قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الجامع الأزهر كان وما زال مؤسسة سياسية منذ أن وضع حجر أساسه القائد جوهر الصقلي بإيعاز من الخليفة الفاطمي المعز لدين الله في عام 361 هجرية (972 ميلادية).فكل القائمين على أمر هذا الصرح العظيم كانوا أداة طيعة في أيدي الحكام السياسيين الذين كانوا يمنحونهم الوظائف والرواتب ليصبحوا أبواقاً للدولة الفاطمية والمذهب الشيعي. وعندما أطاح صلاح الدين الأيوبي بالفاطميين وأصبح المذهب السائد في مصر سنياً، تسابق علماء السنة على تقليد المناصب في الأزهر ليصبحوا أبواقاً للسياسيين كما فعل علماء الشيعة. وفي العهد الملكي ظل الجامع الأزهر بوقاً للملك فؤاد ونادى بمبايعة الملك خليفةً للمسلمين عندما ألغى كمال أتاتورك منصب الخلافة في عام 1923 ميلادية. وعندما أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه " الإسلام وأصول الحكم " معترضاً فيه علي تنصيب الملك فؤاد خليفةً للمسلمين، هاج الجامع الأزهر وماج حتى حكمت هيئة كبار العلماء بالأزهر بإخراج الشيخ علي عبد الرازق من هيئة العلماء وفصله من منصب القضاء الذي كان يحتله. وبما أن الملك فؤاد كان اليد التي تطعم علماء الأزهر فقد كتب شيخ الأزهر الشيخ أبو الفضل في نهاية الخطاب المرفوع للملك فؤاد بنتائج جلسة هيئة العلماء : " وإننا جميعاً نبتهل إلى الله ونضرع إليه أن يديم جلالة مولانا الملك مؤيداً للدين ورافعاً لشأن الإسلام والمسلمين، وأن يحرس بعين عنايته حضرة صاحب السمو الملكي الأمير فاروق ولي عهد الدولة المصرية، إنه سميع مجيب. " وبدون أي مراعاة لحرمة العلم الذي كانوا يمثلونه أصبغ علماء الأزهر على الملك فؤاد لقب " مؤيد الدين ورافع شأن المسلمين " والكل يعلم أن الملك فؤاد كان يبعد عن الدين بعد الثرى عن الثريا. فهل تغير شئ في الجامع الأزهر في عصرنا هذا ؟ فما زال شيخ الأزهر وكبار علمائه يخضعون للتعيين بواسطة رئيس الجمهورية الذي يسهل عليه إبعادهم عن هذه المناصب إذا لم يختموا بخاتم الأزهر الديني على قراراته السياسية.

وعندما اجتاحت مصر مؤخراً موجة اضطرابات بين الأقلية القبطية والغالبية المسلمة مما سبب حرجاً للحكومة المصرية وتسبب في زيارة السيناتور الأمريكي جون كيري لمصر للوقوف على الحقيقة، تطوع شيخ الجامع الأزهر الشيخ محمد سيد طنطاوي بإلقاء تصريح نفى فيه أن تكون هناك أي فتنة طائفية في مصر، مؤكداً أن المسلمين والأقباط نسيج واحد ومواطنون مصريون وأنه لا تفرقة بين مسلم ومسيحي، مؤكداً كذلك أن الإسلام يرفض الإكراه على العقائد (الشرق الأوسط عدد 13 يناير 2005). ولم تطالعنا الصحف بأي تصريح مماثل من البابا شنودة ليؤكد تماسك هذا النسيج الذي قال به شيخ الجامع الأزهر. ولا أظننا في حاجة لسرد وقائع الظلم والاضطهاد الذي يعانيه أقباط مصر المحروسة. ولكن يكفي أن نسأل شيخ الجامع الأزهر: ما دام ليس هناك أي تفرقة بين المسلم والمسيحي، لماذا يُحرّم الجامع الأزهر على الأقباط دخول كلياته العلمية مثل الطب والصيدلة ؟

وفي معرض حديثه عن مناهج التدريس في الجامع الأزهر قال شيخ الأزهر: " إن الدراسة بالأزهر تمتاز بالوسطية والاعتدال ومستمدة من ثوابت الدين وشرائعه السمحة وإن الناس جميعاً متساوون في الحقوق والواجبات." ولا أدري إذا كان شيخ الأزهر قد نظر في المرآة بعد إدلائه بهذا الحديث ليرى إن كان أنفه ما زال بنفس الحجم أم تغيّر كأنف " بنوكيو " بطل قصة الأطفال الإنكليزية، ولكني واثق لو أنه نظر فلن يتعرف على نفسه. فما هي الثوابت التي يتحدث عنها شيخ الأزهر ؟ هل هي ثوابت ابن تيمية الذي قال: " إن الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم، عبرانييهم وسريانييهم، رومييهم وفرسييهم وغيرهم، وأن قريشاً أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش. وليس فضل العرب ثم قريش ثم بني هاشم لمجرد كون النبي (ص) منهم، وإن كان هذا من الفضل، بل هم في أنفسهم أفضل ."( اقتضاء الصراط المستقيم، ج1/373). وقد أيد هذا القول القرآن نفسه عندما خاطب العرب بقوله: " وكنتم خير أمة أُخرجت للناس ". وهل يعتبر شيخ الأزهر الإماء والعبيد من جنس الإنسان أم لا ؟ فالإسلام لا يعتبرهم متساويين مع الأحرار، فعورة الأمة غير عورة الحرة وعقاب الأمة غير عقاب الحرة وحتى فترة عدتها نصف فترة عدة الحرة. والعبد لا يُقتل بالسيد (تحفة الأحوذي ص 953). ولا نصيب للملوك الذي يحارب في جيوش المسلمين في الفئ، والعبيد كالبهائم لا قصاص فيهم ( بداية المجتهد لابن رشد، ج2، باب القصاص). ثم ماذا عن أهل الذمة الذين ألف فيهم المسلمون عدة كتب، منها كتاب ابن قيم الجوزية " أحكام أهل الذمة ". ففي هذا الكتاب وتحت باب الجزية، يقول ابن القيم: " من راعى فيها المعنى الثاني قال المقصود إظهار صغار الكفر وأهله وقهرهم، وهذا أمر لا يختص أهل الكتاب، بل يعم كل كافر، فالجزية صغار وإذلال ولهذا كانت بمنزلة ضرب الرق، وإذا جاز إقرارهم بالرق على كفرهم جاز إقرارهم عليه بالجزية لأن عقوبة الجزية أعظم من عقوبة الرق، ولهذا يُسترق من لا تجب عليه الجزية من النساء والصبيان وغيرهم ." وإذا كان هذا رأي الإسلام في الجزية، وإذا علمنا أن أقباط مصر كانوا يدفعون الجزية منذ دخول عمرو بن العاص مصر حتى عام 1885، عرفنا كيف أن الناس في مصر متساوون في الحقوق والواجبات.

ولا داعي للحديث عن ثوابت الإسلام عن المرأة، فهذه تحتاج إلى مجلدات كثيرة لسبر غورها، ولكن يكفي أن نتذكر رأى حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في المرأة ومكانتها في المجتمع المسلم لنعرف المساواة بين الناس في الإسلام. وفي الحقيقة أن الإسلام لا يعتبر المرأة جزءاً من الناس، فالقرآن يقول: " زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب " (آل عمران/14) فهذه الأشياء كلها هي التي زُينت للرجال لأن النساء في العادة لا يشتهين النساء، وبدل أن يقول القرآن " زين للرجال " قال " زُين للناس "، فالناس هم الرجال فقط

وفي رد شيخ الأزهر على تساؤلات الوفد الأمريكي فيما يتعلق بوجود متطرفين إسلاميين يعملون على عزل العالم الإسلامي عن الغرب، أوضح الشيخ أن روح الإسلام تقوم على أنه دين سلام ولا يعترف بالتفرقة ولا بالعنصرية وينبذ التطرف. وهذا لعمري هو عين مغالطة الحقائق، أليس من ثوابت الدين الإسلامي جهاد الكفار وقتلهم، وقد قال الرسول الكريم: " أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ومن قالها عصم مني ماله ودمه ." ويبدو ذلك جلياً في كتاب " الاجتهاد في طلب الجهاد " للشيخ ابن كثير، وقد عُنيت بنشر الكتاب جمعية التأليف والنشر الأزهرية بالقاهرة في عام 1347 هجرية. وفي هذا الكتيب يورد المؤلف سبعة آياتٍ وثلاثة عشر حديثاً تحث المؤمنين على قتال الكفار وعلى المرابطة على الثغور التي يجازي الله من يرابط عليها باستمرار أجره حتى بعد موته عندما تتوقف أعمال الجميع. وأليس العراق ثغراً يدخل منه الكفار لقتال المسلمين ؟ أما عن صداقة الكفار وموالاتهم فحدث عنها ولا حرج. ويكفي هنا أن نذكر قول ابن تيمية: " من ذهب إلى دار الحرب لتجارة أو اقتناء علمٍ وجب عليه أن يضمر للكفار العداوة والبغضاء طوال إقامته بينهم. " أما العنصرية في الإسلام فتنضح من الكلمات التي اشتقوها في صدر الإسلام لوصف المسلمين غير العرب من أمثال " الموالي " و " العلوج " التي وصفوا بها أهل مصر والشام والعراق لأن مهنتهم الرئيسية كانت الزراعة التي لم يمتهنها العرب.

وعندما سُئل شيخ الأزهر عن الخلافات العقائدية بين السنة والشيعة، نفى أي خلاف بينهم وقال إن من يفرّق بينهم جاهلٌ لا يعرف حقيقة الإسلام وإن الإسلام دين يؤمن بالتعددية المذهبية والثقافية وحتى التعددية الدينية. ولا يسعنا هنا إلا أن نقول لشيخ الجامع الأزهر: " كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون " (الصف/3). هل قرأ شيخ الأزهر ما قال السلف عن الرافضة وإباحة دمهم، وهل قرأ ما أفتى به الشيخ بن باز في مؤلفاته العديدة عن الرافضة وهل سمع بما فعل الطلبان في أفغانستان مع قبيلة " هزارا " الشيعية، وهل قرأ أو شاهد على شاشات الفضائيات عن تفجير مساجد وحوزات الشيعة في العراق ؟ وإذا كان الإسلام يؤمن بالتعددية الدينية والمذهبية لماذا قال النبي " لا يجتمع بجزيرة العرب دينان "؟ وكذلك قوله: " لو أمد الله في عمري لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب "؟

وعندما سُئل عن رأى الأزهر في الانتخابات العراقية قال شيخ الأزهر: " إنه منذ أن تحددت هذه الانتخابات وأنا أقول إن مشاركة كل عراقي واجب لتحديد من الذي سيتولى الأمور وإلا ستستمر المصائب والفتن " (الشرق الأوسط عدد 13 يناير 2005). وطبعاً مما لا شك فيه أن هذا هو موقف الحكومة المصرية نتيجة الضغوط الأمريكية عليها، ولا بد لشيخ الأزهر من أن يفتي بما أفتت به الحكومة، وإن كان معارضاً لفتوى سابقة من الأزهر الشريف. ففي العام الماضي أفتى رئيس لجنة الفتوى في الأزهر الشيخ محمد حسين وعضو اللجنة الشيخ نبوي محمد العش بعدم شرعية مجلس الحكم العراقي وحرما التعامل معه باعتباره فاقد الشرعية الدينية والدنيوية، لأنه فرض على العراقيين بقوة الاحتلال ليكون موالياً لأعداء الإسلام . ولا يسعنا إلا أن نقول: " سبحان الله مغير القلوب ". لأن شيخ الأزهر قال عندما صدرت الفتوى السابقة: " إنه ليس من حق أي عالم مصري أن يتحدث في شأن أي دولة أخرى. ...وإنني شيخ الأزهر لمصر، ولا يصح أن أزايد على شيوخ العراق وأصدر فتاوى خاصة بهم، فمن الأولى للعلماء العراقيين أن يقولوا رأيهم في هذا الشأن.. فهم أدرى وأعلم بأمورهم منا ."

وليست هذه المرة الأولى التي يتحايل فيها شيوخ الأزهر على الحقيقة، فقد قال الدكتور أحمد الطيب، رئيس جامعة الأزهر، في العام المنصرم عندما رجع من روما بعد أن حضر مؤتمراً عن الحوار بين الأديان، قال: " إن الحوار يجب أن يقوم على أساس الاعتراف بالآخر والابتعاد عن محاولات تذويب الهويات وتحقير الثقافات واعتماد منطق الاستعلاء والتفوق والإملاء وادعاء امتلاك الحقيقة في مشاريع الإصلاح." وهذا القول هو عكس ما يحدث في الإسلام تماماً، لكنها السياسة التي تقلب الأمور على رأسها ابتغاء المصالح الدنيوية. ولا ندري ما ذا فعل الدكتور بالآية القرآنية: " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " (الصف/9). كنا نتعشم أن يكون شيوخ الأزهر فوق السياسة التي، كما عرّفها ميكافلي: الغاية تبرر الوسيلة. فالأديان ثابتة كثوابتها التي أصموا بها آذاننا، بينما السياسة متغيرة بتغير الفصول.