قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أمس حدثني صديق من لندن قال إنه عاد لتوه من مجلس فاتحة، سأل أحدهم فيه صديق له إن يدله أية قائمة ينتخب، فهو حائر حقاً، فسرى في المجلس نقاش وجد فيه أن كثيرين قد حسموا أمرهم مستعينين، أو ممتثلين لمراجعهم الحزبية والدينية، وآخرين لا يدرون من ينتخبوا في خضم برامج وقوائم أحزاب تجاوزت المائتين! وهم يريدون أن يعتمدوا على اجتهادهم، ومحاكماتهم العقلية، ويتخذوا قراراً لا يندموا عليه، قال صاحبي إن هؤلاء قد خرجوا وهم أكثر حيرة حتى إنهم نسوا أن يقرءوا الفاتحة على روح الميت!
كنت أنا كمجلس فاتحة الميت قد تعرضت لمثل هذه الحيرة، فقد خابرني أكثر من صديق متوسماً بي الحكمة لمساعدته في قراره الانتخابي، كنت أقول للصديق إنني كنت أزمع مخابرتك لتعينني في اتخاذ أول قرار انتخابي لي في حياتي التي شارفت الستين، ولم انتخب فيها ولا حتى مختار محلتنا ! وبنفس الوقت لا أريد اليوم مرجعية حزبية أو دينية تقودني كما قادتني فيما مضى من سني الضياع! وتعب جميل أن تتخذ قرارك، وكسل وخنوع أن يتخذ الغير قرارك، القرار الذي تأخذه بنفسك هو القرار الصلب المتين الذي لا تغيره ظروف وأهواء هي غير ظروفك وأهوائك!
وجدت نفسي أتخذ خلوة الناسكين، وأروح أعتصر ذاكرتي المكدودة علني أتذكر شيئاً مما درسته عن مبادئ الانتخابات في كليه الحقوق التي غادرتها قبل حوالي أربعين عاماً!
كنت محظوظاً بعض الشيء فقد تذكرت قاعدة ذهبية تقول "لا ينحصر دور القاضي في مراقبة صناديق الاقتراع كي لا تلقى فيها أوراق مزورة، بل المحافظة على عقول الناخبين لكي لا تتعرض لضغط أو تهديد أو ابتزاز أو إغراء مالي أو عاطفي أو جنسي أو اجتماعي أو ديني يحرمها استقلالها، ويمنعها من اتخاذ قرارها الخاص، ثم يضع تسلسلاً في العقاب لهذه الجرائم يتجاوز جزاء المخالفات والجنح ليصل حد الجنايات "
في بلداننا العربية ذات النظم الدكتاتورية يلقى عادة بهذا المبدأ القانوني الأساسي في صندوق القمامة ويأتي بالقاضي ليكون جزءاً من ديكور قاعة الانتخابات ليوقع بيد لا ترتجف (للأسف) على نتائج الانتخابات التي تتجاوز 99% للحاكم الطاغية مضافاً لها بركة الله وتفويضه المطلق. بلداننا ضربت الأرقام القياسية بالأكثرية الناخبة، وظلت الأرض الخصبة لكل الأرقام المزيفة الأخرى، نرجسية هي الجحيم، حيث لا جحيم آخر!
ولقد ظلت ما يمكن تسميتها بالأكثرية الهشة هي التي تصول وتجول في الساحات والشوارع حاملة الرايات واللافتات وصور الحاكم أو نوابه في المجلس! أكثرية أقرب لحيوان أسطوري هائل تكتسح المدن، غائبة عن عقلها وضميرها وإنسانيتها :وكثيراً ما تسفح دمها ودماء غيرها في حروب خارجية وأهلية، وطائفية وثورات وانقلابات ثم حين تختلي بنفسها تذرف الدموع والحسرات على حظها العاثر وقدرها الذي ساق لها الطغاة والمتجبرين، والفقهاء المتحيزين !صناعة هذه الأكثرية الهشة سهلة جداً، قرار من الرئيس، مع استنفار للأجهزة الأمنية ولخطباء المساجد، وفتاوى المراجع الدينية!
أما الأقلية الصلبة التي تكون قرارها أو موقفها بعقلها ووجدانها فكثير ما تكسر على صخرة الصمت، أو مراوغة صناديق الاقتراع غير النظيفة أو أن يجهر بعضهم بصوته ليعتقل أو يغيب أو يعدم على الفور!
الدول المتحضرة عانت أيضاً من (الأكثرية الهشة)، عندما كان الدين والعلاقات الإقطاعية لها القرار الحاسم! ولكن اليوم صارت (الأقلية الصلبة) أكثرية صلبة تكون رأيها ووجهتها الانتخابية بوعيها الخاص، واجتهادها ومراجعتها وثقافتها متحاشية أي تأثير سلطوي أو كنسي بل إن بعضها يستطيع مقاومة التأثير القوي والفعال لوسائط الإعلام التي تمتلك أرقى الأساليب في التأثير والجذب!
ماذا لدينا اليوم في العراق من الأكثرية الهشة، ومن الأقلية الصلبة ؟ لنصطف معها أو ضدها ؟أول نعمة لدينا هو أن الدكتاتور المنتخب بنسبة مئة بالمئة لم يجد بيتاً عراقياً يؤويه فحل ضيفاً على الجرذان في حفرة! الآن صرنا في مأمن تماماً من نسبة مطلقة تزور باسمنا لتمنح لمسخ بشري!
ولكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد، فالإنسان في بلدنا سيظل يحسد الطير في الهواء، أنه يستطيع أن يتخذ اتجاهه، أو عشه الذي يريد بينما هو الإنسان يجد سيف الهيئات الدينية والعشائرية والعرقية مسلطاً على رقبته!
لقد انتهى العالم المتحضر، ومنذ ما يزيد على المائتي سنة من فصل الدين عن الدولة، وتحرر عقل الإنسان من التأثيرات الغيبية والمقدسة، نجد البعض في العراق وفي بداية القرن الواحد والعشرين يحاول دمج الدين بالدولة، بل ويريد تقديم الدين على الدولة، وشطب الحياة الدنيا من أجل الحياة الآخرة!
قادة دينيون وعشائريون يصرون على صنع الأكثرية الهشة عبر القرار المقدس، أو بالأوامر والنواهي والمحرمات، والتهديدات ولا يتركون الناس يكونون (أكثريتهم) أو (أقليتهم) بوعيهم أو ثقافتهم وضميرهم وإحساسهم!
فمراجع دينية سنية، مشاركة أو متناغمة مع عصابات قطع الرؤوس، اتخذت قرارها بمنع الإنسان الذي يسكن في مناطق تحت نفوذها من الذهاب لصناديق الاقتراع، فهي قد صادرت عقله وضميره باسم الدين! وحرمته من أرقى ثمرة حضارية، ومن مشاركة ضرورية في تقرير مصير البلاد وحصلت على نسبة المئة بالمئة وهي في محاريبها!
مراجع دينية شيعية لم تقع بهذا المطب الرهيب، وكانت حريصة على منع الصراعات الدموية، لكنها لم تقتصر على اللمسة الروحية، والموعظة الحسنة المفتوحة، وخلطت منذ البدء بين واجبها الديني العبادي والشأن السياسي وعملت بإصرار وجد لصنع الأكثرية الهشة!
أكثرية تختار ورقتها في صناديق الاقتراع تحت تأثير المقدس والمحرم وخوف العقاب الرباني وأمر المقلد الذي لا يقبل النقاش متجاهلة آراء ووعي نخب كبيرة من المثقفين ذوي الأصول الشيعية!
في كردستان، هناك حيز من الحرية، وتجربة ديمقراطية هامة ولكن تأثير السلطة (كأي سلطة) والحزب والعشيرة لا بد أن ينعكس على قرار الناخبين، فيكون أكثريته الهشة!
لم يتبق للمتنورين والحداثيين والنهضويين، صناع المجتمع المدني الواعين المجدين (في أصولهم العادية:شيعة وسنة ومسيحيين ومندائيين ويزيديين، عرباً وكرداً وتركماناً وكلدوآشوريين، سوى أن يلتموا على أنفسهم في أقليات انتخابية صلبة!
فهم لا يمتلكون المقدس، ولا مراس الحزب القديم، ولا تمتلك قوائمهم وضوح النمط سهل الاستعمال، ولا أمول كبيرة، ولا تأثيرات من دول الجوار، هم يعتمدون على إرادة وعقول الناس الذين يريدون استعادة أرواحهم وضمائرهم وقرارهم السليم، وحلمهم في أن يكون العراق دولة حرة ليس فقط من احتلال الأغراب، بل من احتلال أبناء الوطن لها باسم الحزب أو العشيرة أو المذهب أو الطائفة!
ثمة أشقاء وجيران لا يريدون نهوض ديمقراطية حقيقية في بلدنا، في الأقل تفضح زيف أنظمتهم، صار همهم إجهاضها فراحوا يلعبون على هذه المكونات الانتخابية، وبالطبع سيكون الأقرب إلى نفوسهم ومصالحهم تكوين الأكثرية الهشة والمزيد من محاصرة الأقلية الصلبة لمنعها من أن تكون أكثرية صلبة يصعب اختراقها ويمكن تلمس هذا الهجوم المسعور على المرشحين المتنورين ومحاولة تغليب انتماءاتهم الطبيعية العادية (شيعة وسنة ومسيحيين) على انتماءهم الأعظم، الوطني والإنساني!
أنهم يحاولون تصويرهم على أنهم مع الاحتلال، وشاع في رجمهم مصطلح (المجيء على دبابة أمريكية، كما شاع سابقاً في رجمهم مصطلح العيش على فتات موائد الأجنبي) بينما هذه الأقلية الصلبة هي الأكثر قدرة على منازلة الاحتلال في صراع قد لا يكلف العراق قطرة دم لنيل الاستقلال التام، وهي بمتانتها الفكرية وقدرتها على صيانة الوحدة الوطنية، وتمسكها العميق بالحرية والديمقراطية والفدرالية وطرق التنمية الاقتصادية الأقدر على صنع العراق الجديد!وتقوية ذاتها لتكون في وقت قريب هي الأكثرية الصلبة التي لا تقوم على أساس الطائفة أو الدين أو القومية!
في بلد لم تجر فيه انتخابات حقيقية منذ خمسين عاماً استهلك فيها العالم ما يعادل حجم الكرة الأرضية من صناديق الاقتراع، ويريد الدخول في تلك الحمى اللذيذة، حمى الانتخابات ينبغي لي الشروع وعلى الفور في تأليف كتاب بعنوان(دليل الناخب للقرار الصائب)إنه كتاب العصر العراقي الجديد وسيسبق كتب الطبخ والخياطة حتى تلك المستفيضة بالبحث في فلسفة الدولمة والمحشي والحجاب الإسلامي، إنه أكثر أهمية من مجموعة قصصية كئيبة عن المنفى كنت أنوي مراجعتها، ولا بأس من كشف عينة من تعاليمه منذ الآن :
أخي المواطن لا يكفي أن تتخذ قرارك الشجاع لتخرج من بيتك لتنتخب، متحدياً السيارات المفخخة، اخرج من جلدك القديم الذي صرت تضيق به، اخرج من الركام الذي أهاله عليك الحكام، والقادة الدينيون والعشائريون، انفض عن روحك وعقلك رماد العصور السحيقة، اختر ممثلك بإرادتك الحرة، وضميرك النقي وعقلك المكتنز بالتجارب، وبغض النظر عن قوميته أو دينه أو طائفته أو جنسه!
صوت:
للعقل في زمن الجنون!
للعلم في زمن الغيبيات والحوريات وطريق الجنة المعبد برؤوس الأطفال!
للأفكار الجديدة، والأحزاب الجديدة، في زمن يراد فيه بعث البعث والعفالقة من جحورهم وقبورهم!
للأمل في زمن اليأس!
للوجه الإنساني في زمن اللثام والأقنعة!
للمرأة في زمن أرادوا تغيبها فيه وراء الجدران والشكوك والحجاب!
للوجوه الطليقة الواضحة في زمن اكتظ بالوجوه الغامضة!
للثقافة في زمن الجهل والضحالة!
للأطفال في زمن لهوله بلغوا فيه الشيخوخة وشابت رموشهم!
لإعمار العراق حيث لم يصدق صدام يوماً في شيء إلا في وعده أن يتركه خراباً يباباً!
للسلام في زمن غمرته وأفسدته دماء الحروب!
للحب في زمن الكراهية والأحقاد!
للابتسامة في زمن الأنياب التي تقطر دما!
للجمال في زمن البشاعة والقبح!
للموسيقى، والمقاهي والحانات والنزهات الجميلة في زمن المحرمات ورائحة الرصاص وعواء الوحوش!
لتراب العراق حيث كل ذرة منه تاريخ معاناة ودم ودموع!
لا تنس الزهرة، أخي الموطن أقطف زهرة من حديقتك، وإذا كنت كالأكثرية لا تملك بيتاً وحديقة، ففي هذا العيد التاريخي الجميل فقط مسموح لك أن تقطف زهرة من جزر الشوارع وتقدمها للشرطي الشجاع الذي يحرس صندوق الانتخابات، كنزك العظيم للمستقبل!