ما وقع من أحداث "الفتنة" في مصر عبر الأسابيع القليلة الماضية يوضح مدى تخلف النظام شبه الثيوقراطي الذي يعيش تحته المصريون كافة. وبرغم وجود عدد من الأزمات "الطائفية" الملتهبة في نفس الوقت، مما يشي باتساع رقعة مسببات الانفجار، فإن التركيز الإعلامي كان حول موضوع شروع زوجة كاهن في التحول إلى الإسلام، ثم عدولها؛ وذلك لما في الحدث من عناصر درامية، ومن لمسِه لأعصابٍ مكشوفة في جسد المجتمع، وأيضا لإلهاء الجميع عن العاهات التي تعاني منها حقوق المواطنة في مصر والتي ترفض الدولة بعناد الاقتراب منها؛ بل إن مجلس "الشعب" قد هرب من دوره المفترض وقرر دفن طلبات الإحاطة حول الأحداث.

(1)
باستثناءٍ يكاد يكون وحيدا، على يد د. رفعت السعيد، فقد لجأ مماليك الصحافة "القومية" و "المستقلة" إلى التعمية المعتادة والمتعمدة للحقائق، وانغمسوا بدلا من ذلك في حملة هائجة ومسعورة، تذَكر أثناءها بعضُهم ماحدث في صلح الحديبية (؟!)، كما تذكر "إخوة" لهم فجأة "الحرية الدينية" التي "امتهنتها ضغوط الكنيسة من أجل إجبار شخص على عدم الاهتداء". وتساءل آخرون عن "الدور السياسي الذي تلعبه الكنيسة" (وهو دورٌ يُطلب منها أن تمارسه كل يوم في إطار تعضيد الدولة وسياساتها، أو في إطار النفاق المجتمعي الذي يهوي "إخفاء المشاكل تحت السجادة"؛ ولكنه يصبح مستهجنا إذا خرج عنه..). ونُقِل عن مسئول كبير قوله أن "الإخوة الأقباط" ينبغى أن يكونوا سعداء إذ أن "مشكلة الهمايوني قد حلت ولم يعد بناء الكنائس يحتاج إلى قرارات جمهورية" (وهذه أكاذيب يعرف قائلُها أنها أكاذيب، ويعرف أن الكل يعرف أنها أكذيب). وأكد أحدهم متباهيا أن برنامجا تلفازيا للجيولوجي إياه كان السبب في "هداية" المرأة التي دار حولها الجدل. وبالطبع لم تعتر وجهَ الكاتبِ حُمرةُ الخجل أو حتى سُمرتُه؛ إذ يؤكد من حيث لا يدري (أو يدري) على عمليات غسيل المخ التي تجري في مصر بدون حتى حق الرد على ما يقال.
فالحقيقة أن الدولة شبه الثيوقراطية تتحكم ليس فقط في حياة المواطنين من المهد إلى اللحد، بل تزعم أنها مسئولة قبل كل شيء (وبسبب فشلها في مهمتها الأصلية)، عما يحدث لهم فيما بعد اللحد، وتشغل نفسها بمواقع سكناهم في الآخرة. وفي سبيل ذلك فقد تحولت إلى داعية هوسي للهداية؛ وتسمح لنفسها بأن ترعى، بلا حياء، أساليب جوبلزية مقززة للدعاية الدينية على مدار الساعة واليوم والأسبوع والشهر والسنة؛ عبر الإذاعات والتلفاز والصحافة والتعليم والنشر والإنترنت والميكروفونات والكاسيتات، لتصل إلى الناس في البيوت والمكاتب والمدارس والشوارع والمترو والتاكسي الخ؛ بحيث يستحيل عليك أن تجد سنتيمترا مكعبا واحدا في مصر لا تصله "الرسالة". وفي النهاية، يجد من لا يتبع "الدينَ الحق" نفسَه محاصرا إلى حد الاختناق، وليس أمامه سوى التحول أو دفع الثمن الغالي أو الموت كمدا. (أي المعادل العصري للثلاثية العتيدة: الإسلام أو الجزية أو السيف).
ولا شك أن المرحوم جوبلز يتقلب في قبره غيرة من الذين فاقوه في شمولية وتركيز دعاياتهم، وأيضا من استخدامهم لوسائل لم تكن متاحة على أيامه. [والغريب أن جوبلزات اليوم ليس عندهم صبر حتى على برنامج يتيم يقال أن أحد الكهنة "يهاجم فيه الإسلام"؛ برغم كونه (بحسب ما نعلم) لا يدوم لأكثر من ساعة أسبوعيا على قناة فضائية غير مطروقة، ولم يقل أحد أنه دعا لتكفير المسلمين وقتالهم؛ أي إنه لا يمثل أكثر من واحد على مائة ألف من شلالات الدعاية ومهاجمة الكفار التي تغمر أرجاء مصر].
المهم أنه مع الحصار الذي يقع "الكفار" تحت وطأته الساحقة، وإذ تُداس مشاعرُهم وكرامتُهم ومصالحُهم في شتى أوجه حياتهم بلا حياء، وتُنتهك مواطنتُهم كل يوم بلا مواربة؛ يحدث عند نقطة معينة أن يفيض الكيل وينكسر حاجز المناعة النفسية أمام أمور قد يبدو أنها لا تستحق، وعندها تقفز للسطح هواجسٌ من عينة "لم يبق إلا أن يأخذوا زوجاتنا وبناتنا". وهذا يفسر تصرف البعض أثناء الأزمة، وخاصة ما شاب المظاهرات من انفعال عفوي يصعب معه توقع الكثير من العقلانية...

(2)
حان الوقت لكي نسلم بالبديهية الحقوقإنسانية التي يتردد الكثيرون في قبولها (برغم مزاعمهم بالعكس، كنوع من المباهاة) حول حرية الضمير وحق الإنسان في التحول لاتباع دين آخر (أو عدم اتباع أي دين) بما يتفق مع اقتناعاته ومسئوليته الشخصية.... بشرط ألا يكون خاضعا لأي نوع من الضغط أو الابتزاز أو الغواية المادية أو المعنوية. وبغض النظر عما يقال حول العمليات المنظَمة للهداية بشتى السبل، فإن لم يكن الحصارُ المذكور أعلاه نوعاً من الضغوط المعنوية الساحقة فماذا يكون؟ [بالإضافة إلى التحول تحت ضغط، هناك بالطبع ما يتم عن اقتناع أو لأسباب انتهازية تتعلق بالزواج أو الطلاق أو غير ذلك...].
وبعد ذلك هناك سؤالٌ يتردد أحيانا: ماذا سيكسب المسلمون أو يخسر المسيحيون (أو العكس) بتحول حفنة أفراد من دين إلى الآخر؟
يقال أن هناك بضعة آلاف يهتدون إلى الإسلام في مصر سنويا. وفي المقابل هناك بضع مئات ممن يضلون طريقهم في الاتجاه العكسي ـ وهؤلاء عادة هم من الفدائيين الانتحاريين الذين تتحول حياتهم إلى جحيم ولا يمكنهم حتى تغيير خانة الديانة في البطاقة الشخصية نتيجة لرفض أجهزة الدولة.
الإجابة "الحسابية" عن المكسب أو الخسارة هي: "لا أهمية كبيرة"، لأن عدد المتحولين، وإن مثـل نزيفا صغيرا للأقلية، لا يشكل بالنسبة للأغلبية سوى قطرة في بحر التكاثر السكاني (اللهم لا حسد) الذي يفوق المليون في السنة. ولكن الإجابة "النفسية"، من ناحية أخرى، تعني الكثير. فالحقيقة أنه مع تقهقر مرجعية المواطنة أصبح هناك شعور بالمنافسة على الساحة المصرية، يشبه مايدور في مباراة ملاكمة. صحيح أنها، بالنظر إلى الإمكانيات المتاحة (أُنظر أعلاه)، تدور بين ملاكم من وزن "ثقيل الثقيل"، لا يتورع عن الضرب تحت الحزام أو بالشلوت، وبين ملاكم وزن "خفيف الريشة"، لا يحق له حتى أن يلبس قفاز الملاكمة أو القبعة الواقية، ولذا يشعر بالغبن الفاحش ولكنه مصمم على التحدي والتشبث. وهكذا يُعَول كلا الملاكمَين ومشجعوهُما، كثيرا على ما يحدث على الحلبة، ويصبح النجاح في تحول (أو منع تحول) شخص عن دينه دليلَ انتصار، أو مقاومة. أي إن المباراة تعكس مشاكل حياتية أخرى، وتحتوي بداخلها على عناصر الكثير من العقد النفسية الجماعية، من الشعور بالنقص والانفصام والرغبة في التسلط إلى الشعور بالخوف والعار والاضطهاد، التي أضحت تسيطر على المجتمع.

(3)
فلنحاول أن نتذكر ما يحدث في العالم المتحضر (وبهذا نعني أساسا أوروبا وأمريكا واستراليا واليابان) فيما يتعلق بالديانة. الدولة هناك ليس فقط لا شأن لها بالدين (أي إنها لا تساند دينا معينا، ناهيك عن "التبشير" به)، بل من المحظور قانونا سؤالُ إنسانٍ عن ديانته سواء في نطاق أوراق رسمية أو عند التقدم لشغل وظيفة الخ. وكل ما يذاع حول أعداد التابعين لديانات بعينها ليس إلا نتيجة دراسات واستفتاءات رأي تقوم بها مؤسسات بحثية.
وكون الإنسان مؤمنا بدين معين، أو غير مؤمن، هو أمر لا يخص أحدا سواه. وإذا وجب أن يسجل نفسه لدى الجهة الدينية التي ينتمي (أو قرر أن ينتمي) إليها، فهذا من قبيل الالتزام الأدبي والأخلاقي، الذي لا يخص أحدا غيرهما. وليس هناك في القوانين ما يترتب على الديانة: فالزواجُ إجراءٌ مدنيٌ لا ذكر في وثائِقه لديانة أي من طرفيه، (وإن كان من المعتاد أن يتبع الزواجَ أمام موثق مسئول من الدولة، زواجٌ دينيٌ لمن يرغب في ذلك). وتنشئةُ الأبناء طبقا لعقيدة دينية بعينها هو أمرٌ يحدده الوالدان، حتى يصل الأبناء إلى سن الرشد. والإرث يخضع لوصية المتوفي والقوانين المطبقة، ولا علاقة له بالدين. الخ.

(4)
إن كان النظام شبه الثيوقراطي مستمرا في مقاومة التغيير وفي رفض معالجة قضية المواطنة بصورة شاملة، ألم يحن الوقت لنزع فتيل الانفجار من موضوع واحد، وليكن التحول الديني في مصر، عن طريق مواجهته بصراحة؟
وإن كان المجتمع المحتقن المتخلف غيرَ مؤهلٍ للتعامل مع الموضوع مثلما يحدث في العالم المتحضر، وإذا كان خروج الدولة منه في الوقت الحالي قد يفتح الباب لتفشي عصابات التحويل الديني المنظم، فلماذا لا يتم على الأقل إعداد قانون واضح حول إجراءات التحول من أي دين إلى آخر (نكرر: "أي دين إلى آخر") يسري مفعولُه لفترة محددة، لتكن ثلاث إلى خمس سنوات، تُرفع بعدها خانة "الديانة" من البطاقة الشخصية. ويُراعى في هذا القانون ما يلي:
ـ حظر البدء في إجراءات التحول قبل بلوغ سن "أهلية الزواج" في القوانين الحالية، أي 21 سنة، وذلك فيما عدا حالة تحول الوالدين (المرتبطين برباط الزواج) معا في نفس الوقت. واعتبار أن السعي لتحويل من يقل عمره عن ذلك، تحت أي مسمى ولأي سبب (مثل الزواج)، جريمة تخضع لقوانين خطف وغواية القصر الحالية.
ـ نزع الموضوع من أيدي الأمن تماما، وتشكيل لجان قضائية خماسية للتعامل مع الأمر، يرأس كلا منها قاض (مستشار)، وأعضاؤها عددٌ متساوٍ من المسلمين والمسيحيين.
ـ إذ يتقدم الراغب (الراشد) في التحول بطلبه، على اللجنة التأكد من انتفاء أسباب التغرير والغواية والتلاعب ومن توافر الإرادة الحرة. وفي حالة الموافقة (بأغلبية أربعة أصوات)، تقوم اللجنة بإخطار الرئاسة الدينية التابع لها الطالب، وتصرح له بإشهار ديانته الجديدة عند الجهة الدينية المختصة وفي الشهر العقاري. وبعدها تلتزم إدارات الأحوال المدنية بالتغيير الفوري لديانة الطالب في سجلاتها.
ـ لا يترتب على التحول أي تبعات يتحملها آخرون من العائلة (مثل الإجراءات الهمجية التي تسعى لإرغام الأطفال القصر على اتباع "الديانة الأفضل" لأحد الوالدين).
ـ لا يترتب على تحول المتزوج إمكانية الارتباط بطرف آخر قبل إتمام إجراءات الطلاق طبقا لقوانين الأحوال الشخصية، مع الالتزام بمبدأ "العقد شريعة المتعاقدين".
ـ للمتحول حق الرجوع إلى ديانته الأصلية في أي وقت وبدون التقدم إلى اللجنة المذكورة، عن طريق مكاتب الشهر العقاري، وبعدها تلتزم الأحوال المدنية فورا بالتغيير الجديد؛ مع وضع ضوابط معقولة لكي لا يصبح التحول وسيلة للالتفاف حول قوانين الأحوال الشخصية عند المسيحيين. (وفي هذا الصدد لا بد من سرعة اعتماد قانون جديد تتفق عليه كافة الطوائف، إضافة إلى قانون مدني).
ـ لا علاقة للدولة بالتحول المذهبي داخل الدين الواحد، ولا يترتب عليه أي تبعات قانونية.
ومع شفافية الإجراءات واستقرارها وخروجها من دائرة التحيز البيروقراطي، سيقع على أهل كل دين مسئولية "الوقاية"، ويبقى للإنسان الفرد الراشد الحق في اتباع ماشاء، طبقا لضميره ولإرادته الحرة، وبدون الوقوع في حبائل عصابات الخطف المادي أو المعنوي.

[email protected]