قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

رسائل بين أعوام وأخرى بين قرون والأيام هي الأيام

اعتدنا قراءة رسائل يحبرها كتاب وصحافيون على لسان العام السلف إلى العام الخلف، وقد قرأت مثل هذه الرسالة على لسان العام 1967 إلى خلفه العام 1968، ملأها علينا مدرس اللغة العربية من مجلة لبنانية أنيقة في عيوننا آنذاك. والشكوى معروفة والوصية هي لاغيرها، أن يعذره عما حدث للجيوش العربية بسيناء والعقبة والضفة، ويحثه أن لا تنقضي أيامه إلا وحقق النصر. وتجمعت الأعوام العام تلو العام ومات الشقيري ومات عرفات، وعاد الجميع إلى ربع حلول 1948، ولم يحصلوا عليها، لكن الجميع مازالوا يلعنون موسكو على اقتراحها للتقسيم.

وإن نقرأ رسائل متبادلة بين الأعوام فمن النادر قراءة رسائل متبادلة بين القرون، لم يتبادل القرنان العشرون والحادي والعشرون، فالاختلاف كان على تحديد عام التسليم والتسلم بينهما، هل هو 2000 أم 2001، وقد جرت مناقشات عديد على صفحات الجرائد. وبفضل المصادفة وقع نظري على رسالة كتبها القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، نشرتها مجلة "الضياء" البيروتية العام 1901، فيها توقعات رئيس التحرير على لسان القرن السلف يبشر فيها خلفه بما سيحفل به من اختراعات وعلوم وانجازات عجزت الدهور الماضية من الأتيان بها، لكنه لم يتوقع الحربين الأمميتين، الأولى والثانية، ولم يتوقع ظهور الاشتراكية واختفائها، وظهور النازية وزوالها، واشتعال الناصرية وخفوتها، ولم يتوقع لخلفه حظوته بزوال الدولة العثمانية، ودخول بريطانيا وخروجها، ولا غرق سفينة تيتانيك ولم يتوقع أيضاً ظهور سلفيين إرهابيين جدد بأفغانستان، وبعثيين حكموا العراق بنذالة مفرطة لا مثيل لها في التاريخ، ولم يلفظهم القرن رغم عبثهم في الأرواح والمقدسات حتى قرضوا من خلفه ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر وتسعة أيام. عموماً، يصعب تصور الرسائل بين القرون، فالأحداث كثيرة وهائلة، والدهر سريع الجريان لا يثبت على حال، ومَنْ ولد في بداية القرن قد لا يعيش حتى نهايته. تتجمع الأعوام وتتجمع القرون لاتعرقل جريانها زلازل ما تحت البحار والمحيطات، وابتلاع الماء لليابسة، والضحايا حتى هذه الساعة أكثر من نصف ربع مليون إنسان. وبالعراق يجري الذبح بأقل رحمة من القرون الأوائل، فالموت يلاحق العراقي مثل ظله ومع ذلك يتبادل العراقيون التهاني والتبريكات، وتجدهم متفائلون بعام سيمارسوا فيه الانتخاب، ليس انتخاب مراقب صف بل انتخاب رئيس دولة وحكومة وبرلمان. فالأعوام تتجدد ومنها يحمل الموت ومنها يحمل الحياة. والدهر مثل الشمس يجري لا مستقر له.

اختلف البشر في حساب هذا جريان الدهر، منهم مَنْ اختار حركة الشمس قياساً فكان الميلادي المتناسب مع مواسم الطبيبعة من مناخ وزراعة، ذلك لثبات الأشهر مع تغيرات المناخ، ومَنْ اختار منازل القمر قياساً فكان التخالف بين المواسم وبين الأشهر والمناخ، رمضان في الصيف وآخر في الشتاء أوالربيع أو الخريف. قال البيروني في "التقويم المسعودي" حول استعمال التقويمين:"ما يستعمله الأمم من السنين لا يخلو من أحد هذين النوعين، إما مجردين وإما ممتزجين، والأمم التي استعملت سنة الشمس مجردة: الروم والقبط والسريان والفرس، ومن الأمم التي استعملت سنة القمر مجردة: العرب، ثم ثبت ذلك في الإسلام محسوباً من تاريخ الهجرة النبوية، ونحن من الشعوب المازجة بين التقويمين، أحدهما للدين والآخر للدنيا، لاسيما تجتمع في بلداننا البيئتين".

واختلف المسلمون حول تقويمهم، هل يحسبونه من ميلاد الرسول، كما جرت العادة عند المسيحيين، أم من هجرته أم من وفاته، فرأوا أنهم غير متأكدين من تحديد ميلاده مثل تحديد هجرته، فعام الفيل (570م) كان تاريخاً تقريبياً، أما تاريخ الوفاة ففيه ما فيه من الحزن والاحباط، بينما في الهجرة ميلاد آخر هو ميلاد الإسلام. فحددوا في خلافة عمر بن الخطاب الهجرة تاريخاً، بعد طلب بعض العمال تأرخة الدواوين، وبهذا تميزوا عن سواهم من العرب المسيحيين، مثلما وجدوا في الأذان مميزاً دعوتهم إلى الصلاة عن البوق اليهودي والناقوس المسيحي. أما التاريخ اليهودي فله حساب آخر فهو يعد بالآلاف، لأنه يبدأ من خلق العالم بسنة‏3760‏ قبل الميلاد حسب التقليد العبري‏،‏ والسنة العبرية الآن هي ‏5764. لكن الإتصال السريع بين أمكنة الأرض جعل أهلها يستخدمون التاريخ الميلادي إلى جانب التواريخ الدينية والوطنية.

يبدو مصطلح الدهر من بين المصطلحات الزمانية الأنسب تعبيراً عن جريان الأعوام والقرون والخلود، فهو يُشير إلى الأبدية والتقديس ثم القضاء والقدر. يُعرف الجرجاني في "التعريفات" الدهر:"الآن الدائم، الذي هو امتداد لحضرة الإلهية، وهو باطن الزمان، وبه يتحد الأزل والأبد". وحذر القرآن من تأليه الدهر بالآية:"وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يُهلكنا إلا الدهر"(الجاثية). ولعلَّ هذه الآية هي التي جعلت جمال الدين الأفغان في رسالته "الرد على الدهريين" يطلق لقب الدهرية على غير الديانات السماوية الثلاث، والفلسفات المادية كافة، بعد اندهاشه لكثرة ديانات ومذاهب الهند فترة مكوثه منفياً فيها.

بيد أن الدهر الذي أستنكر الأفغاني عبادته نجده في حديث نبوي هو الله:"لا يسب أحدكم الدهر، فإن الله هو الدهر، ولا يقولنَّ أحدكم للعنب الكرم، فأن الكرم الرجل المسلم"(الهندي، كنز العمال)، و"لا يقولنَّ أحدكم يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر"، وحديث قدسي يقول: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار"(كتب الحديث الستة)، ومن جانب آخر ينفي ابن قيم الجوزي حقيقة كل الأحاديث التي تتعلق بالدهر. وأحتمل الفيروزأبادي في "القاموس المحيط" أن يكون الدهر من أسماء الله الحسنى، ومن مرادفاته: الزمان الطويل، الأمد الممدود، وألف سنة، وهو: النـازلة والهمة والغاية والعادة والغلبة. والدهري هو القائل "ببقاء الدهر"، والرجل الطاعن في السن وتدهور الليل. والدهوري: الرجل الصلب، والدهري هو الصعب القناعة أو الكثير الجدل كما تستخدم في اللغة العامية. ومَنْ يقرأ كتاب "يتيمة الدهر" للثعالبي سيجده اسماً على مسمى فقد جمع فيه أقوال وأشعار مَنْ مدح الدهر ولاذ به أو ذمه ورمى سوء طالعه عليه. فهذا أبو بكر الخوارزمي يحاول أن يستر لحظة سعادته عن الدهر مخافة تقلبه، قال (يتيمة الدهر):
وكم ليلة لا أُعلم الدهر طيبها
مخافة أن يقتصَّ مني لها الدهر
من بقايا تقديس الدهر في ذاكرة سكان جنوب العراق الإشارة إليه بمثابة الإله، فعندما يُراد إيذاء شخص ما يُقال له:"دهر دَهرك"، أو "دهر طرك"، أو "فلك فلكك" والفلك هو الدهر أيضاً، وغيرها من دعوات السوء. خاطب الشاعر الدهر معاتباً:

عجبتُ لسعي الدهر بيني وبينها
فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
وعشية مأساته خاطبه الإمام الحسين متهماً:

يا دهر أف لك من خليل
كم لك في الإشراق والأصيل
من صاحب وماجد قتيل
والدهر لا يقنع بالبديل

فالدهر من السعة أن "تتحرك داخله الكائنات وتقع في فضائه الوقائع، فليس ثمة موت أو حياة ولا سكون أو ثبات، ولا آلام أو مسرات خارج هذا الظرف"(الصائغ، الزمن عند الشعراء). قال أبو العلاء المعري معترفاً بمطلقية الدهر وتحرره من الحدوث، فهو من الشساعة:

ولو طار جبريل بقية عمره
عن الدهر ما اسطاع الخروجَ من الدهر

وللإمام علي بن أبي طالب جملة أقوال في الدهر يحذر منه ويعاتبه ويتألم لتقلباته، فوردت مفردة الدهر في "نهج البلاغة" مرة هو صنو الله بقوله: "الحمد لله وإن أتى الدهرُ بالخطب الفادح"، وقوله: "واستعيذوا بالله كما تستعيذوا من طوارق الدهر"، وقوله: "إذا وطئ الدهر به حسكه ونقضت الأيام قواه"، وقوله: "الدهر يخلق الأبدان". ومرة يذكره بالزمان الظالم الفاعل في حياة الإنسان بقوله:"انا قد أصبحنا في دهر عنود"، أو "ما اختلف عليه دهر قط فيختلف منه حال"، أو "فمن الفناء أن الدهر موتور قوسه".
والدهر القدر الذي يذعن له الناس كقوله: "عباد الله إن الدهر يجري بالباقين كجريه بالماضين"، و"هلم الخطب في ابن أبي سفيان فلقد أضحكني الدهر بعد بكائه"، وقوله لمعاوية: "فلقد خبأ لنا الدهر منك عجباً"، وقوله: "وجموع الدهر عليَّ، ومن وصيته: "أحي قلبك بالموعظة وحذره صولة الدهر"، وقوله: "والعلماء باقون ما بقي الدهر"، وقوله: "وأعلم أن الدهر يومان يوم لك ويوم عليك". ويذكر علي بن أبي طالب الدهر متربصاً بالإنسان، يأخذه على غفلة بملماته، مثل: "ما قال الناس لشيء طوبى له إلا وقد خبأ له الدهر يوم سوء"، وقوله: "ولا تجربة أفادها من حوادث الدهور"، وقوله: "وتقلب الأزمنة والدهور".
وعودة على ما تقدم، كان وراء حضور مفردة الدهر في خطب ورسائل ووصايا الإمام علي بن أبي طالب مرارة الحال، لذا فالدهر لديه مفردة مثقلة بالحزن والخطب، فهو: عنود، وفادح، ومبكي، وصائل، "وصال الدهرُ صيال السبع العقور"، وتحت جناحه أعجب العجب، وصاحب مكاره وحوادث وملمات، ويعطي أقل مما يأخذ، وهو التاريخ الذي يجري بلا عودة مثل قوله: "ومضت الدهور وسلفت الآباء". ولم يجد أمرؤ القيس، إن صح الشعر له، في الدهر إلا الله المبيد والخالق، وهو المسؤول عن مصيبته، فمَنْ أزال ملك ملوك مثل ذي رياش وذي منار غيره؟ قال برواية الطبري في "تاريخ الأمم والملوك":

ألم يُخبرك أن الدهر غول
ختور العهد يلتقم الرجالا
أزال عن المصانع ذا رياش
وقد ملك السهولة والجبالا
وأنشب في المخالب ذا منار
وللزَّراد قد نصب الحبالا

ومن لا حيلة يحلم الإنسان المغلوب بموت الدهر، ليأتي يوم الحساب وأوان الخلود حيث لا ساعات ولا أيام ولا تأخير ولا تقديم، لكن أبا العلاء المعري يفيق من هذا الوهم بالقول:

يقولون إن الدهر قد حان موته
ولم يبق في الأيام غير ذماء
وقد كذبوا ما يعرفون انقضاءه
فلا تسمعوا من كاذب الزعماء

ومع تربص الدهر بالإنسان وتعثره في ملماته إلا أنه مثلما يعفي الله تعالى من العتب والملامة "لا يحمد على مكروه سواه"، قيل "لا عار بما فعل الدهر". وأخيراً إن أكثرنا بالتهاني أو قللنا فهاهي الأحداث تكرر نفسها، فما الفرق بين عالم العشرينيات من القرن السالف وبين عالم الأربع الأوائل من القرن الحادي والعشرين، وأنا أحصر الحال ببغداد وليس لي تعميمها، ولا أجد مفراً من الشهادة بما استشهد به أبو حيان التوحيدي في "البصائر والذخائر":

فالدهر آخره شبه بأوله
ناس كناس وأيام كأيام

[email protected]