قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أعترف بداية ، من أن حصيلتي في الممارسة الدمقراطية تكاد تكون معدومة ، فطيلة حياتي في العراق لم أعرف شكل صندوق الإقتراع ولا الترتيبات الإنتخابية ولا القوائم ولا التحالفات ، ونشأت في ظل دولة الحزب الواحد النازية ( شعب واحد ، قائد واحد ) ! ، وكانت المرة الأولى التي رتب فيها النظام الصدامي البائد إنتخابات هزلية لما كان يسمى ب ( المجلس الوطني ) في حزيران / يونيو 1980 ولم أشارك في التصويت لأنني كنت مسافرا خلال العطلة الجامعية الصيفية ! فلم أستلم بطاقة إنتخابية ولم أعرف المرشحين ؟ خصوصا أن تلك الإنتخابات المزعومة كانت تفوق المهزلة ! إذ كان ممنوعا على كائن من كان أن يرشح نفسه ! بل أن المرشح ( المحروس ) يشترط فيه أن يكون بعثيا !! وأن يرشحه الحزب !! وأن يكون مؤمنا بأهداف ثورة البعث !! وأن يكون بعد ذلك حسن السيرة والسلوك أي ( سرسري ) ؟!! وبعبارة أخرى فإن ( المجلس الوطني ) يجب أن يكون بعثيا ؟ ووفقا لأقوال صدام الماثورة :- ( العراقي الجيد هو البعثي الجيد ) ؟! وإستنادا الى القاعدة الذهبية للنظام الفاشي البائد من أن : - ( كل العراقيين بعثيون وإن لم ينتموا ) ؟! أي أنهم كانوا يطبقون نظرية الراحل فريد الأطرش :- ( دايما معاك دايما ... أتبع خطاك دايما ... وراك وراك .. دايما )! والحمد لله أنني لم اشارك في تلك المهزلة ولو بصفة شاهد ؟. فما معنى أن تنتخب بعثيا من بين البعثيين ؟ أي :- كأننا والماء من حولنا ... قوم ينام حولهم ماء ؟
لقد كانت الفاشية البعثية وقتذاك في عز إنطلاقتها ، وكان مشروع صدام التكريتي السلطوي عنيفا وقويا ومدعوما من الشرق والغرب وكان متكئا على إحتياط نقدي ضخم ( حوالي 40 مليار دولار ) ، بعد أن إنفرد بالسلطة المطلقة فطرد الرئيس السابق البكرثم قتله فيما بعد ، وأطاح برؤوس 22 قيادي بعثي كان لا يرتاح لهم وفرض على العراقيين ستارا من الدم والإرهاب ووضع المخابرات تحت سطوة أخيه المجرم برزان التكريتي وحول العراق بأكمله لمزرعة له وعشيرته الأقربين ، وإستعد لمواجهة إقليمية كانت هي المشروع الأساسي لهيمنته على السلطة تلك المواجهة كانت مع إيران التي كانت تعيش وقتها هياجا ثوريا وقد تصورها أي المواجهة ستكون قصيرة ومحدودة وحربا خاطفة على طريقة الإخوة الصهاينة في حرب الأيام الستة عام 1967 أي ضربات جوية صاعقة ثم إقتحام بري واسع وسيطرة عسكرية على بعض المفاصل الإستراتيجية في إقليم عربستان العربي مع قليل من بهارات الدعاية القومية العربية رغم أن من تهدمت بيوتهم وحرقت قراهم هم العرب وليس الفرس ! وكان صدام الفاشل دراسيا وعسكريا وسياسيا في قراءته الخاطئة يتصور أن ( ملالي ) إيران سيرتعبون ويطلبون إيقاف النار والتفاوض وما درى الخائب المنحوس من أن تلك الحرب كانت هدية من السماء لنظام آيات الله حيث عزز موقفه وقضى على المعارضة وأدار الحرب الضروس وفق آيديولوجية دينية مذهبية أقوى بكثير من هلوسات الافكار البعثية السخيفة ، هكذا تصورها المغرور الجاهل صدام وكأن الحرب هي مجرد معركة ( بين سرسرية المقاهي الشعبية ) وبين أوساط الحشاشين حيث يكسر أنف الخصم ثم يتم الصلح !!، فكانت ورطة ما بعدها ولا قبلها وحيث كان رد الإمام الراحلالخميني بعد سماعه نبأ الغزو العراقي لبلاده قولته الشهيرة:( الخير فيما وقع ) ! وكانت جملة ذات أبعاد إستراتيجية هائلة ، وفعلا فقد إمتصت إيران الكبيرة صدمة الهجوم الأولى وإحتوت الموجات الأولى من الغزو وتمهلت في الهجوم المضاد حتى ترتيب الساحة الداخلية وتصفية المعارضة ثم وإعتبارا من ايلول /سبتمبر 1981 بدأت الهجمات المضادة الكبرى ففكت حصار عبادان وطردت الجيش العراقي من الشوش والمحمرة وإندفعت نحو البصرة صيف 1982 لولا الدعم المفتوح لنظام صدام من القطبيين الكبيرين وقتها لتغيرت الصورة في المنطقة تغييرا كارثيا ؛ وعلى فكرة ، فقد دخل صدام الحرب بطريقة ديمقراطية بعثية سيقف التاريخ أمامها إجلالا وإكبارا ؟!! ، فقبل الحرب بأيام وفي 17 أيلول / سبتمبر 1980 جمع صداما مجلسه الوطني ( المنتخب ) وسألهم على طريقة طلاب الدراسة الإبتدائية السؤال التالي :-
ماذا تريدون ؟
فأجابوه ( الحلوين ) وبصوت واحد :
نريد تحرير شط العرب ... ياسيدي !.
فأجابهم بعنجهية :-
إخدوه من ها الشوارب ...؟ ... وفعلا وقسما غليظا بالشوارب البعثية ظهر صدام على شاشة التلفزيون العراقي بعد أن قدمه للجماهير المذيع الراحل صاحب الشورب المتميزة رشدي عبد الصاحب ليلقي خطابا قوميا بملابس المارشالية ( رغم أنه متخلف عن الخدمة العسكرية ) ومزّق إتفاقية الجزائر الحدودية مع إيران المبرمة عام 1975 والتي تنازل فيها عن نصف شط العرب للقضاء
على الثورة الكردية وقتها ، وليعلن الحرب على إيران ثم ليبدأ الغزو البعثي الكبير في ظل تهليل واسع من الإعلام العراقي والمرتزقة العرب وحيث قال الشاعر الفلسطيني ناصر :-

ياشبل زين القوس
سلم على ( القسطيل )

وقل له عدنا
عدنا ولن نرحل
فبصرة كرمل
وكرمة مجدل

والشط في يافا ليبقى الهوى الأول

يا قدس عاد الشط
والنهر وجدول
ومن هنا درب
إليك قد حول
ومن هنا البشرى
ومن هنا الجحفل
فإنطلق الشعار البعثي الشهير ( طريق القدس تمر من عبادان ) ! ثم تحول بعد عقد من السنين الى ( طريق القدس تمر من الكويت ) ! ولو إمتد العمر بنظام صدام لكانت ( طريق القدس تمر من بانكوك ) ؟!! وهكذا لعبت الشوارب البعثية دورا تاريخيا فاعلا لم تلعبه أي شوارب أخرى في حروب العالم ، فقادة إسرائيل بدءا من ( الأخ ) موشيه ديان وإنتهاءا بالرفيق المناضل شارون ليس بينهم ( مشورب ) واحد ... ومع ذلك إنتصروا في معاركهم ؟! وحدثت ( قادسية صدام ) كما قلنا بطريقة ديمقراطية بعثية ولكنها لم تنته نهاية ديمقراطية ( كما كان يريد الشيوعيون العراقيون وقتها ) ؟! بل طالت لتلتهم أرواح مئات الآلاف من الأبرياء ، ولتزرع الأحقاد ، ولتؤسس لحروب أخرى أكثر كارثية ...
وأعود الى ذاتي بعد ذلك الإستطراد المطول ... وفي ( النرويج ) حيث لجأت قبل سنوات ثم حصلت على الجنسية لم أشارك في التصويت الاّ مرة واحدة عام 1994 وكان إستفتاءا حول دخول النرويج للوحدة الأروبية وكنت قد صوتت لصالح الإنضمام إلاّ أنه كان لغالبية النرويجيين رأي آخر ! فجاءت النتيجة عكسية ، إذ أن النروجيين وكما أعرفهم لا يطيقون أنفسهم فكيف يطيقون أبناء الشعوب الأروبية وشركاتهم العملاقة التي ستلتهم النرويج ... وما تزال النرويج حتى اللحظة الدولة الأروبية الوحيدة المصنفة من فئة ( بدون )!!. أما الإنتخابات البرلمانية فلم أذهب مطلقا لصندوق الإقتراع رغم بطاقتي الإنتخابية لعدم إعتقادي بجدوى ذلك فلست في العير ولا في النفير

فغض الطرف انك من نمير
فلا كعبا بلغت ولا كلابها

أما الإنتخابات العراقية والتي مهد لها الفتح الأمريكي الجليل في ربيع 2003 حينما أسقط الفاشية البعثية المترنحة ، فأنا رغم تحمسي للديمقراطية في العراق إلا أنني أعلنها وبصراحة موجعة .. لا أرشح أحدا بعينه !! ولو سألوني من هو مرشحك المفضل ، فاجيب بصراحة أكثر إيلاما بأن مرشحي الوحيد هو الرئيس جورج ولكر بوش لأنه قد حول الحلم الى حقيقة ، ولأنه هذا هو المهم بدون شوارب ! ولا عزاء لشوارب البعثيين !.

وكل عام وشوارب ( العروبة ) بألف خير !.

[email protected]