قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

شرعية الأنظمة الملكية
لا نأتي بجديد إذا قلنا أن النظام الملكي يتضارب مع الدين الإسلامي ومع الديمقراطية. فالإسلام اختار الخليفة عن طريق الشورى ولم يقر انتقال السلطة عن طريق الوراثة. وهكذا تم اختيار الخلفاء الراشدين عن طريق الشورى. ولما نقول الشورى، لا نعني أن كل الجماهير كانت تشترك في التصويت، بل النخبة فقط، حيث كانت الديمقراطية في فجر الإسلام تمر في مراحلها الجنينية، وهذا مقبول وفق معايير تلك المرحلة. ولم تتحول الخلافة إلى وراثة إلا بعد أن قام معاوية بذلك وكان عمله هذا مخالفة كبرى لمبدأ جوهري من مبادئ الإسلام. إذ ينقل عن الرسول (ص) قوله: ( الخلافة ثلاثون عاماً ثم تصير ملكاً عضوضاً). ومعاوية الأموي هو الذي أحالها إلى ملك عضوض وراثي بعد أن اغتصبها من الخليفة الشرعي الإمام علي (ع)، المنتخب من الجماهير وليس من النخبة فقط . كذلك يقول الله تعالى في محكم كتابه المجيد: (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة). ولذلك نعتقد أن الإسلام ضد النظام الملكي. ولهذا السبب أيضاً، فعندما نجحت الثورة الإسلامية في إيران بقيادة آية الله روح الله الخميني، اختار الإسلاميون النظام الجمهوري.
أما الديمقراطية الحديثة فتعني، (الحكم للشعب ومن الشعب وإلى الشعب)، أي أن الشعب هو مصدر السلطات يختار الحكام عن طريق الانتخابات الحرة والنزيهة. فالناس إما أن يختاروا رئيساً تنفيذياً للجمهورية، إضافة إلى انتخاب أعضاء البرلمان (مجلس نواب الشعب) كما في فرنسا وأمريكا ودول ديمقراطية أخرى، أو ينتخبون أعضاء مجلس البرلمان والذي بدوره يختار رئيس الجمهورية، وفي هذه الحالة يكون منصب الرئيس شرفي وليس تنفيذي، كما هي في الهند وألمانيا وإيطاليا وغيرها. ونعتقد أن النوع الأخير هو الأنسب للعراق. (راجع مقالنا: أي نظام رئاسي يصلح للعراق؟).
قد يعترض دعاة الملكية فيقولون،: وهذا بالضبط ما يريدوه الملكيون، أي استفتاء الشعب في اختيار النظام الملكي أو الجمهوري. ولكن مهلاً، وماذا عن ولي العهد الذي سيخلف الملك المنتخب؟ فهل سيقوم الشعب بانتخاب ولي العهد والذي يليه كلما مات ملك؟ فالأنظمة الملكية لا تسمح بذلك، بل الذي يقرر ولي العهد هو نسبه إلى الملك وليس عمله وكفاءته. وقد أثيرت هذه المسألة في الأيام الأولى من تأسيس الدولة العراقية في بداية القرن الماضي. وكان هناك اتجاه جمهوري لدى البعض من قادة ثورة العشرين.

يدعي دعاة الملكية أن الشعب العراقي هو الذي اختار النظام الملكي بعد ثورة العشرين والأمير فيصل بن الشريف حسين تحديداً ليكون ملكاً على العراق. في الواقع إن البريطانيين لعبوا دوراً أساسياً بتأسيس الدولة العراقية وإقامة النظام الملكي في مؤتمر القاهرة الذي حضره تشرتشرل وأعلن ترشيح الأمير فيصل ملكاً على العراق بناءً على تأكيدات المس بيل، أما الاستفتاء فكان مجرد إجراء صوري. (عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي الحديث، ج1، ص 218). وكان هناك نشاط عند البعض لقيام نظام جمهوري، وعلى رأسهم السيد توفيق الخالدي الذي صار وزيراً للداخلية لفترة محدودة. وخلافاً لما قاله أحد دعاة الملكية أن الخالدي كان حراً في دعوته للجمهورية ولم يحاسبه أحد، في الحقيقة، قتل الخالدي في مساء اليوم 22 شباط 1924 ولم يعتقل القاتل. (عبد الرزاق الحسني، تاريخ العراق السياسي، ج3 ص29).

أما موقف نقيب الأشراف السيد عبد الرحمن النقيب من ترشيح الأمير فيصل للعرش العراقي، فتقول مس بل في المذكرة التي رفعتها إلى الحكومة البريطانية في شباط 1919، ونشرها أي. تي. ولسن في كتابه أن النقيب صرح لها قائلاً: "أما بالنظر إلى الحكومة العراقية فإن مقتي للإدارة التركية الحالية معروف لديكم، إلا إني أفضل عودة الترك ألف مرة على أن أرى الشريف أو أحد أنجاله يحكمون هذه البلاد" (نفس المصدر، ج1، ص205). كما وينقل الحسني عن أمين الريحاني قوله: (إن فضل الحكومة البريطانية في تتويج فيصل يوازي في الأقل فضل العراقيين الذين بايعوه.)، (أمين الريحاني، في كتاب ملوك العرب، ج2، ص276- هامش من كتاب الحسني, ص234). كما رفض المرجع الديني الشيعي الأعلى السيد كاظم اليزدي إعطاء رأي قاطع عن نوعية النظام الذي سيكون عليه العراق لإلى أن توفى رحمه الله. وهذا يعني أنه لم يكن راضياً عن قبام نظام ملكي، وكان الرجل بتجنب المواجهة، كما هو معروف عنه.(نفس المصدر).

خلاصة القول، إن دور العراقيين في اختيار النظام الملكي والأمير فيصل ملكاً على العراق كان هامشياً. على أي حال هذا لا يقلل من الدور المشرف الذي لعبه الملك فيصل الأول في الدولة العراقية وإرساء مؤسساتها، ولكن الذين جاءوا من بعده قد ساهموا مساهمة فعالة في هدمها. وهذه الشهادة ليست تزكية للنظام الملكي، كما حاول مرة الدكتور حسين أبو السعود أن يلوي عنق الحقيقة، فاعتبر ثنائي على الملك فيصل الأول وبعض الإيجابيات عن العهد الملكي، كما كتب الصديق عزيز الحاج المضمون ذاته، فاستغل الكاتب موقفنا هذا وكتب مقالاً في إيلاف بعنوان (بعد عزيز الحاج د. عبدالخالق حسين يزكي الملكية). والأمر لم يكن كذلك، بل يدل على مدى التزامنا بالموضوعية، وهذا هو الفرق بيننا وبين دعاة الملكية الذين يرون النظام الجمهوري كله شر والملكي كله خير.

تأسيس الدولة العراقية
لقد تم تأسيس الدولة العراقية بعد تحريره من الاستعمار التركي المتخلف الذي دام أربعمائة سنة. وكان مخططاً أن يفرض عليه الإنكليز استعماراً استيطانياً، وذلك بجلب حوالي ثلاثة ملايين هندي وإسكانهم في العراق في الوقت الذي كان تعداد الشعب العراقي بدابة القرن الماضي لا يتعدى مليون ونصف المليون نسمة. وبذلك كانوا يحولون الشعب العراقي إلى أقلية في وطنه كما هي الحال في جزيرة فيجي. ولكن ثورة العشرين هي التي غيرت عليهم حساباتهم فقرروا تأسيس دولة عراقية وحكم وطني وملك عربي وهم يحكمون من وراء الكواليس وفق معاهدات خاصة. لذا فالإدعاء بأن الملك فيصل الأول هو مؤسس الدولة العراقية، قول يجانب الحقيقة. نعم، نحن لا نريد أن نغمط دور الرجل، فهو أحد المشاركين في تأسيس الدولة العراقية، والجهة التي جاءت بفيصل ملكاً على العراق هي بريطانيا وبتوصية وجهود المس بيل. ولكن والحق يقال، كان الملك فيصل يتمتع بالحكمة والخبرة، خاصة بعد فشله الذريع في سوريا وطرده منها على أيدي القوات الفنرنسية في واقعة ميسلون. لذلك فقول الأخ مصطفى قراداغي أن الملك فيصل الأول هو مؤسس الدولة العراقية الحديثة "والذي لولاه ما كان لهذه الدولة الفتية أن ترى النور .." مغالطة فضيعة ضد الحقائق التاريخية واستهانة بالشعب العراقي. فما هو دور الملك فيصل في تأسيس الدول العربية الأخرى في القرن العشرين؟ وإذا استطاعت تلك الشعوب أن تؤسس دولها الوطنية، فلماذا لم يستطع الشعب العراقي إقامة دولته بدون الملك فيصل؟ علماً بأن فيصل حاول تأسيس دولة في سوريا وفشل وطرد منها. ومن هنا نعرف أن كلام السيد قره داغي خال من أي سند تاريخي، بل هو يبني استنتاجاته على العواطف والتمنيات أسوة بأنصار الملكية الآخرين.

ويركز الأخ قره داغي في أحقية الشريف علي بالعرش العراقي على أنه: (... سليل هذه العائلة الكريمة العراقي المولد والأصيل النسب والنقي السريرة والرفيع الخلق والثقافة بشهادة كل من التقى به وعرفه". أليس هذا الكلام عاطفي بحت؟ إن صدام حسين هو الآخر أدعى أنه سليل أهل البيت, ومتى كان النسب يشكل سبباً لتبوئ المناصب؟ ويتوصل الكاتب إلى بيت القصيد فيقول: (لذا فأن نظام ملكي دستوري وملك مصون غير مسؤول كسمو الشريف علي بن الحسين سيشكلان الضمانة الوحيدة لبناء عراق موحد ديمقراطي دستوري مستقر ولكبح جماح أي شخص أو حزب قد يفكر أو يسعى في يوم ما للسطو على السلطة في ليلة ظلماء لاختطاف العراق وادخاله في نفق مظلم جديد كذلك النفق المظلم الذي دخله العراق صبيحة الرابع عشر من تموز عام 1958). والجواب على ذلك نقول: إن العراق كان يحكمه ( نظام ملكي دستوري وملك مصون غير مسؤول....) ولكنه فشل في (.. بناء عراق موحد ديمقراطي دستوري مستقر وكبح جماح أي شخص أو حزب قد يفكر أو يسعى في يوم ما للسطو على السلطة في ليلة ظلماء...). إذ كان العهد الملكي حافلاً بانتفاضات في كل العراق وكذلك الثورة الكردية حيث تم نفي البارزانيين إلى روسيا..الخ. وإذا فشل النظام الملكي أن يكون صمام أمان في القرن العشرين فلماذا نعيد التجربة ذاتها في القرن الحادي والعشرين. وهذا يعني، فيما لو أعيد النظام الملكي، فسوف يبدأ العراق من المربع الأول مرة أخرى ونعيد جميع الكوارث التي مر بها العراق في القرن الماضي. وعليه، فالحكمة تقولك (لا يلدغ العاقل من جحر مرتين). وبناءً على ما تقدم، نعتقد أن عودة الملكية لا حظ لها من النجاح وإن تحققت فهي كارثة ووصفة لإعادة الكوارث التي مرت بالعراق. ودعاة الملكية يعرفون ذلك جيداً، والظروف التي يعيشها العراق في بداية القرن الحادي والعشرين تختلف كثيراً عن تلك في بداية القرن الماضي. فلماذا يعيد العراق نظاماً أثبت فشله مسبقاً.

بعد تأسيس الحركة الملكية في لندن، نشر أحد نشطاء الحركة كتاباً قال في مقدمته أنه مسودة لدستور النظام الملكي القادم بعد سقوط نظام صدام حسين. وراح في هذا الكتاب يتهجم على منجزات ثورة 14 تموز والقوانين التقدمية التي أصدرتها الثورة ومنها قانون الإصلاح الزراعي. فاقترح المؤلف أنه عند قيام النظام الملكي يجب إلغاء هذا القانون وإعادة الأراضي الزراعية من الفلاحين إلى الإقطاعيين وتعويض الملاكين (الإقطاعيين) عن جميع الأضرار المادية التي لحقت بهم منذ صدور القانون في أيلول 1958 وحتى الآن!!!!
مسكين هذا الشعب، محكوم عليه بلعنة التعويضات، ليس لدفع مئات المليارات إلى العالم نتيجة الحروب العبثية البعثية، بل وحتى إلى الإقطاعيين في الداخل، وهذا يعني أن الشعب العراقي محكوم عليه بالفقر المدقع إلى الأبد. هل هذا هو ما تبشرون به في عودة النظام الملكي؟ أم إنه دعاية للترحم على عهد صدام حسين؟

يتبع