لا يكف الروس عن التذكير بان تاريخهم الحديث شهد ثلاث ثورات دامية، تباينت مواقف المؤرخين والساسة والاوساط الاجتماعية في تقويم تداعياتها على مجرى التطورات التي شهدها القرنين 19 و ال 20. بيد ان هناك اتفاق عام على ان الوعي الاجتماعي الروسي تجاوز الالتجاء الى الثورة والانقلاب على انظمة الحكم والى السلاح لتحقيق اغراض سياسية، فروسيا عزفت عن حل قضاياها بطريق العنف واراقة الدماء، والثمن الذي قدمته على هذا الطريق كان باهضا. والمراقب للمشهد السياسي الروسي وتطوراته في العقد الاخير يتلمس ان النخب السياسية هنا تتعلم الحوار وتتجنب التصعيد ولو على حساب على مصالحها. ويلوح لمتابع احوال المجتمعات البشرية انها كالانسان الفرد، تحتاج الى للمرور بتجربة مريرة قبل ان تتعامل بنضج مع التطورات.
لقد طراءت على ذهني تلك الافكار خلال مراجعتي لنتائج المؤتمر الوطني العراقي التي كانت بمثابة مسمارا في نعش ثقافة الانقلابات والعنف والعصيانات والثورات المسلحة، لتغيير انظمة الحكم والتعجيل بقطار التاريخ .فالثورات عمليات " قيصرية" لولادة مجتمعات قبل فترة نضوجها في " الرحم" رحم التجربة التاريخية.
ان النتيجة الهامة للمؤتمر الوطني العراقي انه انجز اعماله وخيب امال اؤلئك الذين تمنوا له الانفراط، وراحوا يتحدثون عن مقاطعة واسعة لاعماله، وانسحاب العديد من الوفود من قاعة الاجتماع. ان العراقيين ولاول في غضون العقود الاخيرة برهنوا على قدرتهم على صيانة وحدتهم رغم الاختلاف في الموقف والراي. ان اهمية المؤتمر ومؤشر نجاحه، تاتي من انه وضع الحجر الاساس، ربما الهش وربما غير الصلد، للجو السياسي الذي يعقد عليه المجتمع العراقي الامال. لتقوم الدولة العراقية الجديدة، دولة القانون والحوار والاجواء المتكافئة للجميع من اجل التنافس الشريف في كافة المجالات. لايمكن القول باي حال ان المؤتمر وظروف واجواء التحضير له وانعقاده كانت مثالية. انها الخطوة الاولى، ربما المتعثرة.
ان طرح قائمتان في المؤتمر الوطني بحد ذاته كان حدثا كبيرا ومهما وله دلالاته، وسيكون الاكثر اهمية لو ان هاتين القائمتين تطورتا وتمخضتا عن تحالفين او عدة تحالفات سياسة كبيرة من القوى التي ضمتها. ومن الغريب ان بعض المشاركين كان قد ابدى استياءه من تجمع الاحزاب النافذة، التي وصفت بانها تمت بصلة للتركيبة الحكومية الحالية او لمجلس الحكم المنحل في قائمة واحدة، على حساب الاحزاب والجماعات الاخرى. ان العملية السياسة قائمة على هذه الشاكلة في معظم الدول، فالبرلمانات تمثل القوى الاكثر شعبية والتي يحدد القانون سقفها المطلوب، وما على القوى التي وجدت نفسها خارج قاعات المجلس االاستشاري الذي انبثق عن المؤتمر، الا العودة الى الشارع للمثابرة والاجتهاد وتعلم فنون الدعاية النزيهة والمشروعة، من اجل توسيع قاعدتها الانتخابية، للحصول على دعم الشرائح الاجتماعية التي تقول انها تدافع عن مصالحها والتهيئة للمشاركة في الانتخابات القادمة او البقاء في صف المعارضة، التي يجب ان تلعب دور المراقب النابه، على انشطة السلطة، وفضح تجاوزاتها ونقائصها والدفاع بطرق مشروعة عن الشرائح التي تمثلها. ومع كل المآخذ فان طيفا واسعا من المجتمع العراقي بات ممثلا في المجلس.
واذا عدت ثانية الى التجربة الروسية، فان طريق الوصول الى البرلمان الروسي بشكله الحالي لم يكن معبدا بالزهور،بل تمخض عن الصراعات والمواجهات التي ارتدت احينا ومع الاسف الشديد، في عام 1993 طابعا دمويا، حينما امر الرئيس السابق بوريس يلتسين قصف مقره بعد عدم المثول لقراره بحله.واتسمت الحياة البرلمانية في مراحلها الاولى في روسيا التي كانت سوفياتية، بالفوضى والانفلات، حيث تغلب فيها الهم السياسي على وظيفة التشريع التي هي المهمة الرئيسية لاي برلمان. وخاضت التجربة كافة الدول والمجتمعات التي تعلمت الحياة البرلمانية. والعراق لن يكون استثناء من قاعدة.
ان انعقاد المؤتمر الوطني العراقي في ظل ظروف المواجهات المسلحة والعنف مع القوى التي ترفض القاء سلاحها والانخراط في العملية السياسية المفتوحة، مؤشر على ان العراقيين دشنوا صفحة جديدة في تاريخهم الحديث، وانهم دقوا مسمار في نعش العنف واسلوب الثورات المسلحة والانقلابات لقلب انظمة الحكم، وان الخيار العام وقع على الالتزام بقواعد " اللعبة" السياسية و"العقد الاجتماعي" الذي سيتفقون عليه مع مرور الزمن.فوداعا للثورة.
















التعليقات