عندما كنت فى المدرسة الإعدادية والثانوية لم أكن متميزا فى موضوعات الإنشاء والتعبير، فقد إفتقدت كتاباتى العبارات الرنانة والإكليشيهات الحماسية المميزة لفترة الستينييات، وأصبحت وأمسيت تلميذا خائبا فى موضوعات الإنشاء حتى إهتديت الى صديق نصحنى بأهمية العبارات الإنشائية الرنانة وقال لى :"سيبك من كلام المنطق بتاعك، لا بد أن تكتب كلام كبير"، ووجدت العبارة والتى كانت مفتاحا لتفوقى فى موضوعات الإنشاء، وكانت العبارة هى : " وإن غدا لناظره قريب"!!، وكنت أختم كل موضوع إنشاء بتلك العبارة، سواء كان موضوعا عن الحرب مع إسرائيل أو موضوعا عن جمال عبد الناصر، أو موضوعا عن العقل السليم فى الجسم السليم، أو موضوعا عن الإحسان الى الفقراء، كله لا بد وأن أختمه بتلك العبارة الخالدة "وإن غدا لناظره قريب". وألاحظ أن الأخوة العربان قد حولوا كل قضاياهم الى :"وإن غدا لناظره قريب"، القضية الفلسطينية قد تولاها الشعراء بالإشتراك مع بعض المناضلين الحالمين، وبعض مناضلى بيروت والقاهرة ولندن وباريس، وبإعتبارها القضية الأم فتجدها أنها "أم الشعارات والإكليشيهات"، فتجدهم تارة يغنون :"إنا عائدون"، حتى الذين بدأوا إغنية (عائدون) معظمهم قد مات وشبع موتا، ولكن أولادهم ما زالوا يغنون (عائدون)، وكلما زادت الأغاني والشعارت زادت المستوطنات المملؤة باليهود الجدد من روسيا.

ومن قبل 1948 كان شعارالعصابات الصهيونية هو المنتشر، ورغم أن هذه العصابات الصهيونية قد هزمت بجدارة سبع جيوش لسبع دول عربية (وليست عصابات عربية) إلا أن الشعار إستمر الى أن تطور أخيرا الى الكيان الصهيونى المزعوم وفى أفضل الأحوال الى العدو الصهيونى، وسواء أطلق العرب على إسرائيل لقب العدو الصهيونى أو الكيان الصهيونى فلن يغير هذا من حقائق الأرقام التى لا تكذب بأن المواطن الإسرائيلى (الصهيونى الكخة) هو أعلى مستوى دخل لكل مواطنى الشرق الأوسط، وأن الفساد الإقتصادى والسياسى فى دولة الكيان الصهيونى هو الأقل فى الشرق الأوسط،وأن الدخل القومى لهذا الكيان الصهيونى هو الأعلى فى المنطقة رغم أنه لا توجد لديه أنهار ماء أو أنهار بترول أو عدد سكان ضخم أو مساحة أراضى متناهيه، وهذا الكيان المزعوم هو الأكثر تقدما فى النواحى العلمية والتكنولوجية حتى أنه أصبح يصدر طائرات بدون طيار الى فرنسا ويصدر أسلحة إلى الهند بمليارات الدولارات، ويمكن للأخوة الشعراء العربان أن يستمروا فى وصف شارون بالسفاح ووصف دولته بالكيان المزعوم، ويستمروا فى خداع الغلابة ساكنى مخيمات اللاجئين فى أنهم (عائدون وراجعون)، وهؤلاء الشعراء يعرفون تماما وهم يحتسون النبيذ الفرنسى الفاخر فى فنادق نيس ومونتى كارلو أن هؤلاء اللاجئين لن يرجعون ولا يحزنون ولكنهم يستمرون فى المتاجرة بقضيتهم، وتزداد حساباتهم الخارجية إنتفاخا وتزداد معدة اللاجئين خواء.
فهل حقا أن "العرب ظاهرة صوتية"، وهل حقا "أن حضارتنا هى حضارة كلمات"، هل الشعر العربى (شعر الحماسة والفخر والمديح والهجاء) كان وبالا على هذه الأمة وجعلها تعيش فى عالم من الأوهام مثل:
"لنا الصدر دون العالمين أو القبر" أو : "إذا بلغ الرضيع لنا فطاما تخر له الجبابر ساجدينا"

هذه الأمة والتى يبلغ تعداها تعداد الولايات المتحدة يقل دخلها القومى جمعاء!! (بما فيه دخل البترول) عن دخل أسبانيا أو كوريا الجنوبية، هل أصبحنا حقا (بتوع كلام)، هل أصبحت ثقافة (الدردشة) والمقاهى والشيشة (النرجيلة) والطاولة هى ثقافة هذه الأمة، إنى أقرأ كثيرا لأباطرة مثقفى هذه الأمة فى كل الجرائد المحترمة وغير المحترمة فلا أجد سوى :" وإن غدا لناظره قريب"، كلام إنشائى ركيك يفتقر الى أى منطق وموضوعية، وكلام ملئ بالعنصرية والعجرفة (إللى ع الفاضى)، ولا يعادله إلا موضعات الإنشاء التى كنت أكتبها عندما كنت تلميذا فى مدرسة المنيرة الإعدادية بالسيدة زينب. وحتى القلة القليلة من الكتاب الذين يحترمون أنفسهم ويحاولون مخاطبة عقول هذه الأمة التعيسة (لا غرائزها)، لا يقرأ لهم إلا القليل القليل، حتى الكلام الذى أكتبه كثيرا ما أقول لنفسى ماهو إلا "دردشة". فأنا نتاج هذه الأمة ونتاج ثقافة الدردشة. وترتفع أصوات كثيرة تطالب بعدم (جلد الذات) وبعدم نشر (الغسيل القذر)، وأنا أقول لا بد من (جلد الذات) ولا بد من (الضرب على القفا) إذا لزم الأمر لكى يستيقظ النيام ويفوق الأنام (حلوة الأنام دى... ماهو كله دردشة وسجع!!).

وإلى جانب ثقافة الدردشة، أكتسح الملعب أيضا ثقافة الدروشة، لبس الجميع (العمة) بعد أن لبست النساء (الحجاب)، أى شئ يحدث للناس على المستوى العام والمستوى الفردى أصبح مرده للقدر، مأساة (تسونامى) فى آسيا سببها غضب من الله (لاحظ أن %40 من قراء إيلاف أفادوا بهذا، وكأن لديهم إتصال إليكترونى بالخالق سبحانه وتعالى، ويعرفون متى يغضب ومتى يرضى)، هزيمة 1967 سببها غضب الله، عبور قناة السويس فى 1973 توفيق من الله، سقوط الولد فى الإمتحان إنتقام من الله، هرب الحرامى من البوليس لأن ربنا كبير، الفقر المنتشر نتيجة الإنفجار السكانى (ولا يهمك) نرزقهم وإياكم، وكل الأمور تسير وكأن الله قد خلق الإنسان بدون إرادة مثل الروبوت، وفى هذا كفر تام بالله وبالإنسان معا، الإنسان أعظم المخلوقات على الأرض لما تميز بالعقل والخلق والإبتكار والإرادة.

ومن أكثر علامات الدروشة هو أن معظمنا أصبح يستشهد بمناسبة وبدون مناسبة بالمصطلحات الدينية سواء فى عمل أو ترفيه أو صفقة مالية أو مباراة كرة قدم أو فى مناسبة طهور ولد أو حالة وفاة، وهذا الإستشهاد فى حالات كثيرة يكون كلمة حق يراد بها باطل أو لكسب معركة دردشة كلامية أو لكتم أنفاس بعض الكتاب الأحرار والذين ينسحبون فى معظم الأحيان مؤثرين السلامة خوفا من إتهامهم بالزندقة، أن لوى أعناق بعض النصوص الدينية ومحاولة إلباسها بالعافية لكل نواحى الحياة سواء النواحى العلمية والفنية والتربوية والسياسية والإقتصادية، ماهو إلا إلغاء كامل لنعمة العقل الذى ميز الله بها الإنسان عن باقى المخلوقات، إن خطورة ظاهرة (الدروشة) هى أنها تقود الى حالة إنفصال عن العالم الحقيقى وإختراع عالم دروشة كامل ووهمى، وعندما يصطدم الدروايش بحقائق الحياة المرة، إما ينقلبوا على أنفسهم ويصابوا بأشد حالات الإكتئاب النفسى، أو ينقلبوا على غيرهم من الناجحين فى هذا العالم الغير (متدورش) ويحاولون إيذائهم، والدخول فى حالة الدروشة تشبه الدخول فى عالم المساطيل أو المنومين مغناطيسيا أوكمن أخذ حقنة بنج ولكن تأثيرها (طول شوية) حوالى 600 سنة !!

إن محاولة تفصيل المصطلحات الدينية بالعافية على كل نواحى الحياة هو محاولة لإلغاء كل بهجة فى الحياة ومحاولة لتحويل الإنسان الى إنسان آلى مبرمج يحفظ نصوص معينة و لايرغب فى معرفة سواها ويلغى عقله إلغاء مبرما، وفى نفس الوقت لابد له من أن يستخدم أدوات من يتعالى عليهم الغير (مدروشين) والذى ينعتهم بأنهم أحفاد (القردة والخنازير) والكفار، وعندما تسأله لماذا يأخى تستخدمون أدوات الكفار وتأكلون من زرع الكفار وتلبسون من نسج الكفار و (....) فى حمامات الكفار وتتعلمون فى جامعات الكفار، يكون الرد جاهزا وهو "الضرورات يبحن المحظورات" أو رد آخر وهو قمة الغرور والعنصرية "إن الله قد سخر الكفار لخدمتنا!!".

إن تحالف الدردشة والدروشة قد خلق من العربان جنسا نادرا بين البشر، شيئا ما بين البشر والروبوت، ليس لديهم عقل وقلب الإنسان ولكن لديهم طول لسانه!! وليس لديهم فضيلة العمل الشاق والعمل المتقن لدى الروبوت ولكن لديهم شكله و(تناحته) وتوقفه عن العمل عندما تفرغ بطاريته الكهربائية!!

[email protected]