطبقة المثقفة في العالم العربي، حيث اصبح المثقف العربي هو الشخص صاحب الفكرة التي توائم الطرح إما الإقليمي وإما العالمي، أما المثقف على المستوى المحلي فقد أصبح في المجتمعات العربية المنفتحة يسترعي اهتمام الحكومات، بحيث أصبح هؤلاء المثقفين المحليين، إعلاميين لهم برامجهم المختلفة على التفلزيونات الوطنية أو الفضائيات كل حسب ثقافته المعروف بها.
ولعل المتتبع لظروف المثقف العربي لوجد ذلك أمراً واقعياً يقع تحت دائرة الشمس في وضوح، وإذا أردنا أن نطرح مثالاً واقعياً نجد المثقف المصري سعد الدين ابراهيم، مثقفاً يرتقي إلى العالمية، ويعتبر من المثقفين العرب البارزين في وقتنا المعاصر، ولعلنا نجد أيضاً، أن غالبية ما يعتبروا مثقفين تلتقي معهم الصحافة العربية والعالمية هم من نفس المؤسسة التي ينتمي لها المثقف المصري سعد الدين ابراهيم، أما بالنسبة للمدارس الأخرى التي تختفي بها مظاهر العلاقة بمؤسسات أجنبية متعددة ومتعددة الجنسيات والطروحات من ناحية التمويل المادي المنطوي على تأدية الهدف والذي أنشات من أجله هذه المؤسسات الأجنبية وإلاّ لما كانت موجودة على الأرض وعلى الإطلاق!!.
إن ما قد يدفع الناظر إلى استغراب المثقفين العرب أو الشارع الثقافي العربي، يجد في التساؤل عن المثقف العربي الحقيقي سياسة منظمة لم يجر التداول في بحثها من حيث تنظيمها ودعمها على إقامة النشاطات المختلفة وفي غالبية الدول العربية، إذ لا يزال الاصطدام حاد ما بين أوساط الإعلاميين في أن يكون هناك دعم من قبل الحكومات لإتاحة رخصة إقامة تلك النشاطات الثقافية الأجنبية وبين دعم نشطائها المحليين الذين ارتقوا إلى مستوى العالمية كمثقفين عرب.
وهؤلاء المثقفين العرب، هم من يمثلون بالنهاية ثقافة المجتمع المدني "المفترضة"، أي ما يمثل بوجه شرعي وقانوني ودولي ثقافة الشعب والمجتمع ككل، الامر الذي لم تدركه المؤسسات الاجتماعية والثقافية الوطنية الأخرى التي تعمل على مستوى شعبي بسيط، والتي لم يتح لها المجال بعد في أن تعبّر عن كيانها كجزء من المجتمع المدني الذي تعبّر عنه، بمعنى أن هناك نتائج وحقائق غير واضحة ولم يعلن عنها بعد.
والأغرب من ذلك، أن الجمهور عامة بات مشتت الفكر فيما يتعلق بمفهوم "المجتمع المدني" نفسه، حيث تظهر مؤسسات اجتماعية بمستوى عالي لوجود الامكانيات، يحسب نجاحها بنجاحات الأفراد المميزين، ونجاحات المؤسسات الفقيرة الأخرى، وفي هذا تساؤل آخر حول مفهوم "الطبقية" ليس في النظرية الرأسمالية، بل في نظرية المجتمع المدني الذي يدعو للديمقراطية ولا أحد أجاب عن ضرورة من هو الأسوأ؟!.
ولعل مما تقدم ظهور بعض عبارات الهجوم على فئة معينة من مجتمع المثقفين، لكنها نظرة الحيادية، إذا ما أردنا أن ننظر إلى الوجه الآخر من المطروح، حيث يدعم المجتمع المدني بقوة، وتبنى له الأهمية في الاستمرار إلى أن وصل إلى مرحلة التنمية، ولا زال المراقبون في حيرة من أمرهم تجاه هذا المجتمع الذي تبدو بعض مؤسساته مغلقة على نفسها في الوقت الذي يجب فيه أن تكون متاحة ومفتوحة للجميع كونها مؤسسة مجتمع مدني، وأن تضع مقدراتها في خدمة المجتمع بشكل عملي وحقيقي ومؤثر.
من كل ما تقدم يظهر طرح موضوعي وحقيقي في مسألة الاستغراب عند المثقفين العرب، بل وعند الإعلاميين أيضا عندما يكتشفون غياب المثقف العربي في أكثر من تحقيق صحفي وفي أكثر من سؤال يحتاج إلى إجابة، وأصل الاستغراب في أن يكون من غير المنطقي أو العقلاني افتقاد المثقف العربي في القضايا الوطنية والتاريخية المحسوسة والحساسة، بينما يؤخذ على جانب العقل والإدراك تنمية المجتمع المدني الذي يحتاج أساساً ولو لمرة ثانية إلى تأسيس في العالم العربي، خاصة عندما يتعلق الأمر بوجود قضايا سياسية متأزمة مثل الاحتلال لأنه يحتاج إلى ثقافة مقاومة، ومثل استيراد الثقافة الغربية في الوقت الذي أصبح المنادون بالإرث يقلون يوما بعد يوم، مع أن المناداة في ثقافة الإرث أصبحت موضوعا متداولا للكتابة.
من الممكن إذا في هذا أن لا لوم على جيل يستغرب في أن تكون العقلانية بهذه الحال نابعة من اللاعقل واللاعقلانية؟!
[email protected]
- آخر تحديث :















التعليقات