قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

اكدت التقارير التى اصدرتها الصحف البريطانية فى اوائل الشهر الحالى ان خبراء اسلحة الدمار الشامل الامريكيون يتتبعون بدقه شديدة سبل انتشار تقنيات تصنيعها ويفتشون تسريباتها السرية عبر شبكة العلاقات العامه التى كان يديرها عالم الذرة الباكستانى عبد القادر خان – الذى اقصاه الرئيس برويز مشرف عن موقعه بعد ان اعترف بنقل معلومات ذات قيمة الى دول اجنبية – واشارت هذه التقارير الى احتمال حصول سوريا على تقنيات الطرد المركزى التى تجعل فى مقدورها القيام بتنقية اليورانيوم تمهيدا لصنع قنبلة نووية !!. وتعتمد هذه المعلومه على التشكيك فى صحة ما نقل عن عبد القادر خان وما اشارت اليه الملفات الليبية التى حصلت عليها واشنطن منذ بضعة اشهر انه ساعدها هى فقط وايران وكوريا الشمالية على امتلاك بعض المكونات الاساسية لهذه الصناعات بشرائها من السوق العالمية السوداء، والاعتقاد باتساع مجال هذه المساعدات لتشمل دولا اخرى مثل سوريا.
هذه المعلومه التى تحتمل الخطأ والصواب والتى تستخدمها الادارة الامريكية للضغط على دمشق تدفع بخبراء امريكا الى الاستعانة بنظرائهم الاوربيون للتأكد من صحتها وتوفير الادلة القوية عليها، وتجعلها تضرب عرض الحائط بكل دعاوى الدول العربية التى تطالب بمعاملة المعلومات المؤكدة بالصوت والصورة عن ترسانة اسرائيل النووية نفس المعاملة خاصة فى ضوء ما يشاع من مساهمتها القوية فى سوقها السوداء بيعا وشراءا.
يبرر جون لتون وكيل الخارجية الامريكية لشئون الحد من انتشار اسلحة الدمار الشامل اسباب اهتمام بلاده الزائد بالحد من انتشار هذه الاسلحة بان " عبد القادر كان على صلة قوية بعدد كبير من الدول ( الزبائن ) الراغبة فى امتلاك اسلحة نووية عن طريق التعامل عبر اروقة السوق العالمية السوداء لهذه التجارة ". هذه الخبرة الواسعة لعبد القادر خان بتجارة اسلحة الدمار الشامل المشبوهه – فى رأى المسئولين الامريكين – تسمح لسوريا بان تكون واحدة من زبائنه التى زارها فى اواخر عام 1990 وتسمح له ان يقابل خبرائها سرا فى ايران بعد ذلك، بالرغم من عدم الاشارة اليها هى والسعودية ومصر ضمن اعترافاته التى ادلى بها للرئيس الباكستانى.
تبنى واشنطن اهتمامها هذا على معلومات غير مؤكدة وعلى حق التفتيش فى خبايا البروفيسور عبد القادر خان الذى تعتقد عن يقين انه اخفى اتصالات بدول عربية قد يكون لديها برامج نووية، وتوفر حمايتها لاسرائيل التى تعد باعتراف الخبراء فى انحاء العالم الدولة الوحيدة فى الشرق الاوسط التى تعيش خارج حدود رقابة وصلاحيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ملف اسلحة الدمار الشامل السورى لدى واشنطن – مثله غيره من ملفات دول العالم الثالث – يحتوى برامج متواضعه لصنع عدد من الاسلحة الوقائية وليس فيه ما يدل على توافر تطلعات نووية، لكن ظلال الشك التى اصبحت تحيط بأبى القنبلة الذرية الباكستانية جعلت جهاز المخابرات الامريكى يعرض على الكونجرس مؤخرا تقريرا حول " تنامى الاهتمام السورى بامتلاك اسلحة نووية ". وبالرغم من ان فريقا من المتخصصين والخبراء فى النتاجون يرى ان هذا " الاهتمام المتنامى " لا يرقى الى مستوى البدء فى استخلاص اليورانيوم المخصب اللازم لصنع قنبلة نووية، الا ان هذه الرؤية لا تمنع من اصرار واشنطن على ضرورة ملاحقة شبكة علاقات عبد القادر خان العامه التى كشف النقاب عنها التعاون المستجد بين امريكا وباكستان وليبيا وعلى مداهمة سراديب السوق العالمية السوداء لعل اى منهما توفر ادلة ادانة النظام السورى.
ملف اسلحة الدمار الشامل الاسرائيلى معروف ليس على مستوى واشنطن فقط بل على مستوى العالم واسواقه البيضاء والسوداء.. معروف انه يتضمن الى جانب الاسلحة الكيميائية والبيولوجية اسلحة نووية تتعدى قدراتها التدميرية ما عدده مائتى رأس نووى يمكن اطلاقها من منصات ارضية ومن طائرات حربية.. اما طموحاتها المتنامية دوما والتى تعرف عنها اجهزة الامن والاستخبارات الامريكية والاوربية الكثير، فليس هناك خلاف او انقسام بين خبراء البنتاجون والخارجية الامريكية حيالها.
امريكا يهمها تنامى الضعف العربى على كافة المستويات..ويعنيها فى المقام الاول ان لا تصبح اى دولة عربية او اسلامية – بعد باكستان - قادرة على صنع قنبلة نووية ولو من الحجم الاصغر.. امريكا يهمها ان تمسك بين يديها باكثر اوراق الضغط التى يمكن ان تمثل مزيدا من الاضعاف للدول العربية تجاه اسرائيل، وليس هناك افضل من السماح للتفوق العسكرى الاسرائيلى بان يتواصل حتى فى المجالات التى تحرمها الاتفاقات الدولية.. امريكا قادرة على لى ذراع الحقائق وارجلها وادمغتها لاستخلاص مبررات محاصرة الشعوب العربية والاسلامية وافقارها، واليوم ليس اسهل من ان تتهم هذه او تلك بالارهاب وبعدم التعاون فى محاربته وبالسعى لامتلاك اسلحة الدمار الشامل.
ولا ننسى ان سوريا متهمة ومدانة بلا قرينة منذ سقطت بغداد..مرة لانها قامت بتخزين اسلحة الدمار الشامل العراقية قبل اندحار نظام صدام حسين وثانية لانها سمحت لافراد عائلته بالمرور الى داخل اراضيها ووفرت لهم المأوى والحماية وثالثة بدعم عمليات الاغتيال التى تتم ضد القوات الامريكية فى العراق عن طريق تهريب الاشخاص والسلاح عبر حدودها المشتركه مع العراق.. الخ، اما فرية سعيها لامتلاك اسلحة الدمار الشامل فهى سيف مسلط على رقبتها يرتفع وينخفض وفق احتياجات الضغط والمطالب الامريكية الاسرئيلية المشتركه.
مطالب اسرائيل التى تتكثف لان سوريا لا زالت تؤيد استمرار انتفاضة الاقصى التحريرية ولانها لاتريد ان تتخلى ماديا ومعنويا على دعم كوادر حزب الله اللبنانية المناضلة من اجل تحرير مزارع شبعا ولا تريد ان تستأنف مفاوضتها مع تل ابيب حول اراضى هضبة الجولان ومياه بحيرة طبرية وفق اشتراطات حكومة ارييل شارون التعجيزية.. تلقى آذانا صاغية من واشنطن على امل ان تزيد من عدد بيارق حملة الدعاية الانتخابية التى تطالب بمنح الرئيس جورج دبليو بوش الابن فرصة ثانية للبقاء فى البيت الابيض، وعلى امل ان توفر للادارة الامرييكة فرصة تجربة نموذج ضغط على غير نموذج التطويع الليبى يتمثل فى التهديد بما يمكن ان تصل اليه يد امريكا العسكرية من داخل العراق الى الاراضى العربية القريبة والبعيدة !!.
الولايات المتحدة التى تأخذ سوريا بالظنون وترفض ان تصدق ايران غضت الطرف منذ حوالى ثمانية عشر عاما عن رؤية عربية ودولية كانت تطالب اسرائيل بفتح منشآتها النووية للتفتيش بمعرفة الوكالة الدولية للطاقة الذرية عندما نشرت صحيفة الصنداى تايمز البريطانية سلسلة من التحقيقات حول التصنيع النووى فى اسرائيل بناء على اعترافات موردخاى فانونو الذى كان يعمل فنيا بمفاعل ديمونه..
اما اليوم فتوفر لها كل اسباب المنعة والقوة وتضرب عرض الحائط بكل ما تنقله التقارير الدولية عنها وكل ما تقدمه اجهزة استخباراتها ونظائرهم الغربيين من معلومات مؤكدة وموثقة حول تفوقها النووى وليس نواياها وطموحاتها، بل وتجعل من زيارات مدير عام الوكالة الدولية الدورية مسألة روتينية لا تقدم ولا تؤخر لانها تساهم عن سوء نية فى افراغها من المضمون والمعنى!


الكاتب استشارى اعلامى مقيم فى بريطانيا

[email protected]