مروان البرغوتي أول يكسر الإضراب عن الطعام الذي أعلنه المعتقلون الفلسطينيون في السجون الإسرائيلية، وقد عرضت فضائية (الحرة) صورا له وهو يتناول طعامه. وكان البرغوتي قد وجه نداء إلى العالمين العربي والإسلامي لصيام يوم الجمعة المقبل تضامنا مع المعتقلين الفلسطينيين الذين أعلنوا إضرابا مفتوحا عن الطعام حتى تحقيق مطالبهم بتحسين أوضاعهم.
إن إضراب المعتقلين الفلسطينيين عن الطعام عبارة عن رمز تكمن أهميته في تذكير العالم بمأساة هؤلاء المناضلين الذين لا ذنب لهم سوى الدفاع عن وطنهم ورغبتهم في الحرية واستعادة أراضيهم المحتلة، وتذكير العرب والمسلمين للتعاطف معهم، وبخاصة تذكير السلطة الفلسطينية التي لم تنس فقط هؤلاء المناضلين الأسرى، بل نسيت الشعب كله وآماله وهمومه ومآسيه، ونسيت الوطن الذي تقضم إسرائيل أجزاءه شيئا فشيئا، وحصرت كل همها ونشاطها ومطالبها في مكاسبها وامتيازاتها، وفك الحصار عن رئيسها، وإعادة تفعيل صلاحيته المنتهية.
لقد اختزلت السلطة الفلسطينية الوطن بالرئيس، والشعب بالرئيس، والمطالب السياسية بالرئيس، وحولت جهود ونضال شعبها لخدمة الرئيس، هذا الرئيس الذي سكت دهرا عن الفساد، وتجاهله بعناد، وأقر به أخيرا، بما سماه ممارسات خاطئة من بعض المؤسسات، دون أن يستثني نفسه – وللمرة الأولى- من هذه الأخطاء، وأقر أيضا بأن تدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية لا تتحمل مسؤوليته إسرائيل لوحدها فقط، بل عناصر وأطراف أخرى ساهمت في صنعه، وبدل أن يأمر، طالب بتشكيل ورشة للإصلاح تملك الشجاعة على الاعتراف بالخطأ.
لا شك أن الاعتراف بالذنب فضيلة، لكن الفضيلة الأكبر أن يتم وضع هذا الكلام موضع التنفيذ، فقد اعتاد الناس على سماع هكذا وعود وخطب وتصريحات ذهبت كلها مع الريح، ولم يتحقق منها شيء على الأرض، بل بقيت مجرد شعارات هدفها امتصاص غضب الشارع الفلسطيني، أو محاولة لجسر الهوة مع قادة العالم، والأمريكي بشكل خاص لإعادة التعامل مع الرئيس الذي أُهمل منذ زمن.
لم ير أو يسمع أحد أن مسؤولا واحدا من الفاسدين أو الأقرباء أو الموالين الذين أساءوا للناس أو نهبوا المال العام أو ارتكبوا تجاوزات، قد أحيل ملفه إلى النائب العام، أو سئل من أين لك هذا، بما في ذلك التحويلات المالية الضخمة إلى باريس، وأبطال الإسمنت المستورد من مصر لصالح بناء جدار الفصل الإسرائيلي.
إن تنفيذ الوعود بالإصلاح والقضاء على الفساد لو تم بصدق سيكلف غاليا، وغاليا جدا، وقد يطيح برؤوس كثيرة وكبيرة، ويفضح الآمرين باغتيال نبيل عمرو، ويقضي على احتكار السلطة والمال، إلا إذا كانت اللجنة أو الورشة التي ستشكل لهذه الغاية تتقن فن الكر والفر والتزوير والتمويه، وهناك الكثيرون ممن لهم باع طويل، ويمتلكون الخبرة المثلى في هذا المجال.
إن أهمية الإقرار بالفساد من قبل رئيس السلطة الفلسطينية، والوعد بالإسراع في الإصلاحات، وإن نتج عن خوف من النار التي تتأجج تحت الرماد، إلا أنه يعني اعترافا مباشرا صريحا: أن الإصلاح لا يرتبط تنفيذه بوقت أو ظرف أو بزوال الاحتلال، فكل الأوقات تلائمه، وكل الظروف تناسبه، وتحقيقه يرفع من معنويات الشعب، ويشد لحمته ويقوي وحدته وقدرته على طرد المحتلين.
[email protected]