قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

هل ثمة منهجية ومعايير؟

ظللت في كل ما أكتب وما أتحدث، سواء عبر المحاضرات الأكاديمية أو العامة، أُلح على ضرورة ترسيخ الفهم المؤسسي، وإشاعة الثقافية المؤسسية في كل أمورنا، وكنت، ولا زلت أطالب بإبعاد هذا الشبح الهلامي وهو مبدأ الارتكاز على الشخصنة، ولكن لا حياة لمن تنادي.


دور الحواضن تاريخياً
كنت أظن أن أدائنا الإداري يحتاج إلى ترسيخ هذه القاعدة في مجالات العمل الخاص والعام مثل الاقتصاد وإدارة الشئون المؤسسية، ولكن أن يمتد داء الشخصنة إلى مجال الفكر، فهذا ما لم يخطر على بالي في يوم من الأيام.
ولنأخذ مثالاً على ذلك مؤسسة الفكر العربي.
ودعنا نقر أولاً أن الفكرة في حد ذاتها جيدة ولا غبار عليها.
بل هي ضرورية وحيوية.
ولكن من أي زاوية؟.
هذا هو السؤال الذي تحدد إجابته جدوى هذه المؤسسة.
فهي ضرورية وحيوية إذا كانت تقوم بوظيفتها كحاضنة للفكر والمفكر العربي الذي يُعمل عقله في سبيل البحث عن أفق لنهضة هذه الأمة، وكمؤسسة مدنية تستند في عملها المؤسسي على معايير الكفاءة والموضوعية.
ففي تاريخ الحضارة الإسلامية كانت الدولة هي التي تقوم بإنشاء دور الحواضن الفكرية والثقافية، وستظل الدار التي أنشأها الخليفة المأمون واحدة من أقوى الشواهد والمعالم على هذا الدور وهذه الوظيفة، وإن سبقتها مكتبة الإسكندرية في العصر الروماني.
لقد عملت هذه الدور والمؤسسات على نشر الفكر الثقافة، وكانت من أكبر عوامل النهضة عبر العصور، حيث تعاملت مع الفكر الإنساني وفق أسس ومعايير الجدارة والكفاءة. وترى مثلاً واضحاً لذلك عندما أمر المأمون بترجمة أعمال أرسطو، وقام بهذه المهمة مترجمون يهود يعيشون في المجتمعات الإسلامية ويتقنون اللغتين العربية واليونانية، في حين أن الحاكم عربي ومسلم.


ولكن ما هي المعيارية؟
هذه المؤسسات، تاريخياً، لم تكن تهتم، أو لم يكن اهتمامها ينصب فقط على الفكر، ولكنها قامت بدورها أيضاً كحواضن للمفكرين الذين تنتج عقولهم هذا الفكر، فقد حفظت كرامتهم وهيأت لهم سبل العيش، والظروف التي تساعدهم وتحفزهم على الإنتاج.
وفي أوربا إبان عصر النهضة كان الأمراء والإقطاعيون وطبقة النبلاء يقومون بهذا الدور، فبتهوفن مثلاً وكل الفلاسفة هيأ لهم أولئك الظروف المادية التي تساعدهم على الإنتاج الفكري والثقافي والموسيقى، حتى يتفرغوا للإبداع.
ولكن وفي الحالتين، سواءً في عمل المؤسسات أو الأفراد كحواضن للفكر والمفكرين كانت توجد معيارية لاستحقاق هذا الاحتضان، وهي الإبداع والكفاءة والجدارة.
وهو كما ترى معيار مؤسسي موضوعي لا يخضع للأهواء والمزاج الشخصي.
وفي ظل هذا النوع من المعيارية يكون نوع الإنتاج الفكري هو الحكم الفيصل في التقييم.
لا دخل في ذلك لشخص المفكر أو مزاج المؤسسة أو الفرد.
لأنك، وفي كل الأحوال، لا يمكنك أن تُنصِّب شخصاً مفكراً لمجرد أنك تحبه أو تستلطفه أو لأنه يمت لك بصلة ما أسرية أو اجتماعية أو طبقية.

موقع مؤسسة الفكر العربي:
لقد امتلأت فرحاً حين عرفت إزماع الأمير خالد الفيصل على تأسيس مؤسسة الفكر، وذلك لعدة أسباب :
منها أنه مثقف وشاعر وتشكيلي متعدد المواهب..
ثم هو مسؤول أستطاع أن يوظف قدراته وسلطاته لجعل منطقة عسير رقماً لا يمكن تجاهله في مناطق المملكة من كل النواحي، أي أنه يتمتع بقدرات إدارية كبيرة.
ثم إن مبادرة إنشاء المؤسسة تكشف عن وعيه بأهمية وضرورة وجدوى هذه الحواضن الفكرية.
إلا أن تنفيذ هذه الفكرة كان ضعيفاً ومخيباً للآمال، وبشكلها هذا لا أظن المؤسسة ستلبي طموحات القائمين ولا الذين يعلقون آمالاً عراضاً عليها، وإنما ستكون مجرد واجهةً ديكورية لعنوان كبير، واعتقد جازماً أن هذه ليست نوايا وأهداف الأمير خالد الفيصل عندما أقدم على هذه المبادرة القوية والجريئة والشجاعة.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو : أين الخلل؟.
الخطأ في وجهة نظرنا يبدو واضحاً، وقد ظللت أشير إليه وأنبه في كل ما أكتب. ويتمثل في عدم اعتماد معيارية موضوعية في إدارة المؤسسات، الأمر الذي يجعل من مزاج وأهواء ورأي ووجهة نظر المسؤول الشخصية هي المعيار بلا ملامح واضحة.


وما دورها التاريخي؟
ومع عميق احترامي لجميع القائمين على أمر مؤسسة الفكر العربي وكل العاملين والمتعاملين معها أريد أن أطرح سؤالاً ما المعيار الذي بموجبه تم اختيارهم؟.
لا أقصد أن أقلل من قدراتهم، ولكن ربما، بل وبالتأكيد هم يتمتعون بمهاراتٍ، ربما تكون جديرة وفاعلة في مجالات أخرى، أما مؤسسة للفكر العربي بالمستوى الذي طرحته.. فلا.
ثمة ما يؤكد أنهم ليسوا الأجدر، على الأقل في هذا المجال، لأننا نعلم إدارياً بأن الأمور تُقاس بنتائجها.
ما هو الدور المؤثر الذي قامت به هذه المؤسسة منذ إنشائها حتى هذه اللحظة؟.
لقد قدم مركز دراسات الوحدة العربية مثلاً خدمة كبيرة للفكر العربي بما لا يقارن بما قدمته مؤسسة الفكر العربي، وثمة عناوين كثيرة يمكن أن تطرح في إطار هذه المقارنة، مثل مركز ابن خلدون الذي يرأسه سعد الدين إبراهيم رغم ما يثار من لغط حول أهدافه وارتباطاته الأمريكية ومنتدى الفكر العربي الذي يرأسه الأمير الحسن في الأردن، بل وقد تمتد المقارنة لتشمل دور نشر أصبحت منارات تنويرية مثل " دار الآداب " و " دار الطليعة " و " دار الفكر المعاصر " التي أثْرتْ حركة الفكر العربي ولعبت دوراً نهضوياً مؤثراً وملموساً.
في مقابل ذلك ماذا قدمت مؤسسة الفكر العربي؟.
هل نكتفي بملتقياتها ومؤتمراتها الديكورية الشكلية والباذخة لنهنئ أنفسنا بأننا بالفعل نؤثر إيجاباً في حركة الفكر العربي؟.
إن أخشى ما أخشاه أننا وبهذه المهرجانات الضخمة والمكلفة مادياً نؤكد ما يروج له بعض المفكرين والكتاب العرب حين يتحدثون عن " الثقافة النفطية " التي تتميز بالبهارج الشكلية والاهتمام بالمظهر البراق بينما هي تعاني من فقر مدقع في مضمونها.
وهذا هو الطريق التي تسير فيه مؤسسة الفكر العربي.


وهل هذا يكفي؟
دعنا نتأمل المؤتمرات والمهرجانات التي تقيمها هذه المؤسسة وملتقياتها الفكرية، لنرى العجب.
من الواضح أن ليس هناك معايير موضوعية ومؤسسية في اختيار المشاركين.
هل تتبنى المؤسسة معايير محددة في تعريف من هو المفكر الذي تدعوه بهذه الصفة إلى ملتقياتها؟.
هل تضع خطة معينة مبنية على رؤية واضحة لقضايا واقعنا العربي الذي تطمح إلى تغييره؟.
وما هي هذه المعايير التي بموجبها يتم تصنيف المفكرين من غيرهم؟ والخطط الموضوعية والقضايا المطروحة لتغيير هذا الواقع المزري؟.
لا تستطيع مهما أوتيت من عبقرية على تبين كل ذلك.
نعم مجال القضايا الفكرية التي يمكن أن يعمل عليها المفكرون كثيرة ومتنوعة لأنها تمس كل شؤون حياة الإنسان، والقضايا التي يُعمل بها فيها هؤلاء فكرهم فيما يخصهم هم كثيرة ومتعددة ومتنوعة، فما الجدول الذي وضعته المؤسسة والقائمون عليها للعمل وفقه؟.
لا أحد يدري !.
ولكن التخبط الإداري وعدم التخطيط يبدو لك واضحاً حين تعرف الأشخاص الذين يدعون إلى منتديات أو لقاءات هذه المؤسسة، وهي لقاءات اجتماعية بحتة.
لأن الأمة العربية تعج بالمفكرين والمثقفين والمبدعين الكبار، ولكنهم مشتتون في أصقاع الأرض، وهناك المهمشون في الوطن العربي من أعظم العقول بسبب مواقفهم الفكرية والسياسية، وهناك من يقبعون في السجون، أين موقع هؤلاء في اهتمامات مؤسسة الفكر العربي، أليس لهم من وجود؟.
هم موجودون سواءً شئنا أم أبينا.
فهل هذه المؤسسة سلطوية ولا تعترف إلا بمن يحملون صكوك الرضا من السلطات العربية أو القائمين على إدارة المؤسسة.
أخشى ما أخشاه أن مصيبتنا أكبر مما كنا نتصور حين تصل الشخصنة إلى مجال الفكر.

أكاديمي وكاتب سعودي

[email protected]