العمالة الوافدة وصراع الثقافات الخفى
سوق العمل السعودى.... وبابل التى تتحدث بألف لسان
*عدم التنسيق بين الجهات المعنية بالتخطيط للقوى العاملة هو الباب الذى تسللت منه العمالة الوافدة.
طوفان العمالة الوافدة يعتبر من أكبر مهددات الأمن الثقافى.
الثقافات الوافدة تتصارع سـلمياً لزرع مفردات قيمها فى المجتمع السـعودى.
تفضيل بعض أصحاب العمل للعمالة الوافدة يؤثر سـلباً على المردود الإنتاجى للعامل السعودى.
فى ظل التنافس غير الشـريف ببيئة العمل، ليس أمام العامل السعودى غير الإنسـحاب.
المتأمل للمجتمع السعودى كبنية تاريخية متحركة ومتطورة يجد أنه يتميز بالإنسجام العرقى والثقافى، إن لم نقل المتماثل، ويرجع تاريخ المجموعات التى تسكنه إلى الآلاف من السنوات منذ ما قبل التاريخ، ومنذ (1400) عام بعد أن عم نور الإسلام كل أجراء جزيرة أصبح الإسلام هو ديانة سكانها بنسبة (100%)، كما أن أصول سـكانه ذات جذر واحـد.
حالـة فريـدة :
فهو مجتمع قديم يتميز بالإستمرارية، إلا أنه منفتح على غيره من المجتمعات. وقد نجحت الدولة الحديثة التى أرسى الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، أسسها منذ عام 1351 هـ ـ 1932م، فى ترسيخ المبادىء التى ضمنت إستمرارها، وفى دمج المجموعات السعودية بعد أن كانت متجزئة.
ومنذ توحيد وإرساء أسس الدولة الحديثة، كان نمط الحياة الإجتماعية يسير بوتيرة هادئة ومستقرة، إلى أن جاء عام (1390هـ)، حيث وضُعت أول خطة للتنمية تغطى الفترة حتى عام (1395هـ)، ثم تلتها خطة خمسية ثانية (1395 ~ 1400) هـ، ثم خطة خمسية أخرى... وهكذا. وقد زاد دخل المملكة من البترول مع بداية السنة الثانية من الخطة الخمسية الأولى، وإستمر ذلك بنسب تصاعدية، ومع بداية الخطة الخمسة الثالثة (1400 ~ 1405) هـ بإستراتيجيتها القائمة على التركيز على الإنسان السعودى وتوفير متطلباته ورفع مستواه الإنتاجى والمعيشى، وتوسيع دائرة التنمية لتشمل المدن الصغيرة والقرى.
فتزايدت الطموحات والإستثمارات الهائلة، مما أفضى إلى إحداث تغيير شامل ومذهل فى مرافق المملكة ونشاطاتها، مما ترك أثره وإنعكست تأثيراته على أفراد ومؤسسات المجمتع. وقد كان التحول والتغير الذى حدث حاداً وشاملاً وسريعاً، ويعتبر حالة فريدة ربما لم يسبق لأى مجتمع آخر أن عاشها.
قفـزة فى الظـلام :
فحتى ما قبل عام 1364هـ، كان مجمل دخل المملكة أقل من (4) ملايين دولار أمريكى سنوياً، حيث إرتفع سنة 1364هـ فبلغ (85) مليون دولار، وفى ذلك الحين كان ما يقرب من 90% من السكان يعيشون على الرعى والزراعـة.
وإرتفع إنتاج النفط متدرجاً إلى أن وصلت إيرادات المملكة إلى (516ر261) مليون ريال سعودى فى العام 1400/1401هـ. ونشأت بفعل التوسع الحاجة إلى القوى العاملة غير السـعودية، لعدة أسباب، على رأسها بالطبع هو تنفيذ برامج كبيرة فى مختلف مجالات التنمية، ولم تكن الخبرة الوطنية كافية لإنجازها، فأخذت العمالة غير السعودية تزداد كل عام عبر خطط التنمية المتتالية.
ولاشك فى أن عدم التنسيق بين الجهات المعنية بالتخطيط للقوى العاملة والجهات المشرفة على إعداد هذه القوى كان من ضمن أسباب اللجوء إلى إستقدام العمالة الأجنبية، كما ويمكن إضافة عامل آخر وهو عدم دخول العنصر النسائى سوق العمل.
إضافةً إلى عاملين آخرين أحدهما هو عدم إقبال الأفراد السعوديين على بعض الأعمال الفنية المهنية مثل السباكة والنجارة وأعمال البناء والصيانة للإعتقاد السائد بأنها غير لائقة إجتماعياً، وينظر لها نظرة سلبية. أما الآخر فهو المبالغة فى الإعتماد على الغير فى تصريف وإنجاز الأعمال، حيث سادت قيم وثقافة التبطل.
بابـل الأخـرى :
والواقع أن هذه العمالة بقدر ما لعبت من دور إيجابى فى القطاعين العام والخاص، حيث ساهمت فى بناء المملكة كدولة نامية تنفذ خططاً تنموية طموحة تحتاج إلى قوى عاملة فى كافة الميادين والتخصصات، إلا أن آثارها السلبية تصل إلى مرتبة أنها أصبحت من مهددات الأمن الثقافى فى المملكة العربية السعودية.
فسوق العمل السعودى التى تعج بالعمالة الوافدة من كل جنس ولون، جعلت المدينة السعودية أشبه ما تكون ببابل التى تعج طرقاتها بألف لسان ولسان. وبالفعل فإن المؤسسة مثل الشارع يموج بكل ألوان الطيف الثقافية فى العالم بتنوعها الكبير، والمتناقض، وهذه الثقافات تنهمك فى صراع سرى، وخفى غير معلن، إذ تعمل كل ثقافة على تلوين المحيط الذى تعيش فيه بلونها، وتحاول فرض مفرداتها القيمية بطريقة سلمية ناعمـة.
وقد إنعكس هذا بشكل واضح على الفئات العمرية الأصغر فى المجتمع السعودى ـ خاصةً الأطفال والشباب ـ لعدم إكتمال نموهم الفكرى والنفسى والوجدانى ـ لهذا فهم الأكثر تأثراً، وقابلية على التكيف مع هذه الثقافات المتنوعـة.
إن الحاجة المستمرة إلى قوى العمل الأجنبية، تبعاً للحاجة المستمرة للتنمية أفرزت ظاهرة خطرة، وهى الإزدواجية السكانية وإرتفاع نسبة الأجانب التى تشكل تهديداً ثقافياً على ثوابت المجتمع الثقافية والإقتصادية والسياسـية.
وتزداد الخطورة حين نلحظ أن هذه التجمعات الثقافية ذات التقاليد والأعراف والعادات المختلفة بدأت تدخل مرافق ومواقع حياتية مؤثرة فى الأسر، حيث تغلغل تأثيرها فوصل إلى المطبخ، وتربية وحضانة وتنشئة الأطفال.
وقد أصبح هذا التأثير مستقراً فى وجدان أطفالنا ويمكن ملاحظته فى لغتهم التى إحتشدت بالمفردات المختلفة، كما يمكن ملاحظته فى ذوقهم الموسيقى، وفى الأنماط السلوكية، التى لايمكن الإستدلال بها على هويتهم.
آثـار سـالبة :
وينعكس تأثير العمالة الوافدة السلبى فى سوق العمل السعودى فى عدة مظاهر، حسب حجمها وكمها ونوعها. لنجد أن نسبة النمو بين أطفال الوافدين إلى سن الرابعة خلال الأعوام (1992م ـ 1999م) يزداد بنسبة (36ر21%)، ونفس هذ النسبة هى نسبة النمو فى الفئات العمرية بين (5 ~ 14 سنة)، تليها الفئات العمرية بين (50 ~ 69 سنة) إذ تبلغ نسبة النمو فيها (002ر12%) ثم (70 سنة فأكثر) إذ تبلغ نسبة النمو بين أفراد هذه الفئة (10%)، وتقل هذه النسـبة فى الفئات العمرية الشـابة ما بين (15 ~ 29 سنة) حيث تبلـغ (49ر4%) و مابين (30 ~ 40 سـنة) وهـى الأقـل نمـواً بنسـبة (99ر2%)، رغم أن عدد أفرادها يشكلون النسبة الأكبر من حيث عدديتهم.
وحسب تقرير مصلحة الإحصاء أيضاً حول الخصائص السكانية فى المملكة، فإن النسبة العظمى من هذه العمالة يقل مستواها التعليمى عن المرحلة المتوسطة، مما يعنى إنخفاض نسبة الوعى بينهم، وإنخفاض المستوى الحضارى، مما يفاقم من المهددات الأمنية من جانبهم، وإنخراطهم فى المهن الهامشية، مما يجعلهم عالة على الخدمات الضرورية ومزاحمة المواطنين فيها، وتقليل فرصهم فى الإستفادة منها كماً ونوعاً.
كما أن لوجود العمالة الوافدة إلى جانب السعودية فى بيئة عمل واحدة آثاره السلبية، إذ تنتج عنه آثار سلوكية سلبية تتمظهر أحياناً فى عدم الإرتياح، وتكاثر هذه العمالة فى بعض الأجهزة بشكل كبير ينتج عنه ما يسمى بالبطالة المقنعة والتى تؤدى إلى ظاهرة التسيب الوظيفى بين العمال والموظفين السعوديين فى هذه الأجهزة والمؤسسات.
كما أن ثقة بعض أصحاب العمل السعوديين فى العامل غير السعودى على عكس ما يبديه تجاه العامل السعودى يؤدى إلى إنخفاض الروح المعنوية للعامل السعودى، الأمر الذى يؤثر سلباً فى أداءه الوظيفى ومردوده الإنتاجى.
الطريق إلى الجريمـة :
ويلعب الشعور بالغربة بين أفراد العمالة الوافدة دوراً كبيراً فى ضعف الشعور والإنتماء سواء لبيئة العمل، أو البيئة الإجتماعية العامة، وهذا الشعور بالغربة يتمظهر فى عدة مظاهر سواءً فى العمل، أو فى الأنماط السلوكية الإجتماعية. لأن الشخص الذى يمزقه الشعور بالغربة، يكون ضيق الصدر، ويحس بالعذاب النفسى نتيجة إبتعاده عن وطنه وأهله وبيئته التى نشأ فيها ويحن إليها.
وحين تصادفه أقل مضايقات سواءً فى بيئته أو فى الشارع فإن ردة فعله تأتى محملة بكل هذه العذابات النفسية. وأما إذا صادفته فى حياته العملية صعوبات تهدد حاضره الوظيفى، أو عانى من البطالة المؤقتة، فإنه يصبح مصدر تهديد أمنى حقيقى، إذ قد يلجأ إلى أقرب أبواب الجريمة أمامه حلاً لمشكلته الحالية.
أما الشعور بالإنتماء والإحساس بالمظلة التى يوفرها المجتمع والأسرة والحكومة عند العامل السعودى فيحول دون لجوءه إلى الجريمة بكافة أشكالها لحل الأزمات المعيشية فى حال التبطل المؤقت عن العمل. وينعدم عند العامل الوافد هذا الشعور بالطمأنينة الذى توفره هذه المظلة التأمينية.
تقاليـد ضارة :
إن سيطرة الشعور بمؤقتية العمل والإقامة، ما يستتبعها من شعور بعدم الإستقرار والقلق عند العامل الوافد، إضافةً إلى إختلاف المرجعيات الثقافية فى بيئة العمل، تعمل على ترسيخ أنماط سلوكية، وتقاليد عملية مضرة بأخلاقيات العمل والمنافسـة، إذ يلجأ العامل الوافد بشتى الطرق لكسب ثقة وود صاحب العمل، أو الرئيس المباشر، ولا يتورع عن المداهنة وإبداء الطاعة العمياء والقبول بكل شىء والتنازل عن كثير من الحقوق.
وفى ظل سيادة مثل هذا النمط من السلوك لا يكون أمام المنافس السعودى على الوظيفة سوى أمرين إما أن ينسحب لعجزه عن هذا النوع من وسائل المنافسة لتخسره سوق العمل، وإما أن ينافس الوافد بنفس هذه الوسائل غير الشريفة.
وفى هذه الحالة فإن الخسارة ستكون أيضاً فادحة، إذ تترسخ فى سوق العمل السعودى تقاليد تتعارض تماماً وقيم المجتمع السعودى من ناحية، ثم أن هذا النمط من الوسائل سيصبح ضمن تقاليد سوق العمل السعودى، حتى بعد أن تنتفى الحالة إلى العامل الوافد وعودته إلى بلاده، لتترسخ ضمن آليات وتقاليد العمل فى السعودية شروطاً دخيلة، تضر بعلاقات العمل بصفة خاصة، وبأخلاقيات وتقاليد المجتمع بصفة عامة.
ثم أن مثل هذه الأساليب والتقاليد هى مضرة قبل هذا وذاك ـ أيضاً ـ بالعملية الإنتاجية، إذ سيهمل الإنتاج ويهمل التنافس الأدائى للوظائف ومهامها، لينحصر التنافس على كسب رضى المسؤول بطريقة شخصية، تدخل فيها إعتبارات ليس من بينها على الإطلاق تحمل المسؤولية وحجم الإنجاز الإنتاجى للعامل والموظف، ولا مستوى الأداء فى المؤسسة، إذ تتراجع هذه الصفات فى ميزان هذه المعيارية المغلوطة، التى تقدم ماهو شخصى على ماهو عملى وإيجابى.
والله الموفق،،،
أكاديمي و كاتب سعودي
E-Mail : [email protected]















التعليقات