ودَّع العالم عام 2004 ، حزيناً مصدوماً بزلزال المحيط الهندي الذي لم يترك شعباً إلا وشمله بقسط من الكارثة مع الاختلاف بالكمية. أما الشعب العراقي فلم تكن الكوارث جديدة عليه، إذ استقبل العام الجديد، كما الأعوام التي قبله، مذعوراً فاقداً الأمن والاستقرار وأبسط الخدمات بسبب الإرهاب البعثي-السلفي، سواءً كان في الحكم حيث جثم على صدره كالكابوس ل35 عاماً أو كان خارج الحكم كما الآن حيث يمارس الإرهاب ضد الشعب وينشر الخراب في ربوع الوطن.
فالعراق اليوم تحكمه حكومتان، حكومة رسمية علنية ولكنها مشلولة، لا حول لها ولا قوة. وحكومة بعثية إرهابية غير مرئية وهي الحكومة الفعلية التي تحكم قبضتها الحديدية على رقاب الناس وتنشر الرعب والخوف في صفوف الشعب كما الحال عندما كانت علنية ورسمية فحتى في تلك الفترة كانت تسمى ب(دولة المنظمة السرية). والسؤال هو، هل هذا الشلل الذي تعاني منه الحكومة المؤقتة هو شلل مفتعل ومقصود، خاصة وأغلب أعضائها هم من البعثيين السابقين؟ أم هو نتيجة ضعف وخوف المسؤولين من البعثيين الإرهابيين؟
يعتقد أغلب الفلاسفة أن حركة التاريخ عشوائية وبلا هدف وخارجة عن وعي البشر وإرادتهم، تماماً كما يحصل التطور في الطبيعية. كما ويشبه هؤلاء ظهور الحركات النازية والفاشية والطغاة من أمثال هتلر وموسوليني وستالين في التاريخ بالكوارث الطبيعية مثل الزلازل والبراكين والفيضانات المدمرة. لذلك فظهور التيار القومي العربي بنسخته الناصرية-العفلقية-الصدامية في العراق كان بمثابة كارثة طبيعية ابتلى بها الشعب العراقي منذ ولادة هذا المسخ البعثي الفاشي في الأربعينات وإلى الآن.
ولسوء حظ الشعوب، فقد أبت قوانين الطبيعية العشوائية أن تنهي عام 2004 بسلام، فكان الزلزال الآسيوي الأخير الذي أودى بحياة ما يقارب مائتي ألف إنسان بريء ومحا مدناً بكاملها عن الوجود في بعض الجزر الإندونيسية، تاركاً خمسة ملايين إنسان بلا مأوى مهددين بالجوع والعطش والأمراض. إن هذه الكارثة قاربت بين الشعوب، فظهرت العولمة بأوضح تجلياتها. عولمة في الكارثة وعولمة في التضامن الأممي لمواجهتها. فلم يسلم منها حتى الشعوب الاسكندنافية التي فقدت أكثر من ثلاثة آلاف إنسان. في العراق، الكوارث البعثية الإرهابية لا تقل شراً وسوءاً عما لحق ببلدان المحيط الهندي من إرهاب الطبيعة.
بعد زلزال المحيط الهندي، راح الناس في العالم الغربي الديمقراطي، حيث حرية التعبير مضمونة للجميع ودون خوف من سيف الإرهاب، يتساءلون عن الحكمة من الكوارث الطبيعية. وهل الطبيعة عاقلة أم عشوائية وعبثية بلا هدف معقول؟ أسئلة وجهها أناس بسطاء ومثقفون على حد سواء، إلى رجال الدين والفلاسفة من خلال وسائل الإعلام، هل هذه الكوارث هي من الله أم من غير الله؟ وإن لم تكن من الله فلماذا لم يمنعها الله وهو العادل القوي وعلى كل شيء قدير؟ طبعاً لم يجرأ أي إنسان في البلاد الإسلامية توجيه مثل هذا السؤال أو حتى مجرد التفكير به، لأن سيف الإرهاب مسلط على رقبته ويهدده الإسلاميون بالويل والثبور وعظائم الأمور ويتهمونه بالكفر وبالجهل المدقع والتجاوز على إرادة الله والعياذ بالله!!

في العراق، تتواصل سلسلة الكوارث الإرهابية بلا توقف وليس هناك أي ضوء في نهاية النفق ليبعث الأمل في النفوس. ففي كل يوم تبث علينا وسائل الإعلام أنباءً عن كوارث جديدة من صنع فلول البعث وحلفائهم الزرقاويين وبمباركة الإعلام العربي وفقهاء الموت الإسلاميين. وما تبثه وسائل الإعلام عن الإرهاب في العراق ما هو إلا الجزء المرئي من الجبل الجليدي. فأغلب العراقيين في الخارج تصلهم أنباء محزنة من ذويهم وأصدقائهم في الداخل، عن استشهاد عزيز عليهم. قبل فترة استلم السيد رياض الحسيني تهديداً من الإرهابيين يطالبونه بسحب ترشيحه للانتخابات وإلا سيقتلون أقاربه في العراق. وبعد أيام نفذوا تهديدهم بقتل ابن أخيه. والبارحة استلمتُ رسالة تدمي القلب من صديقي العزيز، رجل الدين المتنور فضيلة الشيخ علي القطبي، يخبرني فيها عن استشهاد بن عمه على أيدي الإرهابيين... هذا غيض من فيض على مستوى الإفراد..
أما على المستوى العام، فالأنباء عن الكوارث العراقية مستمرة بلا انقطاع ومنها على سبيل المثال: نجح الإرهابيون في استدراج الشرطة إلى منزل في حي الغزالية في بغداد حيث تم تفجيره وقتل 28 شخصاً أغلبهم من الشرطة وهدم عدداً من الدور المجاورة بالكامل...، قتل 21 في مدينة بلد من الحرس الوطني... قتل الإرهابيون 30 من الحرس الوطني في تكريت.. تفجير سيارة مفخخة قرب مقر حزب الوفاق الذي يقوده رئيس الوزراء الدكتور أياد علاوي.. ومن صحيفة واحدة (الشرق الأوسط) ليوم واحد فقط، نقرأ العناوين التالية: جماعة الزرقاوي تتبنى هجوماً انتحارياً أوقع 21 عنصراً من الحرس الوطني العراقي في بلد...، وزير التفط العراقي: منشآتنا النفطية تتعرض لحرب شاملة...، مركزان انتخابيان يتعرضان للقصف بقذائف الهاون في تكريت.. إلى آخره
وبالمقابل ماذا فعلت حكومتنا الإنتقالية المدعومة بما لا يقل عن ربع مليون مسلح من الحرس الوطني وقوات الشرطة والجيش العراقي الجديد وقوات متعددة الجنسيات التي تحت تصرفها آخر التكنولوجيا الحربية المتطورة، أقول ماذا فعلت الحكومة في مواجهة هذا السرطان البعثي البغيض؟
إجراءات السلطة، كما تفيد الأنباء مائعة ومثيرة للسخرية، مثال:(أصدرت محكمة الجنايات المركزية العراقية اليوم حكما بالحبس أربع سنوات على المتهم(...) بعد أن تم إعتقاله من قبل القوات متعددة الجنسية أثناء عبوره نهر دجلة في محافظة صلاح الدين في السابع من تموز (يوليو) الماضي وبحوزته كميات من الأسلحة غير المرخصة ومجموعة رادارات و مدفع رشاش و عدد من صناديق الذخيرة ... كما تم إلقاء القبض على المتهم (...) و قد تم العثور على مخبأ للأسلحة مدفونة في الأرض بجوار بيته ... و منها قذيفة مدفعية و صاروخين.. فأصدرت المحكمة الجنائية قرارها بحبسه لمدة ثلاث سنوات . وألقي القبض على ثلاثة متهمين وجدت أسلحة مدفونة بجوار بيتهم من ضمنها 6 منصات لإطلاق الصواريخ و 9 قذائف و لهذا السبب أصدرت المحكمة ذاتها قراراً بالحبس لمدة عام على كل من المتهمين الثلاثة.(تقرير إيلاف، 1/1/2005). والناس يتساءلون: هل هذا العقاب يناسب الجرم الذي يهدد حياة أبناء الشعب؟ وهل كان صدام يعاقب معارضيه بهذا الشكل؟ وعندما يتم إلقاء القبض على عشرين أو ثلاين إرهابياً ففي نفس الوقت يتم إطلاق سراح المئات منهم، ليمارسوا الإرهاب من جديد. نعم، تتعامل الحكومة مع الإرهابيين بعد إلقاء القبض عليهم وهم متلبسين بالجرم المشهود كما تتعامل مع متهمين في مخالفات مرورية. وهذا هو سبب تفشي الجريمة المنظمة واستشراس الإرهابيين طالما كان العقاب بهذه الميوعة. إنه استخفاف بمقدرات وأمن الشعب العراقي الذي يدفع الثمن من دمائه أبنائه الأبرياء ومؤسساته الاقتصادية.

فإلى متى ستستمر هذه الكارثة وحكومتنا لا هم لها سوى الرحلات المكوكية خارج الوطن وقد أصبحت عمان هي المقر الرئيسي لها. لا بل يدافع وزير الدفاع العراقي عن البعثيين ويعتبر برنامج اجتثاث البعث جريمة!!! وهناك أنباء تفيد عن لقاءات بين الحكومة وممثلين عن القتلة البعثيين باسم المصالحة الوطنية!! بل وتفيد الأنباء عن لقاءات بين رئيس الوزراء الدكتور أياد علاوي ورغد بنت الطاغية صدام حسين في عمان ولم يصدر أي نفي لهذا الخبر. كذلك قرأنا عن محاولات أمريكا منح مقاعد في البرلمان القادم ومجلس الوزراء للبعثيين الذين يقودون ما يسمى بالمقاومة تحت ذريعة فوز مرشحين من السنة حتى ولو لم يفوزوا في الانتخابات.
أيها السادة، يا من تطالبون بالمصالحة مع القتلة، سواءً عن سذاجة ونوايا حسنة أو عن قصد مبيت، يجب أن تعلموا أن البعثيين لا يبحثون عن مصالحة ولا يريدونها، وإنما هدفهم الرئيسي هو الاستيلاء التام للمرة الثالثة على الحكم. فتاريخهم حافل بالكيد والغدر والتنكيل بمن تحالفوا معهم. وكما أفادت الأنباء التي لم تؤكد بعد، أن قيادة البعثيين العراقيين في حلب طلبت التفاوض مع الأمريكان وليس مع الحكومة الانتقالية، على شرط منحهم ثلاث وزارات رئيسية (الدفاع والداخلية والأمن الوطني) وأن في حالة الاستجابة لطلبهم هذا فبإمكانهم إيقاف الإرهاب خلال ساعات! فأية وقاحة هذه بعد أن نال الشعب العراقي ما نال من قتل وتنكيل خلال 35 عاماً من حكمهم الغاشم وعامين من إرهاب فلولهم.
يجب أن يعرف المسؤولون جيداً أنه لا جدوى من المصالحة مع الإرهابيين، وحتى لو جاء البعثيون مع بعض التنازالات في أول الأمر، فما أن يثبتوا أقدامهم حتى ينقلبوا على من تحالفوا معهم ليعيدوا مسلسل المجازر والمقابر الجماعية والمآسي من جديد. يعني كما يقول المثل العراقي: (تي تي، مثل ما رحتِ إجيتي!!).