قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يمتلك السياسيون قدرة استثنائية على استذكار تواريخ الاحداث والوقائع بحيث انهم يحددون لها السنة والشهر واليوم، وربما الساعة التي حصلت فيها. ولأنني لست سياسياً استميح العذر لعدم مقدرتي، فيما أسوق من أحداث، أن أحدد تواريخها بدقة. ولكنها في الواقع أحداث ومعايشة تبقى عميقة في الذاكرة لأنها مهمة وذات دلالة يمكنها أن تضيء
مواقف سياسية واخلاقية ووطنية وانسانية بالمقارنة مع أحداث اليوم التي تجري في العراق، وقد أخذت تتجاوز حدود البلاد لتمتد الى بلدان عربية مجاورة تتخذ منها مسرحاً لبداية عرض مدمر كما يحصل الآن في العراق.

إنها مقارنة بين الارهاب وبين الكفاح ا لمسلح. بين ما يجري الآن من تدمير شامل يأخذ الشعب رهينة مها نة مذلة يُقتل يوميا، وبين تاريخ طويل من الكفاح المسلح الذي مارسته أحزاب عراقية لعقود من الزمن بدءا من اقليم كردستان إلى أهوار الجنوب ومناطقه.

ما يحصل في العراق، منذ زوال النظام الدكتاتوري قبل حوالي العامين، من ضربات إرهابية يومية تركت نتائج كارثية، بينما كانت البلاد مؤهلة لأن تضمد جراحها وترسم مستقبلها في فترة زمنية ليست طويلة بعدزوال الدكتاتورية. في هذين العامين كان من الممكن أيضاً تجاوز آثارالحرب وتركة خراب البعث ـ كما حصل في المانيا واليابان على سبيل ا لمثال ـ لتعود الحياة الى مجراها الطبيعي لولا عمليات التخريب التي طالت كافة المرافق وضربت بعنف المحاولات التي بذلت و تبذل لاعادة المؤسسات والبنى التحتية وتمنح الناس القدر الادنى من الشعور بالامن والاستقرار.

ومن الواضح أن العمليات الارهابية ـ وهي تسمى كذلك ـ تفتقد الى رؤية سياسية ولا تعتمد على الجماهير، بل تهدف فقط الى التنكيل بها وحجز حريتها ومبادراتها معلنة ضدها سياسة الارض المحروقة بتقتيل الناس وتدمير المؤسسات وهدر أموال الننفط والذبح واللصوصية...الخ من الافعا ل الاجرامية. وتدلل الوقائع اليومية ومجريات حياة الناس على عمق الخراب في ا لبلاد. لقد ترك الارهابيون الناس يتعذبون في عطالتهم من فقدان الطاقة الكهربائية و الماء والوقود وفقدان السلام الاجتماعي وأبسط اشكال الخدمات بحيث اصبحوا أشبه بعبيدٍ خوفاً من الارهابيين. ويريد الارهابيون، بعد " تجربة العراق " تصدير الارهاب الى العربية السعودية والكويت والاردن وغيرها كما تشير الاحداث وتدلل الوقائع. ومن الواضح ان تجربة الارهابيين تمتثل للخراب واذلال الناس وزرع الرعب في قلوبهم وحرمانهم من الطمأنينة وسوقهم الى اللامبالاة بالوطن وبالقيم وبالاخلاق تحت طائلة الموت والذبح من الوريد الى الوريد ليكونو رهائن وضحايا. وإذا كان الكفاح المسلح يستهدف انهاء احتلال اجنبي، أو يستهدف الخلاص من نظام دكتاتوري فإن قوانينه وآلياته كما هو معروف في سياق التاريخ هي الاعتماد على الشعب بكسبه ودفعه الى النضال ليكون قوة ضخمة تغير الموازين لصالح الشعب.أي أن هدف الكفاح المسلح، وهو حرب غوار تخوضها مجموعات صغيرة، هو كسب ثقة الشعب أولاً ومنحه الثقة بالنفس وتسهيل استعداده للمساهمة الجماعية في التغيير. وبالطبع لايمكن لقوة ارهابية مضادة للجماهير أن تقوم بهذه المهمة لذلك توصف بالارهاب لابالعنف الثوري، بل توصف باللصوصية، ومرتكبوه مجرمون عاديون بسبب من تدميرهم لكل ما يحتاجه المواطن في حياته اليومية.

من السهل أن يميز المرء بين الكفاح المسلح والعنف الثوري، كما درجت الادبيات السياسية على تسميته، وبين الارهاب، ونحن نعيش تبعاته الدموية في كل يوم.في هذا السياق للتمييز والمقارنة بين الارهاب وبين المقاومة استذكر بعض الحقائق من تاريخ البلاد نفسها : من العراق الذي ابتلي بالارهاب.

في نهاية أعوام السبعينيات تشرد مئات الآلاف من الشيوعيين من جراء بطش دكتاتورية حزب البعث العراقي. ترك أكثرهم البلاد لاجئين ألى بلدان اخرى فيما لاذ البعض إلى إقليم كردستان في شمال العراق. وبذلك شكل الحزب الشيوعي الأنوية الأولى لحركة الكفاح المسلح ضد السلطة سمّاها بـ " حركة الانصار ". وفي اقليم كردستان كان أيضاً الحزبان الرئيسيان، الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني يقودان الكفاح المسلح بكل صعوده وافوله منذ عقود ضد السلطة القائمة تحت شعار الديقراطية للعراق والفيدرالية لكردستان. كانت قوات سلطة البعث غاشمة في التصدي للكفاح المسلح، تستخدم سياسة الارض المحروقة وإبادة السكان وتجريف القرى حيثما تواجدت مقرات و مفارز المسلحين. ولا تحتاج الإضاءة لإحصاء أعمال السلطة الدكتاتورية التي مارست البربرية ضد الاكراد وضد الشعب العراقي عموماً. كانت سلطة البعث تعتقد انها تملك العراق ومن حقها أن تحكمه بالحديد والنار، فيما كانت بؤر الكفاح المسلح تتصدى لقوات السلطة و لا تريد أن تكبدها الخسائر غير المبررة بين جنود الجيش العراقي المساق قسراً الى المعركة. وهي بتلك السياسة كانت تضع ضوابط سياسية وأخلاقية وانسانية في نفس الوقت : تريد أن تكسب الناس وتدلل للجنود البسطاء ان استرتيجية الكفاح المسلح تهدف الى اسقاط السلطة لا الى الثأر من الجنود، و لا الى تدمير المصالح الاقتصادية وتهديم البنية التحتية.وفعلاً تمكنت تلك الاحزاب أن تستدر عطف الجماهير، بل ان تموينها وديمومتها اعتمد بالدرجة الاولى على الفلاحين في القرى، وبعض انتصاراتها جاء نتيجة عدم استعداد جنود الجيش العراقي للمواجهة.

لقد تسنى لي أن أعرف كثيراً من الحقائق بالحديث مع " الأنصار" العائدين , ومع جرحى الحزبَين الكرديَين الذين جاءوا الى المعالجة في أوربا، وكذلك في الحديث مع بعض قادتهم . وبعض هذه الحقائق هو المعاملة الوحشية للسلطة البعثية في اعدام المقاتلين والمشتبه بهم، وتدمير وإفناء القرى والمناطق التي يمكن أن تكون المجال الحيوي لتحرك مفرزات الكفاح المسلح. هكذا تمَّ تجريف القرى على طول الحدود العراقية التركية وبعمق كيلومترات. وقامت السلطة بهدم وتجريف آلآف القرى الكردية التي كانت المجال الحيوي لحركة مقاتلي الحرية. كما جففت مصادر المياه والينابيع وسممت الاخرى وحرقت ا لغابات، ونقلت تجمعات سكانية كاملة الى اماكن اخرى، فيما بنت مجمعا ت وقلاع حراسة هي بمثابة معسكرات اعتقال لمئات الآلاف من العوائل الكردية . وفي المقابل كانت قوى الكفاح المسلح تطلق سراح أسراها من الجنود ومن المتعاونين مع السلطة، وهي في حساب دقيق، كانت تتحاشى إبادة الاهداف التي بمقدورها ذلك.

وإبان الحرب العراقية الايرانية، وفي فصولها الاخيرة، عندما اجتازت القوات الايرانية الحدود ودخلت الاراضي العراقية، استنكفت قوى الكفاح المسلح من كافة الاطراف عن قتال القوات العراقية واعتبارها اهدافاً . أي أنها ربطت بمنظور سياسي حصيف وبشعورعا لٍ بالمسؤولية مهمتها الوطنية بأهدافها السياسية. ولكن جزاء السلطة البعثية لم يكن إلاً مجازر جديدة بدءأ من حلبجة الى قتل وتشريد الملايين بعد عقد الهدنة مع الايرانيين.

في منتصف أعوام الثمانينيات، ولا أذكر التاريخ بالضبط، إلتقيت السيد روز شاويس، نائب رئيس ا لجمهورية العراقية الحالي. كان شاويس، أحد ا لكوادر الاساسية في الحزب الديمقراطي الكردستاني، قد عاد تواً من العراق يحمل معه شريطاً مصوراً لاحدى المعارك التي خاضها حزبه تحت قيادته. رأيت الشريط واستمعت إلى حديثه للمقاتلين البيشمركه وهو يحدد لهم الهدف وساعة الصفر، ولكنه أيضاً ينبههم الى عدم استخدام العنف ويمنعهم من التنكيل بقوات الجيش العراقي. ثمَّ يبدأ الهجوم وتتم السيطرة على الهدف : عشرات من الجنود والآليات والتجهيزات تستسلم لقوات البيشمركه. ويظهر في الشريط فيما بعد طابور الجنود العرا قيين الذين أخلى المهاجمون سراحهم ليعودوا الى اسرهم .

لقد أثار عندي هذا الشريط في نقل عملية عسكرية حيّة بوقائعها مشاعر متضاربة. فحضرت أمامي السيرة الكوبية ضد باتستا، والنهج الغيفاري، كما حضرت الثورة الصينية ومحاصرة المدن بالريف. فسألت روز شاويس، وكنت على خطأ: "ألا تستطيعون الوصول إلى خطوط الكهرباء ـ الضغط العالي، وإلى السدود ومعامل التبغ، أقصد مؤسسات الدولة الخدمية وما يدر عليها ويديم عمرها؟.
فرد شاويس بهدوء: "أجل يمكننا تدمير مصالح حكومية عديدة. يمكننا تعطيل نقل ا لطاقة، واحراق حقول نفطية وتفحير الأنابيب الناقلة له. يمكننا منع السياحة وضرب المؤسسات والمصانع الحكومية، ولكن من الذي سيتضرر من جراء ذلك؟ " ويجيب هو على سؤاله : " سيتضرر الشعب بالدرجة الأولى ونفقد تعاطفه معنا . النفط هو ملك العراقيين وكذلك الطاقة التي تهيء لهم الراحة. إن ضرب المؤسسات الخدمية والمصانع والمرافق الصحية تضر بالناس وبالعمال والكسبة والمعدمين".

وقال شاويس : " نحن لا نستخدم سياسة الأرض المحروقة مثلما تفعله السلطة الفاشية. نحن مع الناس ولسنا ضد الناس، وبالتالي هذا هو وطننا، وكل ما في الوطن ملك للشعب. لسنا عصابات ارهابية نحن مناضلون من اجل الحرية ".

كلما أتذكر حواري مع روز شاويس، وأستمع الى الأخبار الواردة من العراق، تلك التي تعلن كل يوم عن تفجيرات وهجمات تودي بحياة الناس وتقطع رقابهم، وتحرمهم من الماء والكهرباء ومن عائدات النفط أشعر بالاحباط وبالالم الشديد من معانات الملايين من العراقيين التي تستمر بهذه الاعمال منذ قرابة العامين وهي تمضي نحو الأسوأ. بعد أكثر من عام لم تتكامل المؤسسات الحكومية التي تخدم المواطنين، ولم تتأسس الدوائر الخدمية ولم تتظافر الجهود لاخراج المواطن العراقي من محنته. وما يجري في العراق هو في الواقع موجه بالدرجة الاولى، ليس ضد قوات التحالف، بل ضد المواطن العراقي ليعيش الذل والهوان. وحقيقة ما يجري هو يريد ان يكرس عمداً إبقاء الخوف والفقر وسيادة الفوضى واللصوصية والابتزاز وهدر كرامة ا لمواطن العراقي بكل الوسائل الاجبارية.

إن العملية السياسية، لأي طرف مناوئ للاحتلال و للحكومة العراقية المؤقتة، تقتضي في الواقع التوجه للناس بغية كسبهم ودفعهم لمناهضة النظام، لا لبسط الارهاب واستخدام سياسة الارض المحروقة وإبادتهم مرة اخرى مثلما فعلت الساطة الديكتاتورية البعثية في إدخالهم إلى مسالخ بشرية.

لقد أصبحت سيرة "مناهضة الاحتلال" لدى "المقاومين" سيرة إرهابية بامتياز. قتلوا الشعب وجعلوه رهينة، ولا أحد يعرف الى أين سيقود الارهاب العراق، وأي مصير مظلم ينتظره