تناول كثيرون مسألة احتمال تورط ايران في شؤون العراق الداخلية مستفيدة من حالة التسيب الامني الراهنة في البلاد.. فقد صرح اكثر من مسؤول عراقي بالاضافة الى مراقبين عراقيين واجانب بأن طهران تقدم دعما ماديا ومعنويا لتشكيلات مسلحة تنتشر في المناطق ذات الاغلبية الشيعية وتشجعها على زعزعة الاستقرار وتحدي الحكومة العراقية وعرقلة جهودها لتاسيس دولة ديمقراطية تعددية خشية ان يهدد النموذج الديمقراطي الجديد أمنها القومي ومشروعها السياسي بعيد المدى في المنطقة.
وبالمقابل, ينفي آخرون اي تدخل من جانب النظام السياسي في طهران في مشاكل جارته الغربية ويشيرون في هذا الصدد الى تصريحات مسؤولين ايرانيين في مناسبات مختلفة بأنهم يرغبون في مساعدة الشعب العراقي لتجاوز الاوضاع الصعبة واعادة اعمار البلاد.ويبدو انه من غير الممكن حاليا الانحياز الى طرف دون آخر ما لم يوفر كلاهما دليللا ملموسا وحججا مقنعة لدعم قضيتيهما.
لم تقدم الحكومة العراقية لحد الان دليلا واحدا يقنع الرأي العام ويثبت مصداقية دعواها رغم ان اي مراجعة بسيطة للتصريحات الاخيرة الصادرة عن اكثر من مسؤول ايراني وتحليل معاني مفرداتها تكشف عن مدى القلق الذي انتاب القيادة الايرانية خصوصا بعد انتقال السلطة للعراق واتخاذ حكومة اياد علاوي سلسلة اجراءات جدية لآعادة الامن والاستقرار وازالة مظاهر التسلح والتخلف كخطوة اولى لوضع الاسس الديمقراطية لتشييد دولة عراقية حديثة.
كما لم يؤكد الطرف الاخر صحة المخاوف الايرانية والتي تبدو في الظاهر ليست وليدة اسباب تتعلق بحرصها على مستقبل المسلمين في العراق وحماية مدنهم المقدسة كما تدعي القيادة الايرانية.. فمكة المكرمة هي الاخرى مدينة مقدسة لدى المسلمين وقد انتهك مسلحون ايرانيون حرمتها بأوامر من نفس الزعامة الدينية الحالية في طهران عندما اعلنوا تمردا مسلحا داخل المسجد الحرام في موسم الحج قبل سنوات أسفر عن مقتل العشرات والحاق دمارا بالمسجد ومرافقه.
اذا كانت ايران تسعى لتأمين مصالحها وأمنها القومي وستراتيجيتها السياسية في المنطقة.. فهذه مسالة مشروعة وهي تعمل على معالجتها وتسوية اشكالياتها مع ذوي العلاقة من دول العالم الكبرى ومنها الولايات المتحدة عن طريق تسويات معلنة او سرية على شتى المستويات.. لكن هذه التسويات لا ينبغي بأي حال من الاحوال ان تتم على حساب مصالح العراق وشعبه وأمنه القومي.
ان مسألة شكل نظام الحكم السياسي في العراق هي مسألة داخلية بحتة يقررها ابناء البلاد من خلال صناديق الاقتراع وليست امرا يفرضه اناس وضعوا انفسهم في مقام الالهة بتفويض من السماء!
كما ان الحديث عن تخوف ايراني من احتمال ان تكون الاراضي العراقية منطلقا لتهديدات امريكية ضد النظام القائم هناك هو مجرد هراء تبيعه الزعامة الايرانية على مواطنيها للاستهلاك المحلي.. فهي تعلم يقينا بأن الحكومة العراقية ليست بهذه السذاجة او تفتقر للحنكة السياسية لكي تقدم على قرار خطير من هذا النوع تدرك جيدا تبعاته الكارثية على عموم المنطقة.
بقيت قضية في غاية الاهمية في هذا الصدد ولا يمكن لآي مراقب تجاهلها.. وهي العلاقات التجارية بين العراق وايران والتي ارتفعت مؤشراتها الى مستويات غير معهودة لصالح المصدرين الايرانيين.. فقد استفاد التجار الايرانيون.. والذين ينظر اليهم كقوة حقيقية تقرر مسار المجتمع الايراني كما حصل عند انقلابهم على نظام الشاه وتأييدهم الثورة الايرانية عام 1979.. من غياب السيطرة على الحدود مع العراق منذ سقوط النظام الدكتاتوري في 9 نيسان (ابريل) 2003 وتوقف العمل بالنظام الضريبي العام نتيجة انهيار مؤسسات الدولة العراقية, فتدفقت بضائعهم دون رقيب الى الاسواق العراقية الجائعة لكل انواع السلع.. وحتى ان تقارير أشارت الى ان التعامل التجاري في بعض مدن العراق خصوصا الجنوبية أصبح يجري يالعملة الايرانية (التومان).
وبعد ان قررت الحكومة العراقية اصدار العملية الجديدة والبدء بتصدير النفط ووضع ضوابط على عمليات الاستيراد والتصدير ورصد نوعية السلع المستوردة.. واجهت البضائع الايرانية منافسة قوية امام السلع المستوردة من سوريا ولبنان ومصر او التي بدأ التجار العراقيون بأستيرادها من مناشئ ذات اسعار تنافسية.
ان التطورات في الجانب الاقتصادي جعل القيادة الايرانية تدرك ان الفرصة ستضيع عليها اذا ما تعززت بالفعل سيطرة الدولة على الشؤون الاقتصادية خصوصا بعد الزيادة الملحوظة في العائدات المتحققة من مبيعات النفط العراقي بالاضافة الى عودة الحياة تدريجيا للقطاعات المصرفية والاستثماراتية والتنموية.
لم يصبر على هذا الوضع وزير الاستخبارات الايراني (علي يونسي) الذي سارع لوصف الحالة بأنها (مؤامرة عربية لحرمان الجمهورية الاسلامية من السوق العراقية) وقال في تصريح الاربعاء ان (هناك تحالفا متعدد الاطراف) من جانب الدول العربية لتقويض المصالح الايرانية في العراق!
إذن.. لا بد من اتخاذ اجراءات (ناجعة) لحماية المصالح الايرانية من (المؤامرة العربية) .. ولا يوجد أبسط من تسلل بعض مئات الاشخاص لتنفيذ عدة اهداف.. في مقدمتها تخريب البنى التحتية لتصدير النفط العراقي لحرمان الحكومة العراقية من مصدر تمويلها الرئيسي.. أي ضرب الاقتصاد بالصميم.. ومن غير المستبعد ان تندرج عملية تخريب انابيب التصدير الثمانية في منطقة الفاو يوم الخميس في هذا الاطار..بالاضافة الى اثارة فتن ونزاعات بذرائع متنوعة الالوان تنطلي على العراقيين الذين انهكتهم سنوات الحروب والحرمان والخوف والتشتت.. وتهريب وسائل الدمار والقتل من أسلحة ومتفجرات وتوزيعها مجانا على جماعات تعتقد ان استمرار العنف والتخريب سيعجل يوم خلاصهم او يعيد اليهم امتيازاتهم السابقة.. ناهيك عن اطنان المخدرات التي ضبطتها قوات حرس الحدود العراقية بحوزة مهربين ايرانيين.
لقد اثارت الاستغراب والتساؤل صور المتمرد مقتدى الصدر وبعض رجال الدين الايرانيين واللبنانيين المدعومين من طهران التي رفعتها بعض الجماعات الى جانب صورة اية الله علي السيستاني وهي تتجمع لآستقبال الاخير على طريق مدينة النجف.. وكأنها تتحدى قوات الشرطة والحرس الوطني العراقي التي تحمي بأجسادها الامام السيستاني من مكيدة محتملة تعيد للاذهان ما حل برجل الدين الراحل عبدالمجيد الخوئي الذي دخل النجف مبشرا بالتآخي والمحبة والسلام واغتالته قوى الظلام والعنف والارهاب.
يتحدثون عن قدسية المساجد والمراقد.. وهم يتمترسون وراء جدرانها ويدنسون باحاتها بكل انواع الاسلحة كما فعل صدام حسين ابان الانتفاضة الشعبية في آذار عام 1991 حين وضع مقر قيادة الحرس الجمهوري الخاص داخل الاضرحة في النجف وكربلاء والكوفة بعد ان ضربت مدفعيته وصواريخه جدرانها وقبابها وتنائرت زخارفها دون ان ينبس احد من اهلها بكلمة.. فلا (مقاومة) ولا اشتباكات في مقبرة السلام ولا في أزقة المدينة القديمة ولا في اي مكان!
لا يريد احد ان تصبح الحالة (موظة) في المستقبل.. بحيث يختبئ مارق اوسارق اوقاتل وراء جدران مسجد او ضريح ويبدأ بابتزاز الاخرين .. حكومة او غيرها.. تحت اية ذريعة كانت طالما انه مطمئن ان مخبأه (مقدس) لا يستطيع احد (تدنيسه) والمساس به والا اثارت المحاولة غضب(اسلاميين) في العراق وايران ولبنان وكل من ركب مركبهم.. وربما ستتكرر هذه الحالات في الكاظمية والاعظمية وغيرها من المراقد والمزارات والمساجد المنتشرة في ارجاء العراق.. وربما ستشهد دول المنطقة ومجتمعاتها قريبا صراعات واشتباكات داخلية ساحاتها المساجد والمراقد ودروعها المآذن والقباب.. فماالعمل؟

[email protected]