قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

سيطرت دعوات لإصلاح الأنظمة العربية الحاكمة خلال العام 2004 ؛ وكانت مصطلحات ومفردات " فساد نخب الحكم " والدعوة لمكافحة فساد الحكومات المفردات الأكثر بروزا وشهرة في وسائل الإعلام، وكيف نقيم الديمقراطية وما تتعرض له المعارضات العربية وأطيافها من تضييق رسمي. لكن أحدا لم يشر، من خلال عين مراقبة وموضوعية غير متحيزة، إلى فساد قسم لا بأس من القوى التي تدعو لمكافحة الفساد، ودكتاتورية نخب معارضة تطالب بالديمقراطية، ورجعية وتقوقع قوى تطالب بالانفتاح على الغرب.
وعلى مدار عقود خلت، صوّرت مقالات كثيرة وأبحاث عديدة علاقة السلطة والمعارضة في العالم العربي كعلاقة الديك والدجاجة، حيث يلاحق ديك السلطة دجاجات المعارضة وينقرهن ويشبعهن ضربا مبرحا. لكن، وعطفا على مقدمة المقال، اختفت الإشارة العلمية الموضوعية الدقيقة لوجود بعض قوى المعارضة التي يمكن أن تكون " ديكاً " بسبب خشونة أفكارها وظلاميتها أكثر من السلطة التي تكون في هذه الحالة دجاجة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، ما هو الفرق بين نظام صدام الذي اقترف جرائم حرب ( بحسب منظمات حقوق الإنسان العالمية لا العربية! ) والجماعات التي تقتل المدنيين على مسالخ دموية ؟ لا فرق – بل إن هذه الجماعات أكثر ظلامية من النظام لأنها تقتل وتذبح باسم الدين الإسلامي، وهو دين من جوهره الفكر والأدب والتسامح وخير دليل شجاعة وتسامح علي وعدل عمر.
لدى قراءتي لفقرات وردت في وثيقة جديدة أصدرها حزب يساري سوري معارض، عثرت على مطالب بالديمقراطية وحقوق الإنسان، ودعوات إلى بناء مجتمع حر. هذه سطور جميلة تزينها مفردات أجمل، ولكن وصلت إلى جملة مفادها " الدعوة إلى حل الأحلاف العسكرية ومنها حلف الأطلسي ". في الحال تذكرت جملا، ليست مشابهة، وإنما موازية، مثل " تحية إلى الرفاق في الصومال وجيبوتي أو كوريا الشمالية "!
حزب معارض، أُنهكت قواه، ويعاني انقسام كوادره، وهو في مرحلة إعادة بناء إذا جاز التعبير، يطالب بحل حلف الأطلسي! لم أعرف كيف أفسّر هذه الجملة، كيف نفكك حلف الأطلسي ؟ وما هي الأدوات التي نملكها في هذا الحزب لتفكيك حلف الأطلسي ومن سيقف معنا ؟. ثم، هل مجموعة من الكتب النظرية والكراسات والدفاتر الماركسية أو " الاجتماعية " قادرة على تفكيك حلف الأطلسي، وكم يملك هذا الحزب أو ذاك من صواريخ عابرة للقارات حتى يهدد ذلك الحلف ؟؟. مثلا، الإتحاد السوفيتي السابق وزّع كتبا وكراسات حمراء بملايين الأطنان على العالم، وذهبت كلها بذهابه مع الريح، وقد يكون رقيب في المخابرات الأمريكية وراء تفكيك هذه الإمبراطورية!!
وأما دعوات قوى المعارضة للقضاء على الاستبداد وإنهاء الفساد فهذه حكاية أخرى. بعض القوى السياسية المعارضة لأنظمة الحكم في العالم العربي – قلت بعض – غارقة بالفساد : كيف يمكن أن نصدّق معارضا أو تجمعا سياسيا أو هيئة أهلية تدعو لاحترام حقوق الإنسان والتغيير في سوريا،أو في أية دول عربية أخرى، وكانت منذ سنوات تنال هبات نظام صدام حسين وأنظمة قمعية أخرى، والتي هي بكل بساطة أموال شعوب محرومة ؟ من يقبض من نظام ديكتاتوري فاسد يمكن في أي زمن أن " يتقمّص " صفاته ويبنيها في بلده،حيث ينشط،لأنه شارك – وإن بشكل غير مباشر – في صناعة وتأصيل الفساد في العراق.
علاوة على ذلك، توجد مشكلة أكثر خطورة عند قسم كبير من القوى المعارضة العربية، وهي صفة تشترك فيها مع بعض الجهات الحكومية : إذا انتقدت المعارضة بطريقة علمية شفافة فأنت عميل للسلطة وللأجهزة الأمنية، وإذا انتقدت السلطة بطريقة علمية شفافة فأنت عميل " لقوى خارجية "!! فأين يذهب هذا المواطن بين مطرقة تهمة العمالة للخارج وسندان العمالة للأجهزة ؟
واليوم، أخشى، أنه لو صدرت قوانين ترخّص العمل الحزبي الحر في العالم العربي – وهذه خطوة ينتظرها الجميع - فإن أحزابا معارضة سوف تبادر إلى تشييد وبناء سجون خاصة بها تزج بها كل من ينتقد عملها أو يختلف معها. وهنا أخشى للمرة التالية أن يخرج المواطن العربي من سجن السلطة ليذهب إلى سجن المعارضة ويقضي حياته بين السجنين. كما أن هذه القوى المعارضة سوف تبادر إلى إنشاء إلى أجهزة أمنية سرية خاصة بها. تحاول أحزاب وقوى معارضة تغيير جلدها الأيديولوجي، بعد أن تفسّخ، لأن الشمس لم تعد تشرق فوقه؛ ومع ذلك كان تغييرا شبيها باستبدال قشر تفاحة أحمر اللون بلون آخر أبيض، ورغم ذلك بقيت الدودة داخل التفاحة تنهش بها وتخرّبها!!..
لذا، هذه التفاحة ليست بحاجة إلى تبديل لونها، وإنما هي بحاجة إلى رشّها بالمبيدات الزراعية حتى تغدو " ثمرة ناضجة " يموت دودوها وتصبح صالحة لكي تقطفها عقول الأجيال الواعدة.
هنالك ضرورة، حيّة، وجودية، ومثالية، وروحية، لأن تكون القوى الداعية للإصلاح " صالحة "، ولأن تكون هيئات حقوق الإنسان " نظيفة اليد "، ولكي يكون الإنسان المطالب بالديمقراطية " ديمقراطيا " في سوريا وفي العراق وفي كوريا وفي بلاد السيخ... وأكاد أجزم، بكل قوة، وبكل استقلالية، أن بعض ( أقول بعض ) القوى المعارضة الآن على الساحة العربية – لو وصلت إلى السلطة – فلن تصلح ما فعلته السلطة من تدهور سياسي واقتصادي واجتماعي وصحي ؛ ولكنها ستزيد التخلف والتدهور تخلفا وتدهورا : سوف يغلق قسم من المدارس، وتنزع لافتات وتوضع مكانها لافتات جديدة بألوان جديدة، وإذا تواجد عدو خارجي سوف يتحول بوجودهم العدو إلى خمسين عدو.. عدو لا يدعم أفكار ماركس أو أحفاده وسلالته، وعدو لا يدعم " الجهاد " الذي تم تزويره وصار مسالخا لتقصيب وذبح المدنيين في العراق، وعدو لأنه يغنّي أغنية غربية أو يرقص رقصة شرقية، عدو لأنه يضع يده بيد زوجته علنا أو يقبلها ؛ وسوف تتناقص المستشفيات ويتحول بعضها مصحات عقلية!!!
وأخيرا، كيف يمكن تخطي معضلة الاستبداد في العالم العربي إذا لم يتمكن أحد من تخطي معضلة " القبلة "، والقبلة لا زالت محل " تفسير " و " شرح " و " بحث " إذا كانت محللة أو محرمة في تاريخنا، بينما يوجد بشر آخرون هجروا الأرض وقرروا العيش على سطح القمر ؛ ونحن ها هنا لم نقدر على حل معضلة القبلة فماذا عن معضلة الديمقراطية ؟؟ وكيف تحل مشاكل أمة فتحت الدنيا من شرقها ومن غربها ومع ذلك تنهار أمام " حكاية قبلة " أو تذبح بعضها إذا حاولت المرأة أن تتخذ موقعا حرا لنفسها وتحب وترتدي وتعيش بحرية!!

لذا، نصيحتي لهذا الحزب أو ذاك أن يفكّر بالشباب التعيس المحبط، أو على الأقل يحل لنا " عقدة القبلة " قبل أن يدعو لحل حلف الأطلسي!!.