قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

هي إذن فوضى عارمة من الحكايات البائسة، والأمكنة الكئيبة، والأزمنة الشريرة، أو لعلها حالة من المراوغة النزقة، والافتقاد المرير لمن تختزنهم الذاكرة ملامحهم وأنفاسهم في أعمق زاوية من تضاريسها الوعرة، التي تشبه غابة تسكنها العتمة والصمت، أو ربما أمسيت مدينة يفضحها المطر الوحشي المباغت، وتعربد بها الزوايا الموحشة، ويجتاحها الجراد الأحمر والذباب الأزرق . ولتكن أيها التائه في مناكبها خطاً متعرجاً كأفعى الصحراء بين بدايات ونهايات مشرعة على كل الاحتمالات والنهايات، أو حتى لتكن كائناً فيه ما فيه من الفتنة المطرزة بالملل، وعليه ما عليه من الأخطاء الملساء المزمنة، تماماً مثل السيوف الصدئة والدروع المهترئة والذكريات المريرة .

سأهبك الخيبة ..
عبارة يسمعها "صاحبكم" من شبح يلاحقه في الصحو والمنام، يعلو صوته آمراً ومبشراً ونذيرا: "سأخلصك من كل أغلال الدهشة، فلا شيء سوف يستوقفك او يعنيك بعد اليوم، ستظل مأخوذا أبد الدهر بطعم الوهم، مسكوناً بفراغ العبارات الجوفاء والجمل غير المفيدة، متدلياً على المعاني المترهلة المسترخية باطمئنان، ومردداً ـ من دون قناعة حاسمة ـ أن عصفوراً على الشجرة أجمل من كل العصافير المقيدة في اليد"، مع علمك التام بأنك لم تعد راغباً في اقتناء الزواحف ولا القطط ولا الكلاب ولا حتى العصافير فضلاً عن اصطيادها .. وأن الأمر لم يعد يعنيك كثيراً، بعد أن اخترت ألا يكون لك سوى مهنة الانتظار والتدخين، وبعد أن اكشتفت هواية اقتناء الأشياء القديمة والضحكات القديمة، وأدمنت الاحتفاظ بعظام الموتى وجمع القواقع حتى تستمع إلى صوت البحر قبل أن يصل الطوفان الأسطوري، وأن تتأكد قبل النوم وبمجرد اليقظة من أنك تحفظ أسماء الساسة وزوجاتهم وأنجالهم وحتى أزواج بناتهم عن ظهر قلب، وعن ظهر شعب، وعن ظهر دهر .

سأهبك الصمت ..
حتى يتخذ فمك ملامح ثقب هجرته الكلمات، ووحدها الحروف الساكنة هي التي ستكون لك، لكنك ستسعى دوماً إلى امتلاك الأبجدية .. حرفاً تلو الآخر، لكن ستبقى معزولا عن الجمل، وتلك المعاني الطويلة المترهلة، فالحكمة تفضل الصمت والحكماء يؤثرون سمت الصمت، والموت يولد في الصمت، والحب ينمو بصمت، والبلاد المنهوبة من ساسها إلى راسها تسقط موضعاً موضعاً في صمت.
يحمل "صاحبكم" رأساً يصعب احتمال التعايش معه، وحنين لرائحة خبز جدته وطبخها، آه يا جدتي الحكيمة لقد أخبرتيني عن كل شيء في حكاياتك، لكنك أمسكت عن ذكر التعايش مع الهزائم، يردد "صاحبكم" في انكسار ـ لا يحاول إخفاءه ـ أن أفضل الهزائم هي تلك التي نعرفها ونعترف بها، ونتقبلها برضا، مع يقيني التام بأن الهزائم كثيرة ولا ترحم، وأن كل هزيمة تترك في النفس ندبة ما .. وأعرف أيضاً أن أبشع الندوب تلك التي تستحضر كل الخيبات دفعة واحدة، وأن أقسى الأشياء هذه التي لا نجرؤ على الخوض فيها، أو مجرد البوح بها .

سأهبك فرساً ..
لا يعرف التوقف، وطرقاً ممتدة إلى اللانهايات، وبدايات مبهمة موجعة، وآلاف الأشياء التي لا تنشدها، أو مملكة تستعصي على سيفك الخشبي، ومئات النساء اللاتي يرفضنك حتى لو كنت الرجل الوحيد الباقي على قيد الرجاء، وسيكون لك المعنى .. تأخذه أو تلقيه في سلة المهملات، حتى تدرك في النهاية ـ أي نهاية تكون ـ أنك عاجز عن ة الحياة كما هي، أو كما اعتاد الآخرون مسايستها .
ستحارب حتى تنفذ حرابك وتتآكل سيوفك، وتثخنك الجراح ويمتزج دمك بلعابك بتراب الأرض، وتصبح رجلاً على وشك الوشك، وحينذاك ستحدق في الوجوه كأنك تراها للمرة الأولى، ستحاول فهم هذا الكم الهائل من الابتسامات التي يوزعها البشر على بعضهم البعض، بعضها مجاني ومعظمها مدفوع الثمن لا يهم إن كان عاجلاً وآجلا، ستطالع ابتسامات خائفة، وأخرى عاشقة، ومنها ما هو غبي، ومنها ما يسمى بالاتيكيت، ومنها الكثير مما لا معنى له، لكنها جميعاً في نهاية المطاف موسومة بالزوال، وبرسم الرحيل في لحظة ما، ليس من مصلحتنا أن نعرفها على وجه الدقة .

سأهبك ابتسامة ..
بطعم القضاء والقدر، لا يمكن لكائن من كان أن يمنعها، سوف ترتسم على وجهك في المكان والزمان الذي تنشده، ووفق القواعد التي يقتضيها الموقف، وحسب التقاليد المرعية في هذه الأصقاع أو تلك البقاع، حتى يدرك سادة الزمان حين يطلون من نوافذهم الشاهقة أن ابتساماتك صادقة، ومفعمة بالرضا والامتنان، وأنك لم تكن يوماً ضد أحد، ولا تعمل لحساب أحد، إلا وجه الله وضميرك .
وبينما كان "صاحبكم" يبحث عن المعنى القابع خلف هذه الابتسامات، باغته صوت قادم من واسع علم الله يسأله: إلى أين أنت ذاهب أيها الغريب ؟
ـ إلى النهاية
ـ ألا تعرف أن التجهم يعاقب عليه القانون، لأنه يضر بمصالح الدولة العليا، ويؤثر سلباً على حركة السياحة، ويشوه صورة البلاد في الخارج ؟ .
ـ معذرة .. لقد نسيت ابتسامتي في مكان ما .. سامحني فالذاكرة من فرط ثقوبها صارت كالمصفاة ..
ـ حسنا .. خذ هذه الابتسامة استخدمها حتى تجد ابتسامتك ..
وضع "صاحبكم" الابتسامة على وجهه، كانت عريضة .. مترهلة وليست على مقاسه أبداً، ومع ذلك مضى بها مبتسماً رغم أنف كل هذا الحزن والهزائم والخيانات والخيبات والمرارات والأوطان المسلوبة، وأرواح الشعوب المستباحة، وقتامة السجون المتخمة، ومن يومها اعتاد "صاحبكم" ألا ينسى ابتسامته أبداً، إذ ثبتها بكل قوة وعناية على وجهه إلى أبد الآبدين .

سأهبك الماء ..
ومعه ستتبخر صوب الأمكنة الباهتة، حيث لا شيء يرضيك، وحده الماء تاريخٌ متكاملٌ من الرأفة بالكائنات، الماء قاتل رحيم .. متواضع كالموت حين يتسلل من النافذة آخر الليل أو مطلع الفجر.
اتخذ "صاحبكم" سمت الحكماء وهو يردد بثقة لا يدري كيف واتته، ولا من أين انتابته : "في الحياة ثمة ما يدعو للبقاء على قيدها، أو أسفلها أو حتى بين أصابعها، إن لم يكن من ذلك بدُّ" .
وبعد نوبة سعال مزعجة شرخت صدره كما يحدث كل صباح، قال "صاحبكم" بنبرة اعتراف لا تخلو من ادعاء : "التدخين عادة سيئة"، لكن لأنه أدمن على العادات السيئة، فقد راح يدخن .. ويدخن .. تاركاً خلفه غمامة كثيفة، ظلت تعلو حتى ارتقت إلى ما قبل أفق الكون بقليل، حيث كانت كل الأمم تنتظر المطر والعدل والحرية والأمل وراحة الضمير .. وبقية الأمنيات المستحيلة.

[email protected]