أضاع الحكم في لبنان فرصة نادرة، ومعه أضاعت سورية فرصة ذهبية، لقد آتى القرار السوري بتعديل الدستور في لبنان ليطيح بمصداقية كان يمكن ان يحصل عليها الحكم في لبنان ومن خلفه ومن قبله أيضا سورية. الا ان لبنان الرسمي وقبله سورية اضاعا فرصة جدية.

كان يمكن لسوريا ان ترشح أي من رجالات السياسة الكثر في لبنان الذين يبدون ايما استعداد لـ"السير على الخط الوطني العروبي ومقاومة الهجمة الاميركية في المنطقة والتصدي للمخطط الإسرائيلي بعيد المدة" الخ من الشعارات العامة العريضة، وكان يمكنها، وبصفتها الناخب الاول والاكبر في الرئاسة اللبنانية وغيرها من العمليات الانتخابية المحلية في لبنان، ان تختار من يمثل مصالحها كما مثلها الياس الهرواي الرئيس اللبناني السابق، ومن بعده الرئيس الحالي اميل لحود، وتمثيل المصالح السورية في لبنان ليس سياسيا فقط، بل يطال اولا وقبل كل شيء مصالح الفئة الحاكمة في سورية وبعض المتنفذين اللبنانيين.

الا ان سورية والحكم اللبناني اختارا تخييب الآمال، واختارا الموت بدل الحركة، ومواجهة المتغيرات والمشكلات الهائلة التي خلقها الوجود العسكري الأميركي في العراق بلغة لم تعد تصلح في أدبيات الأطفال، لغة لم تفقد فقط مصداقيتها بل فقدت المعنى نفسه. واختارت سورية والحكم اللبناني من بعدها الموات، واسوأ التبريرات هي تلك التي تشير إلى عدم قدرة شخص او رئيس لبناني على الاعتراض على القرار السوري بتعديل دستور لبنان وإبقاء رئيسه الحالي لمدة ثلاثة اعوام، أي عدم قدرة رجال الحكم على الحكم، وبالتالي فقدان مشروعية وجود رجال الحكم في السلطة التي هي أيضا تتهاوى سلطاتها منذ ان توقفت الحرب الأهلية ودخلنا مرحلة السلم الأهلي.

وان كان من حقنا توجيه لوم قاسي إلى المعارضة اللبنانية التي تشكل الأغلبية المارونية المتضررة من حكم اتفاق الطائف (1990) عمادها الرئيس، وانتقادها خاصة على عدم قدرتها بلورة اتجاه وطني وتطوير خطابها السياسي وتعميمه، والترفع عن المشاركة في الفساد العام حين وحيث يسمح لها بذلك، فان اللوم الأقسى يجب ان يوجه إلى مؤيدي التمديد الذين صفوا مجموعة من الشعارات تبدأ بـ"نجاح العهد في السياسة الخارجية" ولا تنتهي عند "الضرورات الإقليمية التي فرضت التمديد" مرورا بالتحديات التي يواجهها لبنان وسورية والحديث عن "عدم قدسية الدستور" الخ..

الموالاة للعهد لم تبذل أي جهد لرسم دعاية سياسية مقنعة لتعديل الدستور، ربما لعدم وجود أسباب فعلية للتمديد للرئيس الحالي الا المصالح السورية الضيقة والرغبات الشخصية للرئيس نفسه. وللمرة الثانية لانتخاب نفس الشخص رئيسا للبلاد، وهي لم تطور في خطابها السياسي الداخلي، ولم توضح ماهية النجاح في سياسة لبنان الخارجية التي لن يتمكن أي مراقب سياسي من وضع خط بينها وبين السياسة الخارجية السورية، أضف إلى ان السياسة الداخلي اللبنانية، ان كان من حياة سياسية داخلية في لبنان، تشبه خصام الأطفال او زعل العشاق، وبقيت الموالاة للعهد الحالي تقف أمام كل الاسئلة وتردد مقولات جاهزة، "الهجمة الشرسة"، "أميركا واسرائيل"، "الظروف الدولية" متغافلة عن ان قرارها بحماية وتأييد التمديد لرئيس الجمهورية اوقع لبنان وسورية معه في مأزق دولي يصل إلى حد تدخل مجلس الامن الدولي في الشأن الانتخابي اللبناني.

كان تجاوز سورية للموقف الأميركي في موضوع الانتخابات الرئاسية اللبنانية سابقا لأوانه ربما، الا ان موقف الشريحة السياسية الحاكمة في ترداد مقولات جاهزة حول الدستور والقوانين والتحديات يشكل خيبة امل حقيقية، حيث يلغي كل اشكال الممارسة الديموقراطية لتداول السلطة ويسلم الدفة بالمطلق إلى سورية مرة اخرى، ومرة اخرى يتغافل الحكم في لبنان عن ان حاضنته الأولى يفترض ان تكون محلية وليس خارجية، وان الاليات الانتخاب الديموقراطية المحلية هي الاكثر قدرة على "حماية البلاد من الهجمة الشرسة"، رغم ان ممارساته تدفع بالكثيرين إلى صلة استسقاء لهجمة شرسة يرون فيها السبيل الوحيد لإجراء تعديلات في نظام الحكم وتساهم في تطبيق الدستور والقوانين.

الحماية الجدية الممكنة للنظام اللبناني، الذي يقوم على المحاصصة الطائفية، هي عبر تداول السلطة باليات اقرب ما تكون إلى الديموقراطية، والدفاع الفعلي بوجه "التدخل الاميركي بالشؤون المحلية الداخلية" يكون عبر الالتزام باليات النظام اللبناني نفسه برغم مشكلاته البنيوية، لا باعطاء ذرائع للولايات المتحدة وغيرها للدخول إلى مجلس الأمن للحفاظ على "استقلال لبنان وسيادته".

مرة اخرى يجري تخصيص القطاع العام في لبنان، وللمرة الثالثة، وخلال اقل من عقد من الزمن، تجرى تعديلات دستورية في سبيل تلزيم الرئاسة لشخص محدد، هل يلام الموارنة، والقوى المتحالفة معهم، لبحثهم عن حصة اوسع في اللحكم، نعم طبعا ولكن أيضا يلام من يدفع بكتلة هائلة من مواطنيه للسير خلف من لا يعرف الا الحروب والتحدي لغة لتغيير الواقع السياسي المحلي. وحتما لا يمكن لوم وليد جنبلاط في سعيه إلى حماية ملابس كمال جنبلاط من هجمات العث.