لم يعد سرا تقرير حقيقة أن معركة تنظيف مدينة النجف من بقايا أيتام صدام البائد ومن العصابات الإيرانيةالطائفية ومن شلل المجرمين والقتلة والظلاميين، ليست سوى السطر الأول من معركة التوحيد الوطني العراقية التي ستؤسس بالقطع لقيام العراق الدستوري الليبرالي الجديد، وهي معركة لم تكن إختيارا عراقيا محضا بقدر ماكانت حالة إضطرارية لابد منها للحفاظ على وطن تجمعت كل الأسباب والعوامل والمؤامرات الإقليمية للنيل منه والعمل على تقزيمه وتقسيمه ونهبه بعد أن أمعنت الفاشية البعثية البائدة النهب والتقطيع والتشطير في أوصاله وتنفيذا لحقدهم التاريخي ومشروعهم الفاشي البعثي المعلن رسميا وعلنيا منذ الأيام الأولى لهيمنة صدام البائد وعصابته على السلطة في العراق في تموز / يوليو 1979 حينما أعلن بأن ( الرايخ ) البعثي سيستمر لمئات السنين وإن من يفكر بأخذ العراق منا ( صدام وعصابته ) سنسلمهم العراق أرضا بدون شعب!! كان ذلك للأسف هو برنامج سلطة الموت البعثية البائدة! وكانت تلك اللغة الشمشونية محطا لإعجاب الملايين من المرضى النفسانيين العرب المنضوين تحت رايات الأحزاب ( التقدمية)!! والنقابات ( المناضلة )! وتجمعات ( الوحدويون العرب) من المؤمنين بالنظرية القومية الفاشية وبالقائد الرمز وبالنظرية البسماركية العسكرية البروسية في التوحيد القومي المزعوم!! لذلك لم نفاجأ بالمواقف العربية الشعبية والحزبية المخجلة حينما غزا صدام البائد دولة الكويت في 2/8/1990 وأعلن عن ضمها رسميا لحظيرة ( الوطن الأم) بإعتبارها ( المحافظة 19)!! وفق نظرية ( عودة الفروع للأصول) البعثية الفاشية والتي لاقت هوى وإستجابة من ملايين المحبطين والفاشيين والمرتزقة أو من المؤمنين فعلا بتلكم التوجهات المريضة وغالبيتنا لم تزل تتذكر التظاهرات المليونية في عواصم العروبة وهي تهتف وتلهج بإسم القائد الجرذ وهو ينفذ مشاريع التكسيح القومية، ويساهم مساهمة تاريخية وغير مسبوقة في تحطيم العظام العربية والإجهاز على كل مرتكزات وأسس التضامن والتفاعل القومي السليم، واليوم يبدو صانع القرار الرسمي في العراق أمام حالة غريبة من التشوه القيمي والفكري والسياسي والسلوكي أمام إحتمالات التشظي والإنقسام وغلبة الولاءات العشائرية والطائفية والحزبية على الولاءات الوطنية الأوسع !، وأمام الحالة الفظيعة والمؤلمة من إختلاط الأوراق في المشهد العراقي والتسابق نحو مهرجانات الموت والتدمير الذاتي والخراب الإقتصادي وسيادة التخلف والجهل والجماعات والفرق الضالة المضللة التي تطورت ونمت بعد إنهيار الفاشية البعثية وأجهزتها الأمنية والبوليسية وحيث كشفت الأحداث والأيام عن مدى تورط بعض دول الجوار وخصوصا إيران بملفات وسيناريوهات الإرهاب وتمزيق النسيج الوطني تحت راية الشعارات الدينية والمذهبية بشعاراتها وأهدافها الخيالية والطوباوية والغيبية والتي تتسابق جميع فرق القتل والموت الظلامية لتنفيذها تحت ذرائع ومسميات وأهداف شتى وكأنه حرام على العراقيين أن ينظموا أمورهم بهدوء وروية وتمعن وتفكير بعيدا عن جلبة الشعارات المعروفة إياها، وبدون إفساح المجال لقيادات فاشية مريضة بالهيمنة والتسلط وفرض الرؤى بقوة السلاح وأساليب البلطجية والشقاوات! وظاهرة المخبول مقتدى الصدر هي واحدة من أبشع الظواهر التي تؤكد تحول الدين والطائفية لسلاح تدميري قاتل وواسع التدمير في حالة إستغلاله من قبل تيارات غوغائية تعتمد على الفقراء والمعوزين والمحرومين ولاتقدم حلولا حقيقية للمشاكل بل تكون وعاءا لتنفيس الكبت والحقد والسلوكيات المريضة! وظاهرة مقتدى هي ظاهرة الدكتاتورية والتعصب المقرون بالجهل الديني والروحي والإنفلات السلوكي المستند لعوامل مرض نفسية واضحة لاتخفيها الشعارات المهدوية التي يضحكون بها على رؤوس الجماهير وهم أول العالمين بإستحالتها وطوباويتها ؟ فماذا سيكون مصير العراقيين لو أن الظروف مكنت مقتدى وأشباهه من القتلة والجهلة المتدثرين بأردية التقوى المزيفة من الهيمنة على حياة العراقيين ؟ وأي مشروع حضاري تمتلك تلكم الأدوات الهزيلة غير مشاريع ( اللطم ) و ( الندب ) وتشويه الأرواح والقيم بروايات وشعارات مستهلكة ومضحكة تجعل من ديننا الحنيف أضحوكة وسط الأمم ووسط حروب الأفكار والقيم؟ ولاأدري حقيقة لماذا كتب على شعبنا أن ينتظر الخلاص من ( الخارج من حفرة )!! فالبطل القومي الرهيب وصلاح الدين الجديد صدام البائد أخرج من حفرته القومية وسط مشاعر متضاربة!! ومقتدى المعصوم نزيل أحد سراديب النجف ويبشر بشعارات مستهلكة تستلهم الحفر في كل تجلياتها!! وشعوبنا مازالت تعاني من وقوعها في حفر التخلف والضياع والإستلاب الحضاري والمادي ! فإلى متى تستمر هذه الحالة أن نعلك الشعارات ثم نلجأ للحفر؟ ونحفر من جديد قبورا جديدة للأجيال العربية القادمة؟، معركة النجف لن تكون الأخيرة بل أنها المقدمة الموضوعية لحرب أقسى وأشد وهي حرب الحفاظ على النوع العراقي، وتنقية الأفكار والتوجهات من أحابيل رسل الموت والدمار فمقتدى رغم كل الضجة التي أثيرت حوله لم يكن سوى دمعة عابرة في تاريخ الشيعة في العراق وهو تاريخ محفور بالدماء والتضحيات، والمعركة الشاملة ضد فرق الموت الأصولية التدميرية قد دخلت مرحلتها الحاسمة فعلى نتيجتها يتقرر مستقبل العراق والمنطقة وتجريد عصابات مقتدى من السلاح سيتبعه بالقطع إعادة فتح ملفات الفلوجة وبعقوبة وسامراء وكسر إطار التحالف البعثي / الأصولي الذي يهدد حقيقة بنسف العراق في ظل تمركز إمارات القتل والدمار التكفيرية الطالبانية التي من خلال ذراعها السياسي الممثل في جماعة علماء القتل والخطف والتفخيخ تحوك المؤامرات الخبيثة والذكية والمخطط لها إستراتيجيا والممولة من أطراف إقليمية معروفة لتركب موجة الظاهرة المهدوية وتتخلى تكتيكيا عن تكفيرها للشيعة الذين أضعف مقتدى وعصابته جبهتهم وأصاب مصالحهم في الصميم، فهل كانت معركة النجف التي كلفت مئات الأرواح ضرورية وحتمية؟ وهل تحققت أي مصلحة إسلامية أو إنسانية من ورائها ؟ وكيف فسح المجال لصبية ومراهقين كي يتحكموا بمصير طائفة كاملة لها وجودها الإجتماعي والسياسي والتاريخي البارز ؟ ستظل التساؤلات تترى حول ماتم أو سيتم، ولكن هنالك حقيقة واحدة قد أفرزتها الحقائق الميدانية وهي أنه لابديل عن التصدي لكل فرق الموت الظلامية وتنظيف الشارع العراقي من أدرانها، وإعادة الأمن والأمان للإنسان العراقي، فمستقبل العراق مرتبط إستراتيجيا بهذا الفعل الوطني وقد لاحت بشائر قيامة العراق الجديد.

[email protected]