تعقيب على مقال د. عمرو الشوبكي " لماذا لا يدمج الإسلاميون في عملية التطور الديموقراطي" في الأهرام 13/9/2004
لاشك أنها القضية الأولى بالاهتمام، إذا ما توجهنا نحو التغيير والإصلاح الشامل، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، سواء كانت مقاربتنا لظاهرة الإسلام السياسي تنطلق من كونها حقيقة واقعة تستعصي على التجاهل، أو من اعتبارها ذات تأثير إيجابي أو سلبي في نجاح التحول المنشود.
ولا شك أيضاً أن مقال د. عمرو الشوبكي قد تناول الموضوع برصانة ومنهجية جديرة بالتثمين، كما هي جديرة بالمناقشة قبولاً واختلافاً، ولعل مما هو جدير بالإعجاب فيما جاء به المقال، تفريقه بين أسباب وجود وأسباب انتشار ظاهرة الإسلام السياسي، فالأمر رغم بساطته شبه البديهية، يسبب كثيراً من الخلط لدى المتابعين والمحللين للظاهرة.
كما ينوه المقال لأهمية تواجد قوة سياسية ذات ثقل بالساحة، تحرض وتدفع القوى السياسية الرسمية والأهلية على النشاط والفاعلية، وتنظيم صفوفها لمواجهة تلك القوة المنظمة والفاعلة، وإن اختلفنا معه في أن جماعة الإخوان المسلمين هي تلك القوة المنشودة، علاوة على ما نختلف عليه معه في باقي المقال.
فلقد بدأ بسؤال جوهري عن حقيقة ما يمنع تيار الإسلام السياسي من أن يكون فاعلاً إيجابياً في عملية الإصلاح الديموقراطي، وما إذا كان هنالك عيوباً هيكلية، ناتجة عن إشكاليات تشكل عيوباً جينية في بنية خطابه، أم أن المشكلة ترجع لطبيعة السياق المحيط، لكنه أسرع بالإجابة ليس بتحليل طبيعة الخطاب محل النظر، وإنما بعملية قياس لا مبرر لها، على الخطاب الإيديولوجي اليساري، الذي راج في أوروبا الغربية في ستينات وسبعينات القرن الماضي، ليقفز إلى القول بعدم الانفصام بين خطاب التيارات الإسلامية وطبيعة النظم السياسية والاجتماعية القائمة، رغم أن القياس هنا غير وارد، وفي هذا التساؤل بالذات، لاختلاف طبيعة وجود النص المرجعي في كلتا الحالتين، فالنص في حالة الخطاب السياسي الإسلامي نص مقدس، ويرجع الاجتهاد المفسر له لأربعة عشر قرناً مضى، وبالتالي فالخطاب المستند إليه موروث، على الأقل في خطوطه الأساسية، فيما تتعثر محاولات إعادة تأويل النص - أو حتى تتحطم – على صخرة قفل باب الاجتهاد، أو التمسك بما هو معلوم من الدين بالضرورة، فيما النص الإيديولوجي اليساري في أوروبا هو أصلاً نص يستمد وجوده من حقائق الواقع الاقتصادي والاجتماعي، على الأقل حسبما يدعي منشؤه ومفسروه.
ونتفق مع المقال حين يسند وجود الخطاب السياسي الإسلامي للبعد الثقافي، ويفسر انتشاره أو انحساره بالبعد الاجتماعي والسياسي، بل ونزيد الاقتصادي بالمرتبة الأولى، لكننا نتوقف حين يقرر:
" وهنا تصبح طبيعة السياق السياسي والاجتماعي المحيط بالحركات الإسلامية هو المحدد لمضمون الخطاب الإسلامي وإمكانات تطوره."
لقد خلص إلى هذا بغير ما سند تحليلي لطبيعة الخطاب ومرجعياته التاريخية، سواء النظرية النصية منها – أساسية وتفسيرية - أو تطبيقاتها العملية التاريخية، والتي يعتبرها الخطاب الآن ضمن مرجعياته المقدسة، وإن كان يفعل ذلك بصورة انتقائية تعسفية، تختلف من جماعة لجماعة، ومن مذهب ديني لآخر، كذا بغير استعراض لمختلف السياقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي ازدهر فيها هذا الفكر، رغم تباينها إلى حد التضارب (مصر والسعودية مثلاً)، بما يدفع نحو تهميش دور السياق الحالي في التأثير على الظاهرة، وكانت نتيجة هذا القفز في الإسناد، هو الوصول إلى نتيجة لا نرى ما يؤيدها، خاصة وأن هذا التقرير الواثق غير جائز منطقياً، حتى لو اعترفنا بالأهمية القصوى للسياق في تحديد ملامح الظاهرة ( أي ظاهرة)، مادمنا قد اتفقنا أن هناك عوامل وجود موروثة في طبيعة الخطاب، وعوامل انتشار أو انحسار ترجع للسياق، فلابد إذن عند التحري عن قوانين تطور الظاهرة، أن نرجع إلى كلا العنصرين.
وربما يحق لنا أن نتعجب حين يقول: " ومن هنا فإن العامل الرئيسي وراء وجود الظاهرة الإسلامية من الأصل لا يرجع إلي دوافع سياسية اجتماعية, إنما يرجع بالأساس إلي وجود كامن ثقافي قادر علي أن يدفع بها إلي حيز الوجود دون أن يسهم في تشكيل صورتها."، فغريب هذا الحكم، إذ كيف يقر أن العامل الثقافي يدفع بها للوجود، ثم يقرر باطمئنان أنه لا يسهم في تشكيل صورتها، نفهم أن يقول أن العامل الثقافي لا ينفرد بتشكيل صورتها، لكن أن ينكر عليه مجرد الإسهام في تشكيل الصورة، فهذا غير مفهوم ولا مقبول، من الناحية المنطقية البحتة على الأقل.
كما أنه من العجيب أن يتصدى المقال لتحليل مسيرة الظاهرة، والعوامل المحركة والموجهة لها، وهو يتعامل معها كصندوق مغلق، لم يحاول فتحه، أي استعراض مقولات الخطاب وتجلياته العملية، لتحليل وتصنيف مكوناته لربطها وتحديد علاقاتها بالعوامل المماثلة في كل من عوامل الوجود وعوامل الانتشار، أو المكون الثقافي والمكون الاجتماعي، حسب تصنيفات المقال، بحيث تبدو بعض العبارات كما لو كان الغرض من المقال مجرد إصدار صك براءة للظاهرة من تهمة جذرية العنف في خطابها، أو منح التيار جواز مرور إلى دنيا السياسة والاعتراف الشرعي، مثل: " وعليه فإن أسباب الانتشار والتراجع أو دوافع تبنيها في سياق تاريخي معين لأساليب عنيفة, وفي سياق آخر لأساليب سلمية هي كلها أسباب ودوافع اجتماعية وسياسية لا علاقة لها بالمكون الثقافي."، وهو ما لم يأت المقال بما يمكننا من نفيه أو إثباته.
كما لم يجاوبنا المقال عن تساؤل خطير طرحه: " ظاهرة أخري صاحبت بعض أجنحة الحركات الإسلامية وهي العنف. فإذا كان هذا العنف تعبير عن أزمة ما ـ وهو بدهي ـ فلماذا لا نجد مثيلا له في مجتمعات وثقافات أخري غير مجتمعاتنا العربي أي بمعني آخر لماذا يأخذ العنف في أغلب الثقافات الأخرى أشكالا مختلفة عن هذا العنف الاستشهادي الذي نراه في فلسطين أو هذا العنف الانتحاري الذي رأيناه في واشنطن ونيويورك؟ " فصيغة السؤال تستبعد السياق، عكس ما قرره دون سند.
ويعود المقال لإطلاق الأحكام كحقائق مقررة، دون تحليل أو تمحيص يقنعنا بصحتها، وكأنها بديهية من البديهيات، مثل عبارة: " التيارات الإسلامية السلمية متمثلة في الإخوان المسلمين "، رغم أن الجماعة مدانة بالعنف رسمياً من قبل الدولة، ومدانة به تاريخياً في نظر الكثيرين، أي أن الأمر على الأقل محل بحث وجدال، وليس بديهية تطلق ببساطة.
أما الإشارة للتجربة التركية كنموذج يحتذى به في استيعاب التيار الإسلامي، ليندمج في التجربة الديموقراطية، فهذا أمر قابل للبحث والنقاش، على ألا نغفل أن التجربة الديموقراطية التركية سبقتها تجربة كمال أتاتورك الشمولية المستنيرة، والتي نجحت في تحديث تركيا وإنقاذها من براثن الخلافة الراكدة والمتخلفة، وهو ما فشلت فيه التجربة الناصرية وامتداداتها فشلاً ذريعاً، كما لا ينبغي أن نتجاهل أن الجيش التركي مازال هو الحارس الأمين على العلمانية التركية، ويتدخل - حتى الآن - دائماً في الوقت المناسب، لتحجيم مد الإسلام السياسي، وهو وضع لا نستطيع التنبوء مدى نجاحه أو استمراره في المستقبل، في ظل تنامي قوة التيار الإسلامي، رغم أن ما حققته تركيا من تحديث وانضواء تحت الراية الأوروبية، يضفي على المعادلة قدراً لا بأس به من التوازن، وربما الغلبة.
يتبقى أن نستعرض الشروط أو المواصفات التي طالب المقال التيار الإسلامي – الذي هو الإخوان المسلمون – أن يتحلى بها:
•أن "يصبحوا بصورة كاملة تيارا سياسيا مدنيا، لا يضفي أي قدسية علي خطابه السياسي، ويعتبر نقده هو نقدا لبرنامج دنيوي وليس دينيا."
•التمسك بالقواعد القانونية والدستورية, كإطار حاكم للعمل السياسي، وليس أي تفسيرات دينية خاصة تضع أي تيار سياسي في حيز متفوق علي التيارات الأخرى لأنه مثلا تيار إسلامي.
•تغيير " نظرة التيار الإسلامي لنفسه باعتباره حارسا لقيم الإسلام" والتي " جعلته في كثير من الأحيان لا يعي أن هذه القيم هي مسألة تدخل في صميم الاختيار الشخصي للأفراد."
•إدراك أن " الاختيار العام يجب ألا يتمتع بأي حصانة خاصة أو استثنائية، إنما هو يخضع لدوافع دنيوية محضة، يتوقف نجاحه فيها علي قدرته علي التنمية الاقتصادية والسياسية، بصرف النظر عن مرجعيته ومنطلقاته الفكرية الإسلامية."
هذه ولاشك شروط أو مواصفات رائعة، تحسم القضية، وتجعل من الجماعة التي يتوفر في خطابها هذه المواصفات جماعة ليبرالية ديموقراطية حداثية، لكن بشرط واحد، دون أن يتهمنا أحد بمحاكمة النيات، وهو أن تنطبق هذه المواصفات فعلاً على خطاب الجماعة، وألا يتوقف الأمر عند مجرد إقرار ذلك - من قبيل التقية – في تعهد أو جملة اعتراضية، لا محل لها من الإعراب في خطاب الجماعة.
لكن نظرة متأملة - أو حتى عابرة – للشروط أو المواصفات الأربعة، تقود إلى ثلاثة تساؤلات:
•ماذا سيتبقى إذن من خطاب الإسلام السياسي، أو هل عندها سيستحقون هذا التوصيف أو التسمية؟!!
•هل بعد هذا سيتبقى لجماعة الإخوان المسلمين ما تقوله أو تقدمه للمجتمع؟! هل ستتبقى لهم قضية، أم أن الشروط تفرغ خطابهم من محتواه، ولا يتبقى من الجماعة إلا أفراد عليهم أن يحصلوا معارف ومهارات جديدة، علهم يجدوا لأنفسهم قضية غير التي تم استبعادها؟!!
•وإن فعلت الجماعة ذلك، هل سيبقى لها ذات قوتها، وذات التفاف الجماهير حولها، أو ذات الاعتبار الذي يوليه لها جميع الأطراف؟!!
إن وضع مثل تلك الاشتراطات لضم تيار الإسلام السياسي إلى مسيرة الإصلاح والديموقراطية، وهي موضوعة من وجهة نظر ليبرالية، بمثابة خداع لأحد طرفين:
•إما خداع النفس لمن وضعها، حين يتصور أن ممثلي الإسلام السياسي سيقبلون بها حقيقة، لا مناورة أو تقية.
•أو محاولة خداع ممثلي ذاك التيار، لتفريغ قضيتهم من محتواها، فلا يبقى غير شخوصهم، عارية بلا قضية ولا مؤهلات بديلة.
انقر على ما يهمك:
عالم الأدب
الفن السابع
المسرح
شعر
قص
ملف قصيدة النثر
مكتبة إيلاف
















التعليقات