كلما تعمقنا في دراسة حزب البعث و"فكره" تأكد لنا أن هذا الحزب هو نسخة مشوهة من النازية الألمانية والفاشية الإيطالية والحركات العنصرية الأخرى في العالم. وهذا ما يشهد به أغلب الباحثين الذين تناولوا حزب البعث، مثل حنا بطاطوا وغيره والذين كتبوا عن حياة وفكر ساطع الحصري، الأب الروحي لحركة القومية العربية التي يعتبر البعث نسخة متطرفة منها. إذ ترّد الباحثة الإمريكية ج.هايم مآثر الحصري، إلى "تقديم فيختة وهيغل في صورة أساتذة للفكر العربي الإسلامي.. وقد إتخذ من فيختة، لا القرآن مصدر إلهام له". كذلك تأثر مشيل عفلق "القائد المؤسس" هو الآخر بفكر الفيلسوف الألماني فيختة، مؤسس الآيديولوجية النازية الألمانية. فكما قال الأستاذ عودة وهيب، ليس للبعث فكر أصلاً وإنما استورد أفكاراً من النازية وبشكل مشوه بعد أن أضاف إليها تسميات عربية وإسلامية حسب ما يقتضيه اختلاف الزمان والمكان. وهذا واضح من جميع مؤلفات عفلق وغيره من الكتاب البعثيين.
فساطع الحصري لعب دوراً كبيراً مع غيره من رواد الحركة القومية العربية بربط آيديولوجة القومية العربية في العراق بالطائفية وأعلن العداء لأبناء المذهب الشيعي وأنكر عليهم انتمائهم العربي، وبذلك دق الإسفين في الوحدة الوطنية في هذا البلد. وهذا الربط بين القومية والعداء للشيعة كان سبباً مهماًُ في عدم استقرار الوضع السياسي في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية ولحد الآن. وقد مارس عبدالسلام عارف الطائفية بشكل علني وجعلها مقياساً للتقرب إلى الدولة. أما حزب البعث فقد جعل من الطائفية وسيلة لاحتكار السلطة وفي عهده رفع شعار (لا شيعة بعد اليوم).
كذلك، يعتبر حزب البعث تنظيماً متطرفاً في العنصرية لا يقل تطرفاً عن سياسة النظام العنصري البريتوري السابق. وقد مارس البعثيون معاداة العناصر البشرية من غير العرب في العراق بشكل علني خلال حكمهم الجائر، حيث قاموا بترحيل ما يقارب المليون عراقي بتهمة التبعية الإيرانية وخاصة من الكرد الفيليين بعد أن جردوهم من جميع وثائقهم التي تثبت عراقيتهم وحتى شهاداتهم المدرسية وإجازة السياقة وصادروا ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة وألقوهم على الحدود العراقية-الإيرانية المزروعة بالألغام، واعتقلوا شبابهم ومن ثم قتلوهم في عمليات سميت بتنظيف السجون. كما منع حزب البعث تعيين أي عراقي في وظائف حكومية إذا كان متزوجاً من أجنبية. ولم يكثف بهذا، بل قدم مكافئات سخية لكل عراقي عربي يطلق زوجته إذا كانت متهمة بالتبعية الإيرانية. فإذا لم تكن هذه السياسة عنصرية، إذنْ ما هي العنصرية؟
أما الإرهاب، فحزب البعث هو الحزب الوحيد في العالم العربي الذي يؤمن باغتيال الخصوم السياسيين، سواء كان في السلطة أو خارجها. فعندما كان خارج السلطة أيام حكومة ثورة 14 تموز قامت شقاوات الحزب وبتخطيط من أمينه العام فؤاد الركابي آنذاك، بمحاولة اغتيال رئيس الوزراء الزعيم عبدالكريم قاسم. كما قام البعثيون بعمليات اغتيالات واسعة ضد الشيوعيين وغيرهم من الوطنيين العراقيين في طول البلاد وعرضها، مهدوا بها انقلابهم الدموي في 8 شباط 1963 . وبعد هذا الإنقلاب الأسود قتلوا أكثر من عشرين ألف مناضل من الوطنيين، الشيوعيين والديمقراطيين، الجريمة التي أثارت ضجة استنكار واسعة في العالم قادها زعيم حركة السلام، الفيلسوف البريطاني المعروف برتراند راسل.

أما بعد مجيئهم الثاني للسلطة عام 1968، فقد ملأ البعثيون العراق بالسجون وزنزانات التعذيب والمقابر الجماعية. ولعله النظام الوحيد في التاريخ الذي استخدم أسلحة الدمار الشامل (الكيمياوي) ضد شعبه. فقد قتل في حلبجة وحدها ما يقارب خمسة آلاف بالكيمياوي، كما وقام بعمليات الأنفال والتي راح ضحيتها أكثر من 180 ألف من الشعب الكردي بدوافع عنصرية بحتة. كذلك أباد النظام البعثي أهالي مدينة الدجيل بسبب إطلاق الرصاص على موكب الطاغية صدام وقام بهدم المدينة وسواها بالأرض.

وكان النظام الساقط يرسل فرق الموت مع كاتمات الصوت في حقائب دبلوماسية إلى خارج العراق لاغتيال المعارضين، كما حصل لتوفيق رشدي في عدن والشيخ طالب السهيل في بيروت والسيد مهدي الحكيم في خرطوم وعبدالرزاق النايف في لندن ومئات غيرهم. ولما سقط نظامهم الجائر، تحول هذا الحزب إلى عصابات شريرة تنشر القتل والرعب والخراب في ربوع العراق بشكل جنوني الغرض منه إفشال العملية الديمقراطية وتسلطهم على الحكم مرة ثالثة. لذلك فإن الدمار الجاري في العراق اليوم هو من نتاج حزب البعث وقد خطط له منذ مجيئه الثاني إلى السلطة عام 1968. وعليه فإن ما يجري الآن من أعمال القتل الوحشي هو إرهاب بشكله المتطرف وإن حزب البعث هو حزب إرهابي بكل معنى الكلمة.

ولا يقتصر الإرهاب على البعثيين العراقيين فحسب، بل ويشمل البعثيين من غير العراقيين، فالنظام السوري قام بمجزرة رهيبة في مدينة حماة في السبعينات ضد مظاهرات قامت بها جماعات من الأخوان المسلمين، حيث واجهت السلطة في عهد الرئيس حافظ الأسد، المتظاهرين بالدبابات بقيادة أخيه رفعت الأسد، وقتلت منهم حوالي ثلاثين ألفاً وسوَّت المدينة بالجرافات، تماماً كما عمل رفاقهم في العراق بمدينة الدجيل الواقعة شمال بغداد. وهذا دليل على أن الإرهاب جزء لا يتجزأ من فكر البعث، سواءً كانوا في السلطة أو خارجه، عراقيون أم سوريون أو غيرهم.
ينخدع طيبوا القلب بالتعاطف مع البعثيين الذين حاربهم صدام حسين ويعتبرونهم مناضلين وضحايا لا لشيء إلا لأن حاربهم صدام. هذه منتهى السذاجة. فالبعثيون الذين فروا إلى سوريا في عهد صدام، هم الذين قاموا بمجزرة 8 شباط 1963 ومازالوا يحتفلون بذكراها العفنة ويسمونها "عروس الثورات" على حد تعبير أحمد حسن البكر، ويعتبرونها مفخرة نضالية لحزبهم يتباهون بها كل عام. لقد أعدم صدام مجرمين بعثيين من أمثال ناظم كزار وغيره. فهل نقوم بنصب تماثيل لهم ونصفهم بالمناضلين لا لشيء إلا لأن صدام تمكن منهم قبل أن يتمكنوا منه؟
أعيد ما قلته مراراً وتكراراً أن ما جرى من صراع بين أجنحة البعث لم يكن صراعاً بين الخير والشر، بل كان صراعاً بين الشر والشر. وفي هذه الحالة دائماً ينتصر الجناح الأكثر شراً. فقد انتصر جناح صدام حسين على الأجنحة البعثية الأخرى لأنه كان الأكثر شراً. ونظراً لسايكولوجيته الشريرة وانسجامه التام مع آيديولوجية البعث الإرهابية، استطاع صدام إزاحة منافسيه والتسلق إلى قيادة الحزب والدولة على جماجم رفاقه.
وهنا لا أريد أن أخلط الحابل بالنابل أو أحرق الأخضر بسعر اليابس، كما يقولون. لقد تضخم حزب البعث إلى أن ضم في صفوفه ما يقارب المليونين عضو. طبعاً لم يكن كل هؤلاء بعثيين حقيقيين. وقيادة البعث كانت تعرف ذلك جيداً وتحسب له ألف حساب، حيث أرغموهم على الانتماء لتحييدهم واستخدامهم لأغراض خاصة. لذلك فهناك البعثي الحقيقي والبعثي غير الحقيقي. لقد انتمى مئات الألوف إلى حزب البعث بسبب الترغيب والترهيب، حيث ضيقوا على الناس في الرزق والقبول في الجامعات والبعثات وغيرها إضافة إلى التهديد بأشد العواقب. لذلك انتمت غالبية هؤلاء للحزب طلباً للرزق وحماية لأنفسهم وعائلاتهم ونتيجة لليأس الذي أصابهم بأن البعث جاء ليبقى كقدر مكتوب عليهم إلى الأبد. ولكن ما أن بزغ بصيص من أمل الخلاص حتى تمردوا على حزبهم. وظهر ذلك واضحاً في انتفاضة آذار 1991، حيث شارك فيها عدد كبير من المحسوبين على البعث. أما البعثيون الحقيقيون فعددهم لا يتجاوز العشرين ألفاً وهم المسلحون الذين يقومون بالإرهاب الآن.
كذلك انتمى إلى حزب البعث في بداية تأسيسه أناس بدوافع قومية وعن نوايا صادقة. ولكن ما أن تكشفت لهم النوايا الحقيقية الإجرامية لهذا الحزب الفاشي حتى ابتعدوا عنه وأعلنوا براءتهم منه وانظموا إلى المعارضة لإسقاطه وفضحوه في مؤلفاتهم القيمة التي تعتبر مرجعاً لتاريخ هذا الحزب المجرم.

يجادل بعض الأصدقاء وبدافع الحرص على الديمقراطية، أنه من حق حزب البعث المشاركة في العملية السياسية والديمقراطية الجارية في العراق الآن وإنه إساءة للديمقراطية اعتبار حزب البعث إرهابياً أو وصفه بالإرهاب! طيب، ونحن إذ نسأل، هل يرغب حزب البعث بالمشاركة في العملية الديمقراطية؟ وهل يحاول حزب البعث أن يجرب حظه في الانتخابات؟ والسؤال الأهم: من الذي يقوم بهذه الأعمال المسلحة في القتل والتدمير بحجة المقاومة؟ وهل أنكر حزب البعث هذه الأعمال أم يصدر البيانات تلو البيانات، مؤكداً إياها، متباهياً بها ويعتبرها من النضال الوطني والقومي ضد الإحتلال الأجنبي؟ وهذا هو آخر بيان لحزب البعث نشرت مقتطفات منه في الشرق الأوسط، جاء فيه:«اتهم بيان، نسب الى حزب البعث العربي الاشتراكي المحظور في العراق، واشنطن بانها تسعى لإقامة «اسلام سياسي» في العراق، ووصف العمليات العسكرية المناوئة لقوات الاحتلال بانها «مقاومة مدبرة ومدروسة ومهيأ لها من قبل البعث وقيادة العراق السياسية الشرعية». (الشرق الاوسط، 12/1/2005). عجبي، حزب البعث الذي أسس منظمات إرهابية مسلحة بأسماء إسلامية مثل "جيش محمد" وغيره، كما اعترف قائده بأن صدام هو الذي أسسه قبل سقوط نظامه بأيام، يتهم اليوم أمريكا بتسييس الدين. وكأن "هيئة علماء المسلمين" لا علاقة لهم بحزب البعث!!

ونظراً لما تقدم، نستنتج ما يلي:
أولاً، إن حزب البعث هو حزب إرهابي، يمارس الآن أعمال القتل والتخريب لزعزعة الأمن والاستقرار في العراق كأسلوب للقفز على السلطة ضد إرادة الشعب، لذلك فهذا الحزب هو حزب إرهابي، فكراً ومضموناً وممارسة، وفق تعريف الإرهاب.
ثانيا، إن حزب البعث لا يؤمن بالديمقراطية وتداول السلطة بالطرق السلمية، بل يؤمن بالانقلابات العسكرية كما كان يحصل في السابق وبحرب العصابات والإرهاب كما يجري الآن.
ثالثاً، وحتى لو طلبت الحكومة الحالية أو الحكومة المنتخبة القادمة من حزب البعث المشاركة في العملية الديمقراطية فإن الحزب نفسه سيرفض ذلك، كما رفض في السابق، لأنه ليس من سياسته الإيمان بالديمقراطية. كذلك جرت محاولات تحت شعار (المصالحة الوطنية) فرفضها البعثيون، لأنهم يعرفون جيداً أن لا حظ لهم في تحقيق حتى مقعد واحد في البرلمان عن طريق الإنتخابات. فمن المعروف عن عفلق كرهه الشديد للديمقراطية لأنه رشح نفسه للانتخابات البرلمانية عدة مرات في سوريا في الأربعينات وفشل. لذلك تبنى عفلق أسلوب الانقلابات والعنف الثوري ضد الخصوم السياسيين.
رابعاً، وحتى لو أعلن عدد من البعثيين التزامهم بالديمقراطية، فمن الذي يثق بهم ولهم هذا التاريخ الأسود بالغدر والتنكيل بحلفاء الأمس وعدم الالتزام بعهودهم ومواثيقهم؟
خامساً، على الذين تورطوا بحزب البعث ولم يرتكبوا جرائم ضد شعبهم ويرغبون في المشاركة ببناء وطنهم، فالباب مفتوح أمامهم بأن يعلنوا براءتهم من هذا الحزب الفاشي والاعتذار للشعب، ويطلبوا منه العفو والغفران، وبذلك يعودون مواطنين عاديين، كما عاد الألوف منهم، ودون السماح لهم بتشكيل حزب خاص بهم يعيد نفس مبادئ البعث باللف والدوران. لأن في هذه الحالة سرعان ما تعود "حليمة إلى عادتها القديمة" في الغدر والتنكيل.
سادساً وأخيرا، أرى من الضروري، إدراج حزب البعث ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الدولية مثل القاعدة وطالبان ومعاملة كل دولة تقدم الدعم لهذه التنظيمات كدولة مارقة يجب عزلها ومقاطعتها اقتصادياً ودعم التنظيمات الديمقراطية المعارضة في بلدانها.