قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

من حق كتاب عرب الخوض في المسألة العراقية، إذ أنها الحدث الأكثر سخونة في المنطقة بحكم أن ما يجري في العراق سيؤثر على أوضاع المنطقة ككل، إذا سارت الأمور إلى تفجر أمني أوسع، أو إذا نجحت العملية السياسية وتحققت حلول سلمية للصراعات. وأهم القضايا التي يدور حولها السجال العمليات المسلحة والسيادة والحكومة المؤقتة وإخراج القوات الأجنبية والعملية الديمقراطية الجارية..ولا يمكن في هذا المجال حصر الاتجاهات المختلفة بين الأبيض والأسود كما فعل أحد الكتاب، إذ قسمها بين مؤيدين للديمقراطية يراهنون على الدور الاميركي، وبين معارضين لأميركا يؤكدون على السيادة الوطنية... إذ أن هناك طيف واسع من الاتجاهات المتداخلة.
هناك اتجاه قومي و/أو إسلامي يؤيد عودة "النظام الشرعي" السابق، ويرفض اتهام "الرئيس الأسير صدام حسين" بالديكتاتورية، فالكاتب "حمدان حمدان" يدافع عن النظام ويحاول تبرير أو نفي الجرائم التي ارتكبها ضد شعبه، ويرى أن معظم المقاومة المسلحة من فعل رجال النظام العراقي السابق.. كذلك الكاتب "منذر الموصلي" الذي حاول إثبات أن النظام الصدامي لا علاقة له بمجزرة حلبجة. وهناك الكاتب الإسلامي "ليث شبيلات" الذي لا يخفي في أية مناسبة الإشادة "بالمناضل البطل صدام حسين"..وهو اتجاه يرى أن المعركة بين أميركا من جهة والعرب والإسلام من جهة أخرى تستوعب الجميع حتى يصل البعض لقبول بن لادن والقاعدة كطرف محارب لأميركا تناقش وسائله وتنتقد.
أما الكاتب "فاضل الربيعي" فقد اتهم الكتاب السوريين واللبنانيين والمصريين والعراقيين بالجهل وانعدام المعرفة بالعراق، وبأنهم مصابون بداء "المجتمع المدني" و"الديمقراطية"، بينما هو "لم يسمع بعراقيين يبنون دولة ديمقراطية"!! كما اتهمهم بهوس "شيطنة صدام" فيما ملايين البشر في طرقات العالم صدموا من تقديمه للمحاكمة!!. كما عبر عن انزعاجه من أن "من هب ودب" يكتب في المسألة العراقية، رغم أن تحول المهتمين بالشأن العام للتعبير عن آرائهم في وسائل الإعلام وخاصة الصفحات الالكترونية التي لا حدود لمساحاتها، وكسرها لاحتكار وسائل الإعلام الرسمية، هو تطور ايجابي بالنسبة لما تعود عليه الناس من سماع الرأي الواحد أيام صدام.
اتجاه آخر معادي للديكتاتورية الصدامية ويؤيد بلا تحفظ المقاومة المسلحة، لا يضع شروطاً أمامها طالما أنها تزعج الوجود الأميركي، ويريد إصلاحاً سياسياً ديمقراطياً في العراق لا يأتي من الخارج "على الدبابة الأميركية" حسب التعابير الإنشائية الدارجة، فالاستراتيجية الأميركية برأي الأستاذ "حسن عبد العظيم" كمثال، تعمل لصالح مشروعها الامبرطوري "لإعادة تفكيك المنطقة على أسس عرقية وطائفية لصالح الشرق الأوسط الكبير الذي تهيمن عليه إسرائيل" وأن "النضال موجه ضد الاستبداد وضد الاحتلال في آن معاً"، ويجب "مساندة الشعب العراقي ومقاومته العنيدة الآخذة في الشمول والاتساع".
بينما آخرون معادون للاستبداد ومؤيدون للمقاومة المسلحة يضعون لها شروطاً، فالأستاذ "ميشيل كيلو" يرى "أن المقاومة التي تستحق اسمها تقاتل المحتل وتعلن هويتها وتحدد نهجها وتقول برنامجها ورؤيتها لمستقبل بلادها.. وتدين المتخصصين في قتل الأبرياء.. وهو يريد للعراق "قيادات تعتمد على قدرات مجتمعاتها مع الإفادة من معاونة قوى الخارج.." إذ أنه يدرك "أن ليس كل علاقة مع الخارج هي بالضرورة من طبيعة مشبوهة"...لكنه رأى، مع عدد من المثقفين أن "إياد علاوي وحكومته أدوات بيد الاحتلال ضد العراق والأمة العربية لإعادة إدخالها تحت السيطرة الأميركية الإسرائيلية"، وهي من الجمل التي كانت تستخدم كثيراً أيام الحرب الباردة لوصف الحكومات التي لا تستقوي بالاتحاد السوفييتي السابق، وتردد الآن دون النظر للوقائع الجديدة.
بينما رأى الأستاذ "نقولا زهر" أن المقاومة ليست مجرد عنف محض، بل يجب أن تعبر في استراتيجيتها وبرامجها وأساليبها عن مصالح العراقيين.. فما يؤخذ عليها عدم اهتمامها بأرواح العراقيين لذا لم تحز تأييدهم أو تأييد القوى الديمقراطية في العالم، وتراوحت بين فلول النظام الديكتاتوري المنهار وأنصار القاعدة، وبينها وبين الإرهاب تداخل كبير. مع كل ذلك يرى أنه لا يمكن تجريدها من سمة المقاومة ضد الاحتلال!! وهو يفضل تسميتها مقاومة نصف مشروعة/ نصف إرهابية..
وهناك اتجاه آخر مؤيد للعملية السياسية الراهنة مع انتقاد الأخطاء المرتكبة، فقد انتقد "حازم صاغية" إغلاق مكتب الجزيرة، إلا أنه رأى أن صيغة الحكم الحالية، الحكومة المؤقتة، هي الأفضل في تقصير إقامة الاحتلال .. وأن السلوك العربي المؤيد للمقاومة، مهتم بتوريط أميركا أكثر بكثير من اهتمامه بإنقاذ العراق. بينما يرى "جهاد الزين" أن الزلزال العراقي جعل التغيير في المنطقة ممكناً، فالسياسة الأميركية طرحت مشروعاً ديمقراطياً للعالم العربي بالتحالف مع النخب الإصلاحية ضد الأنظمة الاستبدادية القائمة، لكن مدى ثباته ومصداقيته ما زالت قابلة للنقاش.. كما يؤكد الكاتب "أكرم البني" أيضاً على الدور الكبير للخارج في صنع تركيبة مجتمعاتنا وحدودها ونموذجها السياسي في كل المراحل، حتى أن رافضي الاستقواء بالخارج الأميركي استقووا سابقاً بالخارج السوفييتي ويأملون حالياً الاستقواء بالخارج الأوروبي.
الاتجاه الذي نظن أنه يمتلك حظوظاً أكبر للنجاح هو إمكانية إخراج القوات الأجنبية من العراق بعد تشكيل حكومة منتخبة بالاعتماد على العملية السياسية الجارية في إطار الشرعية الدولية. فالسؤال الأهم هو: هل هناك ضرورة للمقاومة المسلحة في الوقت الراهن؟ إذ لا يمكن الانطلاق من الحق المجرد لمقاومة الاحتلال لتقرير هذه الضرورة، والرؤية الاشمل يجب أن تلحظ الحراك الديمقراطي العراقي والدور الأممي، فقد أصدر مجلس الأمن عدة قرارات كان آخرها وأهمها القرار / 1546/ الموافق عليه بالإجماع وحسب المادة السابعة، المعترف بالحكومة المؤقتة المتمتعة بالسيادة والتي تعمل لإقامة عراق اتحادي ديمقراطي تعددي موحد، والذي حدد جدولاً زمنياً للانتقال لحكومة ديمقراطية بمساعدة ودعم الأمم المتحدة، بعد انتخابات عامة في كانون الثاني 2005 لانتخاب مجلس يصوغ دستوراً دائماً ويؤدي لحكومة منتخبة دستورياً بنهاية العام 2005 - بند 4-.
أما القوات متعددة الجنسية فهي حسب القرار تشارك القوات التابعة للحكومة العراقية بشكل مؤقت في حفظ الأمن وتنتهي ولايتها لدى اكتمال العملية السياسية –نهاية 2005-، ويمكن إنهاؤها قبل الموعد المحدد إذا طلبت الحكومة العراقية ذلك –بند 12-. كما أدان القرار كافة الأعمال المسلحة في العراق واعتبرها عمليات إرهابية يجب إيقافها، ودعا الدول المجاورة للعراق لمنع عبور الإرهابيين أو تمويلهم أو تزويدهم بالأسلحة –بند 17-.
بعض النخب العربية ترى أن الشرعية الدولية أصبحت وجهاً آخر للهيمنة الأميركية، لذلك تشكك بمصداقية قراراتها، رغم أن مجلس الأمن ما زال قادراً على مواجهة الدولة العظمى، فقد سبق أن منع اتخاذ قرار بتأييد الحرب الأميركية في العام الماضي، وعدل مشروع القرار بخصوص أزمة دارفور لإعطاء مهلة للحكومية السودانية قبل اتخاذ عقوبات ضدها كما تريد أميركا. والمنطق يستدعي مناقشة القرارات والمبادرات الدولية للتعامل مع إيجابياتها وتحديد سلبياتها للعمل على تعديلها أو التقليل من آثارها.
اكتسبت الحكومة العراقية شرعية دولية غابت عن مثقفين سوريين، ركزوا على شخص رئيس الوزراء وأهملوا الوضع العام العراقي، وخاضوا نقاشات لإثبات وجهة نظرهم "التخوينية" رغم أنهم هم أنفسهم اكتووا بنار هذه السياسة قصيرة النظر، عندما اتهمهم الصداميون بأنهم عملاء لأميركا لمجرد إدانتهم للديكتاتورية، وقد تعملق الكاتب "ياسين الحاج صالح" ليرى أنه من الأفضل للشاعر "أدونيس" لو بقي ساكتاً، لأنه علق ببضع كلمات على الطريقة التي تفكر وتعمل بها المعارضة السورية، واتهمه بأنه شريك للجنرالات الأمنيين في السلطة، رغم أن اتحاد كتاب بكامله، وليس كاتباً واحداً، لم يتمكن من إسكاته منذ سنين.
ليس من الفطن رفض دعم الشرعية الدولية لسيادة العراق ولإقامة نظام ديمقراطي وتحديد مدة بقاء القوات الأجنبية فيه، أو تجاهل العملية السياسية السائرة للتطبيق، فالمؤتمر الوطني عقد بمشاركة سبعين حزباً وعشرات الهيئات المدنية والشخصيات المستقلة، وانتخب مجلساً مؤقتاً أحد مهامه التحضير للانتخابات التي ستجري بعد خمسة أشهر فقط، رغم الانفلات الأمني الذي تقف وراءه مجموعات مسلحة تسعى لعرقلة العملية السياسية، منها أجهزة النظام المنهار ومنظمات الإرهاب العالمي الإجرامية، وتيار الصدر الحائر بين كسب الشعبية بحمل السلاح وبين التحول لحزب سياسي يحتكم لصناديق الاقتراع، ففي المسيرة السياسية تصبح المعركة بين الديمقراطيين العراقيين من جهة، والمسلحين بشتى أصنافهم من جهة أخرى.
نظن أنه ليس من الضروري الاستمرار في المقتلة العبثية الجارية باسم "المقاومة المسلحة" طالما أن هناك طريقة لتجنيب المواطنين والبلد المزيد من الخراب وحمامات الدم، بعد كوارث المجازر والحروب العبثية الصدامية، فالاعتماد على الحراك السياسي العراقي المدعوم بالشرعية الدولية سيقود لحكومة منتخبة ذات سيادة، تعمل لإخراج القوات الأجنبية بعد انتهاء مهمتها في المشاركة بتحقيق الأمن، الذي يصبح مسؤولية عراقية حصرية.
على الأقل مثل هذا الطريق يعطي فرصة للعراقيين لالتقاط الأنفاس واختبار مصداقية أميركا والشرعية الدولية في العمل لعودة السيادة الكاملة والمساعدة في الانتقال للديمقراطية، فإذا كان هناك تأخيراً مقصوداً لهذا المسار، عندها لكل حادث حديث..