نشر شاكر النابلسي مقالة في "إيلاف" وفي "الأحداث المغربية" تحت عنوان (قدم عمرو ورأس عرفات) والذي أود أن أسجل عليه بعض الملاحظات السريعة. بالنسبة لكلمات العنوان فإنها تفوح منها الكراهية للرئيس ياسرعرفات وحركة فتح والسلطة الوطنية الفلسطينية، حيث وضع قدم عمرو ورأس عرفات في خانة واحدة بكيفية لايخطؤها المتمرسون في فن التلاعب بالألفاظ. يقول الكاتب أن ياسر عرفات جر( المصائب على السلطة الفلسطينية وعلى الشعب الفلسطيني الذي خسر سنويا ما لايقل عن نصف مليار نتيجة لغباء عرفات السياسي، ونتيجة لتهوره وأحلامه السياسية التي هي عبارة عن كوابيس سياسية لم تجر على الشعب الفلسطيني غير الكوارث والنوازل العصبية).
هناك فرق بين النقد والسباب، فللكاتب أن ينتقد سياسات مسؤول ما وأن يقول كان عليه أن يفعل كذا أو لا يفعل كذا لهذه الأسباب أو المبررات، ولكن إطلاق الأوصاف البذيئة على ذلك المسؤول معناه انحدار إلى السوقية والبذاءة. والغريب في الأمر أن هذا التطاول لم نقرأه للدكتور النابلسي بحق أي مسؤول عربي ، لأنه يعرف جيدا أن هؤلاء المسؤولين لن يتسامحوا مع الدكتور، في حين أن ياسر عرفات يحاصره الصهاينة والأمريكان في مقره برام الله مما يجعله غير قادر على مناقشة هؤلاء المتطاولين. أما عن أحلام ياسر عرفات التي سماها الكاتب ( كوابيس سياسية) فهي أحلام الشعب الفلسطيني الذي فجرت حركة فتح ثورته في ١٩٦٥/١/١ لتحرير الأرض المحتلة منذ عام ١٩٤٨، وبسبب الظروف الإقليمية والدولية قبل بقيام دولة على الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧ مع تمسكه بحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، هذه أحلام الشعب الفلسطيني التي لازال يقدم الشهداء على درب تحقيقها. وقد يكون للكاتب رأي آخر في موضوع استعادة الأرض والحقوق المغتصبة، ولكن ليس من حقه تسفيه أحلام شعب آخر، يحرص الكاتب على التبرؤ منه بإصراره على تقديم نفسه( مثقف أردني الأصل والمولد والجنسية) حتى لايتهم بأنه فلسطيني انطلاقا من اسمه( النابلسي)، لأن الفلسطينية تعني الثورة والانتفاضة ومواجهة اسرائيل والصهيونية وتعني عدم الرضوخ للإرادة الأمريكية، وهي كلها تهم يحرص على التبرؤ منها( الليبراليون الجدد) خوفا من(المحافظون الجدد) الذين يهيمنون على الإدارة الأمريكية ويؤمنون بوجوب قيام دولة إسرائيل القوية والمهيمنة كمقدمة لعودة المسيح المنتظر. ويقول الكاتب أن إطلاق النار على الأخ نبيل عمرو جاء بسبب انتقاده للرئيس عرفات، وبسبب تبنيه المطلق لدعوات الإصلاح الأمريكية( التي تتهم من قبل اليمين الفلسطيني القومي والديني بالكفر والعهر وقصر النظر).
وهنا أود أن أسجل أن هذا الكلام هو اتهام خطير للأخ نبيل عمرو بأنه مع الطروحات الأمريكية. ولم يسبق للأخ نبيل أن قال أو كتب كلمة واحدة يستشم منها تأييد الطروحات الأمريكية، وأن دعواته المتكررة للإصلاح عبر عنها من خلال أطره التنظيمية كعضو في المجلس الثوري لحركات فتح، وكعضو في المجلس التشريعي وكوزير للإعلام، وهي دعوات ذات منطلق نضالي ووطني سابقة ولاحقة للطروحات الأمريكية ولا علاقة لها بها. أما القول بأن الذين يعارضون دعوات الإصلاح الأمريكية هم من اليمين القومي والديني الفلسطيني، فهو قول مختلق وباطل لأن الشعب الفلسطيني بكل فئاته وتياراته أعلن في بيانات رسمية رفضه للطروحات الأمريكية، وأن الشرذمة التي صاغت ما يسمى( وثيقة جنيف) لم تحظ بدعم أي تنظيم تقدمي أو يميني فلسطيني.
ويقول الكاتب بأن ( السلطة الفلسطينية غير مكترثة بحال قدم نبيل عمرو بقدر ما هي مشغولة برأس ياسر عرفات الذي تحرسه السلطة الفلسطينية بأكملها، وتنفق عليه وعلى عائلته في باريس مئات الآلاف من الدولارات).
وهذا الكلام افتراء وكذب، ذلك أن الرئيس عرفات وفي نفس ليلة إطلاق النار على الأخ نبيل أمر بنقله إلى الأردن حيث إمكانيات العلاج أكبر، واتصل بسفارة فلسطين في عمان وبطبيبه الخاص في الأردن الدكتور أشرف الكردي، وأخبرهم بأن السلطة الفلسطينية تتكفل بكل نفقات علاجه وفي أي مكان. ولكن الملك عبد الله بن الحسين قال مشكورا بأن الأخ نبيل ضيفه وأنه متكفل بعلاجه في الأردن. وعندما تقرر نقله إلى ألمانيا اتصل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مشكورا، وقال أنه متكفل بنقله وعلاجه. وهذه معلومات رسمية يمكن التحقق منها. أما الحديث عن نفقات عائلة الرئيس في باريس فهو أمر تم حشره في المقال حشرا بقصد الإساءة والتشهير لاأكثر ولاأقل، لأن التحقق من مبالغه ليس متيسرا لي ولا للكاتب.
يقول الكاتب أن السلطة الفلسطينية( قررت أن تقطع دابر المعارضة بقطع أرجلها وقطع ألسنتها ليبقى فقط رأس الرئيس النفيس المنتخب الذي انتهت ولايته في أكتوبر ١٩٩٧، حيث تم انتخابه لمدة أربع سنوات في أكتوبر ١٩٩٣ ولم يترشح أحد ضده حقيقة في ذلك الوقت، وذلك جريا على الطريقة العربية في الانتخابات التشريعية).
الكل يعلم أن الثورة الفلسطينية ومنذ تسلمها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية شهدت اختلافات ومواقف متباينة، وكان يتم التوافق على حلها سلميا رغم أنها تجري في وسط (غابة من السلاح) كما قال عنها الأخ ياسر عرفات ذات مرة، ويكفي أن أنقل لكم ما قاله المرحوم الدكتور عبد الرحمان القادري لطلبة كلية الحقوق بعد حضوره جلسات المجلس الوطني أواخرالسبعينات، حيث تحدث عن الديمقراطية الزائدة عن اللزوم، في المجلس، وكيف أن بعض الأعضاء كان يقف على المنبر ويهاجم سياسات الرئيس عرفات بكل صراحة وجرأة دون أن يعترضه أو يقاطعه أحد، وكيف أنه وفي نهاية الاجتماعات خرجت القرارات بإجماع الحضور هذا فيما يتعلق بما سماه الكاتب قطع دابر المعارضة.
أما حديث الكاتب المكرر عن اغتيال الفنان المناضل ناجي العلي، فنحن نعلم أن السلطة الفلسطينية منعت توزيع كتاب للكاتب عن ناجي العلي لأسباب لا أعرفها كلها ، مع أنه ورد لعلمي أن من بينها أسباب تتعلق باتهامات أوردها الكاتب واعتبرتها السلطة باطلة. ولعل هذا الأمر هو الذي دفع الكاتب للهجوم على السلطة وعلى الرئيس ياسر عرفات. وهنا أروي للقراء حكاية عن منع الكتب في فلسطين، حيث أنني كنت في عام ١٩٩٧ مديرا لمعرض فلسطين الدولي الثاني للكاتب في بيت لحم، وتناهي إلى علم وزارة الثقافة الفلسطينية إشاعة بمنع دخول كتاب للمرحوم الدكتور ادوار سعيد يتحدث عن اتفاقيات أوسلو وتجربة السلطة الوطنية الفلسطينية، فذهب وكيل الوزارة آنذاك الكاتب الكبير يحيي يخلف إلى الرئيس عرفات وسأله في الأمر فأنكر علمه بذلك وقال أنه لا يعترض على الكتاب، لأنه يتضمن نقدا بناء وآراء يجب أن تحترم. وبالفعل بيع الكاتـــــــــب بالمعـــــــرض ونفد عن آخره.
وكلام الكاتب يتضمن مغالطات تاريخية صارخة، حيث أن الرئيس عرفات تم انتخابه في يناير ١٩٩٦ وليس في أكتوبر ١٩٩٣، ثم أن الرئيس لم يكن المرشح الوحيد، حيث ترشحت ضده المناضلة المرحومة سميحة خليل، وأنه فاز بنسبة٨٤٪ من الأصوات وليس على الطريقة العربية ٩٩و٩٩٪ التي فاز بها رؤساء قرأنا للكاتب مدحاً مطنباً لهم .
لقد اتصلت قبل حوالي أسبوعين بالأخ رئيس تحرير "الأحداث المغربية"، وتحدثت معه حبياً في مقال سابق للدكتور النابلسي، وأبديت عتبي على جريدة نعتبرها من المنابر الإعلامية الهامة في المغرب، والتي تعطي للقضية الفلسطينية أهمية خاصة، فكان رد الأخ رئيس التحرير أنهم متفقون مع الكاتب على نشر مقال أسبوعي له. وأن نشر هذا المقال يدخل في إطارحرية الرأي.
وأود بعد تحيتكم على جهدكم في خدمة قضيتنا المشتركة، أن أقول بأن إبداء الرأي شيء والتجريح شيء آخر، وحاشى أن تقبلوا أن تتحول جريدتكم إلى منبر لمن يريد الإساءة المجانية إلى فلسطين الشعب والقضية والسلطة. إننا نطالب بالنقد البناء ولو كان قاسياً، لأنه سيكون منطلقاً من الحرص على القضية. أما التجريح والسباب واستعمال الألفاظ البذيئة، فإنه إهانة للقضية ولسلطتها التي قد يختلف الفلسطينيون على تقييم ممارساتها، ولكنهم يتفقون على رمزية الأخ ياسر عرفات، الذي لم يعد يكفيه ما يفعله ويقوله عنه الأمريكيون والصهاينة لينضاف إليهم الكاتب النابلسي، ليصفه بألفاظ لست أدري كيف يقبل من يحمل لقب دكتور أن يستعملها، وكيف تقبل جريدتكم نشرها.
- آخر تحديث :















التعليقات