قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ايتها الجوارح القاتلة: دعي الطيور تحّلق من جديد!

"لا تعرف طبيعة الشعوب الا من خلال تراثها الموسيقي والغنائي.." (غوستاف مالر)

شنهو الراي.. دّليني!!
تسلمت قبل ايام طردا من صديقي العراقي الحميم الموسيقار الدكتور فريد الله ويردي الذي يقيم مع زوجته الروسية المثقفة في دبلن بايرلندا، وقد اهداني بعض تسجيلات اعماله الموسيقية التي تمّ تقديمها في صالات ومسارح كبرى في العالم وهو يعرف كم اهوى الموسيقى الكلاسيكية العالمية وانجح في تحليل حركاتها وفواصلها وتراكيبها وتحليل فترات الصمت.. لقد بقيت منغمرا في عالمه الرحب، واكتشفت كم نجح هذا المثقف العراقي الاصيل في ترجمة الديمومة العراقية الخالدة، ونجح ايضا في التعبير عن سمات التلاوات القرآنية الهادئة ليجعلها بمثابة " انترفيس " موسيقى تربط مختلف التعارضات بينه وبين الاخر مهما كان عالم ذلك الاخر.. وان الاخر الذي اقصده هو نفسه المزروع في جنبات العراق ودواخله المختلفة، وهو نفسه الذي يتربص مفترسا في دائرة المحيط القريب او في البعد البعيد!
وفجأة تتهادى في ذاك الشريط نفسه اغنية عراقية قديمة من الارشيف السمعي العراقي النادر الذي يلازم الموسيقار فريد الله ويردي وكان له الفضل في التقاطها منذ عقود طوال من السنين.. والذي كتب لي في رسالته الاخيرة قائلا: " سجلته لك لتوافقها مع وضعنا المأساوي في الوطن العزيز!! ومنذ العشرينيات ولحد الان ( نحن) حائرين لا نعرف ماذا نريد!!!؟ ". كانت الاغنية العراقية النادرة التي ارسلها لي مسجلة هي الموسومة بـ " شنهو الراي.. دليني " وتأتي بعد مقام عراقي ادّاه مع الاغنية وبجدارة منقطعة النظير فنان عراقي قديم عاش في ما بين الحربين العالميتين اسمه: عبد الامير الطويرجاوي، وقد اعدت بنفسي سماعه مرات ومرات، وكم يكتشف الانسان في كل مرة عند مطلع القرن الواحد والعشرين بأن العراقيين على امتداد قرن كامل مضى واختفى بكل آلامه ومآسيه واوضاره واوصابه بقوا ينادون او يبكون وينوحون او يتساءلون قائلين الغادي والرائح: " شنهو الراي.. شنهو الراي دليني "، وكأن لا رأي موحّد يجمعون عليه على امتداد مائة سنة!!

ما الذي ناح به الطويرجاوي؟
دعونا نسمع ما يريد ونتأمل ما يطلب هذا العراقي القادم من اعماق العراق.. انه بمثابة اعتراف بالخطأ يبحث من خلاله عن مستقبل هادىء يبحث له عن ربيع دائم، ينأى بنفسه عن كل الكوارث.. انه دعوة الى الهجوع والتأمل والتفكير.. انه تنازل عن جملة من القيم البليدة التي يتشدق بها البلداء والتافهين دوما ومن اجل الانقاذ.. انه مناشدة من اعماق النفس لخطوات معرفة وعلم بالامور.. انه بحث عن دلائل المعاني والاشياء ايها العراقيون. دعونا نسمع ما يقول، والجمر قد وّج في قلبه وهو يخاطب انسان آخر:
انت بكتر.. وانا بكتر، طال الهجر وجّ الجمر
شنهو الراي دليني
شايف صبر مّد العمر، أحد حجى حاجيني
شنهو الراي دليني
عندك علم لو بالحلم، مد دورني يكفيني
شنهو الراي دليني
دمعي انشطر صّب المطر ضلعي انكسر لفظي انجبر
شنهو الراي دليني
انت بوطر وانا بخطر، وينك يا خي وويني
شنهو الراي دليني
وفي الولف ما تختلف غطي بزينك شيني
شنهو الراي دليني
انا العبد وانت الاغا وحّد منك تباريني
شنهو الراي دليني

محاولة مقارنة في الاقتراب
لقد نجحت جدا في مقارنتي ومقاربتي معا بين الموسيقار العالمي فريد الله ويردي وهو يترجم حركة انسان العراق بين الانطلاق والركود وبين ما كان ينوح به المطرب المحلي عبد الامير الطويرجاوي، فوجدت الاخير يعاتب وينوح ويطلب ولا يعرف طريقه.. انه يريد الدلالة، يريد الخلاص وتجد الاول ينطلق برغم كل ما اصابه من جراحات وآلام وشقاءات في الوعي ليترجم للعالم كله عالم غريب جدا من نوع آخر اسمه العراق، وان ذلك عبرة لكل العراقيين لو يفقهون.. انه يترجم كيف تحلق الطيور العراقية دوما في سماوات عليا، ولكن سرعان ما تنقض عليها الجوارح من الدواخل والمحيط لتمزقها اربا اربا وتفوح رائحة الدم في كل تراب وفي البيوت احزان ومآس ودموع.. وكل عراقي من عقلاء وندماء وشعراء وبلغاء وخلعاء ورؤساء واغنياء واذكياء واغبياء وطلبة وسدنة وسادة وشيوخ ومساكين ومسحوقين وفقراء من معاصرين وقدماء.. كل منهم ينادي: " شنهو الراي دليني "..
دعونا نتأمل في واحد من الامثلة الحقيقية التي عاشها العراقيون في القرن العشرين والتي قد لا نجد مثلها ابدا لدى غيرهم.. ربما لأن البيئة تنشط فيها كل الكائنات بدءا بالطيور التي غيبتها الجوارح الناعقة.. وصولا الى زمن الضباع القاتلة للقطعان في كل مكان! واستطيع القول بأن نخب المثقفين العراقيين الذين انطلقوا في خمسينيات وستينيات القرن العشرين لم تضاههم ابدا اية نخب مثقفة في كل المنطقة، ولعل الذين تميزوا بخصائصهم النادرة اولئك الادباء والشعراء الصعاليك العراقيين الذين لم نجد مثلهم عند كل العرب والمسلمين.. لقد خرقوا كل التقاليد والنواميس بعد ان حلقوا بعيدا ويعجب الدارس ازاء خصائصهم المتفردة الجميلة وقدراتهم الهائلة في التعبير والشجاعة والتمرد والضياع والجنون المفتون بالمرأة.. بالثورة وعشق الناس.. بالتشرد والغربة والسفر.. وبالكلمة وبالحرية بالعشق والخمرة..
ان اسماء كبيرة مثل: احمد الصافي النجفي ويونس بحري ونوري ثابت ( حبزبوز ) وحسين مردان ومظفر النواب وعفيفة اسكندر وجان دمو وعبد القادر الجنابي وامير الدراجي وسركون بولص وجاسم المطير وخالد المعالي وغيرهم من عشرات المثقفين العراقيين الذين لهم خصوصيات قلما نجدها عند غيرهم من مثقفي ليس العالم العربي بل العالم كله!!.. هذا كله لا يستقيم ابدا مع اولئك الجوارح الذين تكاثروا مع توالي الايام الحمراء والسنين الزرقاء من القرن العشرين وكانوا وما زالوا لا يعلموا ابسط اشكال الحياة، فكيف بهم يفقهوا ليس اسرار ثقافة الصعلكة العراقية، بل ولا يدرون ابسط المعلومات عن بيئتهم الجميلة التي غدت خرابا يبابا بعد ان طارت الطيور البيضاء او ذبحت العصافير في بلاد ما بين النهرين.. وما دام الناس يروحون ويغدون.. يمشون ويأتون يقعدون ويدورون وهم يبكون وينوحون، يغّنون ويتساءلون كل واحد منهم: شنهو الراي.. دليني.. شنهو الراي.. دليني!! فمتى يدرك العراقيون طريقهم نحو الاتي؟؟ متى ينتصرون بصناعة تاريخ جديد لهم؟ انني اعتقد اعتقادا راسخا أن العراقيين لو نجحوا في ذلك واستجابوا لتحدياتهم القاسية لصنعوا لهم الاعاجيب مما لا يمكن وصفه ابدا.

الرئيس حسني مبارك والعراقيين
يوم امس، جلست اراقب لقاء تلفزيونيا على احدى المحطات الفضائية وقد شدّني جدا حوارا كان يجري مع الرئيس المصري السيد حسني مبارك، وطبعا لا يمكن ان يمضي الحديث من دون التطرق الى العراق والعراقيين.. لقد وجدت بأن الرجل يدري ما الذي يقوله بشأن العراقيين الذين وصفهم كونهم من اصعب الناس، وانه عاش بينهم في زمن مضى لمدة شهرين او اكثر في قاعدة الحبانية الجوية عندما كان طيّارا وعرف حقائق لم يدركها غيره.. قال: ليس هينا ابدا التعامل مع العراقيين، انه شعب متنوع ومتعدد وصعب الطباع. وعّلق قائلا بأن العراقيين يتصفون بالعناد والكبرياء والعنجهية ولا يمكنهم ان يستمعوا ابدا الى أي عربي ينصحهم! ولا يمكنهم ان يتقبلوا ابدا حتى شرطي عربي في شوارع بغداد ينّظم عملية السير!! الى هنا واقول بأن الرئيس المصري قد صدق واصاب كبد الحقيقة التي لم يدركها بعد غيره من الزعماء والشعوب العربية.. وكم تمنيت وانا اسمعه، لو عرف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر خصائص العراقيين كما عرفها الرئيس مبارك، لكان تاريخ العراق سيأخذ له مسارات من نوع آخر! وكم اتمنى على الكتاب والاعلاميين والمفكرين وجملة هائلة من المثقفين العرب الذين يكتبون عن العراق، ويشركون انفسهم في ان يقاسموا العراقيين ( الرأي ) في مسألتهم وقضاياهم لو ادركوا ما قاله الرئيس المصري حسني مبارك وعملوا به لنفعوا العراق والعراقيين نفعا كبيرا.. وعليه، فلا يمكن ابدا ليس على ضوء ما ذكره الرئيس مبارك، بل على ضوء قناعاتي الراسخة وخبراتي المتواضعة في شؤون العراقيين وتواريخهم السياسية والاجتماعية، اقول بأن العراق بحاجة الى عمليات جراحية جد معقدة لاجراء التحولات التاريخية فيه.

الخصوصيات الصعبة
ربما لا نغالي ابدا ان قلنا ونحن نشارك توصيف كل من: علي الطنطاوي وزكي مبارك وغيرهما قديما بأن العراقيين لهم طيبتهم، وحسن معشرهم، وقوة ارادتهم، وكرم ضيافتهم.. ولكنني اقول بأن لا يمكن اهمال شراسة رد فعلهم ومضي عزمهم، واستبدادهم برأيهم وقوة مناوراتهم، وتشابك خلافاتهم، وسرعة انزعاجاتهم، وحدة عواطفهم.. نعترف دوما بأن العراقيين اناس لهم خصوصياتهم التي من الصعب استيعابها وادراك ما تتضمنه من التناقضات! ان العراقيين نسيج كله الوان تراها مرة داكنة ومرة فاقعة ومرة اخرى باهتة.. للعراقيين فضاءات متعددة لا يمكن سبر اغوارها بسهولة ويسر، وهم انفسهم صعب عليهم جدا ان يستكشفوا مجاهيلهم المغلقة، الا من اراد ان يتأمل قبل ان يتّقول.. ويتعّلم قبل ان يمضي الى حيث الجنون..
والجنون العراقي فنون في اغلبه الاعم.. ان العراقي قد يهذي ويتفاخر، إلا انه قد ينكر ما قاله اليك اذا وجدك ضعيفا امامه.. ويعاند ويكابر اذا وجدك قويا صارما ازاءه.. انه مستعد لأن يغير اتجاهه 180 درجة ويدور دورة كاملة اذا احس بأن الامور لا تمشي كما هو يريد لا كما يريد المجموع العام، فالنزعة الفردية قد يؤلهها في الكثير من الاحيان على حساب المطاليب الجماعية لأنه لا يؤمن بالتوافقية ابدا، وان رضخ للامر فمن الصعوبة بمكان ابقاءه ضمن اي فريق لمدة من الزمن.. صعب عليه جدا ان يعمل جزءا من منظومة او واحدا من فريق عمل برغم ما يعلنه مرارا وتكرارا فالتسّيد عنده شيىء بالغ الاهمية، على الرغم من قناعته باهمية ذلك، ويبدو دوره السيميائي واضحا في تجاربه التاريخية العاصفة، فهو من اذكى انواع البشر في تمييز الاشياء او حتى في توليدها، ولكنه لا يقبل الفصل بسهولة بين الاشياء والمعاني.. ولا يمكنه ان يركن بهدوء الى الاخر، فالاخر عنده ند له لا يمكن ان يصغي اليه، او على الاقل ان يشاركه العلاقة بين العلامات والأعراض! وعليه، فهو يبدو على الرغم من ذلك اكثر من محض سيميائي، مستعد لتوليد التناقضات دوما حتى وان كانت من دون مسّوغات حقيقية. اذا انحدرت الى الجنوب وجدت حكي الناس كله شعرا يعيشون فضاءات وخيالات خصبة وحسن الوفادة باغنيات رائعة لا تشبع منها، واذا صعدت نحو الشمال وجدت الناس عمليون وبراغماتيون يجيدون توظيف الامور، وفن الطهي، وحسن التعايش وروعة الالتزام.

هل من استعادة للعراقيين الحقيقيين؟
إن العراقي الحقيقي هو ذاك الذي عرفناه في القرن العشرين، اذ لا يمكن ان نجد اجيال العراقيين متشابهة في كل معطياتها على امتداد الزمن.. وطالما اقول، بأن العراقيين الكلاسيكيين الاوائل الذين بنوا اولى حضارات الدنيا قد ذابوا وانصهروا نتيجة التبدلات السكانية والانسحاقات التاريخية التي مرت بالعراق على امتداد تضاعيف الزمن. لقد كان من سوء قدره او من حسنه ان يقع العراق في قلب العالم، فانصهرت في بودتقته اقوام وملل واجناس وشعوب وثقافات وتقاليد وجعلته خليطا متنافرا غير متجانس ابدا حتى في قيمه ولغاته وامزجة سكانه واطباعهم وتصرفاتهم وذهنياتهم وعواطفهم.. ان ما بقي من اصول عراقية قديمة لا يمكن ان تستوي ابدا مع اغلبيات توزعت هنا وهناك من ارض العراق المتنوعة.. واذا كان التنوع الجغرافي قد اثر تأثيرا بالغا على نوعيات السكان، فلم يكن للعراق سياسات ذكية حقيقية مدركة لواقع ملموس كان بامكانها ان تعالجه قبل مستهل القرن الواحد والعشرين معالجات رائعة من خلال مشروعات حضارية يمكنه ان يستجيب لتحدياتها والوانها بحكم تنوعاته واطيافه.
ان كل حكام العراق المعاصرين في القرن العشرين باستثناء الملك فيصل الاول قد وجدوا في العراقيين صنفا واحدا تعاملوا على اساسه من خلال مظهر لا يستقيم ابدا مع الحقائق على الارض، فكل الحكام ابوا الا ان يجعلوا شعبهم ( عظيما ) وهم يخاطبونه ليبعثوا فيه الامجاد في الظاهر، ولكنهم كانوا يسحقونه في الخفاء!! كلهم كانوا قد منحوه (حبهم ) في الظاهر، وفي الخفاء كانوا يطعنونه طعنات نجلاء لا ترحم.. كلهم كانوا يعلمونه ويخاطبونه بأنه شعب الذرى وشعب آل البيت وشعب عظيم وشعب أبي وشعب طهور وشعب مقدام وشجاع.. ربما كانوا صادقين مع انفسهم لأن اغلبهم من الجهلة والمغفلين، ولكنهم كانوا يخدعونه خداعا كبيرا.. والشعب المسكين لا يرى في ذاته الا ترجمة مغشوشة لابائه وعزته وكرامته وهو منسحق وملاحق ومضطهد.. جعلوه وهو في ادنى درجات التخلف والبلادة وكأن ذلك كله الرمز الاسمى والمثل الاعلى لشعب ( متحضر ) كونه مؤسس الحضارات البشرية الاولى.. وفي الواقع، يبدو انه شعب عاطفي الى درجة الغليان اذ يمكنه ان يقتل في فورة الغضب وعندما تحين ساعة الحقيقة تجده لا يدري ما العمل؟ واستطيع القول، انه الشعب الوحيد في هذا الوجود الذي ملك اثمن بلاد في العالم وكان لابد ان يكون اغنى شعب في العالم، وعاش طوال قرن مضى جهولا بحقائقه الجغرافية وموارده الاقتصادية وكسيحا ومنهوبا ومحاربا ومنهوكا ومحطما وسجينا مقهورا.. ولقد ازدادت تناقضاته في العقود الاربعة الاخيرة من القرن العشرين، بحيث اختفت مجموعة هائلة من القيم والتقاليد الاصيلة التي عاش عليها احقابا طويلة من الزمن، كما واختفت ايضا معالم بدايات النهضة الثقافية والادبية والفنية التي خرجت بها نخبه المثقفة العليا في الاربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن العشرين!

العلة مّنا وفينا
العراقي، النجيب، الاصيل، البليغ، الفنان، التحفة والوردة العالمي.. كلها صفات يلصقها به ابناؤه الذين يرونها في جزء منهم وتختفي من ذاكرتهم اجزاء اخرى! ربما كانت تلك هي صفاتهم لو تجانس العراقيون في ما بينهم ليس على اساس الملة او الدين او المذهب او الطائفة او الحزب.. كما كان قد حصل في النصف الثاني من القرن العشرين، وهو حاصل اليوم، لقد اختفى التجانس – ويا للاسف - حتى من العائلة الواحدة.. بحيث وقعت بأيدينا امثلة حقيقية، اذ وصل الامر ان يوشي الاخ البعثي باخيه الشيوعي، وان تتجسس زوجة على زوجها لارتباطها بجهاز المخابرات، ويقتل اب ابنه حتى الموت ابان حرب ايران، ليس بسبب هروب الابن من الحرب كما هللوا له وكبروا، بل بسبب القبض على حفنة من مال!! وكم غدر صديق بصديقه لاحقاد تتراكم من دون علاج! اننا كعراقيين نتكلم بطلاقة بيننا وبين انفسنا عن كل فجائعنا وجراحاتنا وندرك ادراكا ذكيا ان " العلة مّنا وفينا " ولكن عندما نلتقي مع آخرين من عراقيينا نبّدل موجتنا الى الوراء 90 درجة، فنتفاخر باخلاقنا واصولنا وعظمة حضاراتنا واخلاقنا الخارقة.. وكل ما لدينا من فجائع نضعها كلها فوق ظهر الاستعمار والاجنبي!!
منذ ان وعيت، وانا اسمع بمصطلح " الطائفية " في العراق وكل من تسأله يلعن ابو الطائفية وعندما تخترق اعماقه تجد في وعيه الباطن تراكيب سايكلوجية مخيفة، فهو يقدّم ابن طائفته عليك، وهو يقّدم ابن قريته او عشيرته عليك! وهو لا يعرف من الوطن العراق الا اسمه! وان سألته سؤالا عابرا عن سر ازدواجيته، طاش عقله، وانتفخت اوداجه، وطار سهمه، وغدا احمقا كي يقّدم لك محاضرة في الوطنية العراقية او القومية العربية او الديانة الاسلامية! ان سذاجته ترّسخ في نفسه مرضا يجعله يعتقد ان غيره كلهم من الساذجين المغفلين.. وكان صدام حسين نموذجا لهذا المناور الصولجان الذي يصدق اكاذيبه.. فكيف بنا نتخيل كم هي حصيلة المدرسة التي ادارها صدام حسين بكفاءة عالية لخمس وثلاثين سنة مما تعدون؟؟

متى يترك العراقيون التركة الثقيلة؟
نحن حينما نقرأ لأي عراقي بعض حقائق وشواهد لا يأتيها الغبار ابدا تجده ينزعج بل ويبدي من سيئاته ما يشاء وسلاحه القذف والشتائم.. انه يرى في ابن وطنه الغريب الحقيقي عنه قد يمقته وقد يتعالى عليه وقد يوشي به وقد يستهلكه وقد يتشاءم منه ووصل الامر حد الخوف منه او الارتعاب حتى من لقياه والتعرف به، وكل الحق كان معه لأن اي عراقي كان معرضا للملاحقة والمساءلة او حد قهره ومحقه من الوجود! وعليه تجده امام الغريب ذليلا منكسرا، تجده يلحق هذا وذاك كي يجد بغيته عنده.. نراه يواجهنا في مناصبه وظائفه وعلاقاته وكتاباته بالجديد والغريب الذي تستحدثه انطباعات،وتفرزها تراكمات من الامراض ونفعل ما تفعله بقية الشعوب.. أي نقرأ من المألوف إلى الغريب ولا نقرأ من الغريب الى المألوف. الالفة بين الناس المتكافئين من العراقيين موجودة وقد تصل حد العشق ولكن يا ويلها ان انقطعت وما اسرعها ان تنقطع، فان انقطعت فسيرى الانسان ما لا يسره ابدا! ولكن لابد من القول، ان اي علاقات اجتماعية لا يمكنها ان تتوثق الا لم تجد هناك ثمة مقاييس وتوازنات وتكافؤات في المستوى او الطائفة او الثقافة او الطبقة.. الخ ربما تغّيرت الاوضاع الاجتماعية اليوم كثيرا ليس بسبب عوامل متقدمة في التقدم الاجتماعي، بل بسبب الحروب المضنية التي عاشها العراقيون منذ اكثر من ثلاثين سنة.
اننا حينما نتأمل ما يحدث في العراق اليوم، فنحن لا نستطيع استغلال معرفتنا بالواقع المزري الذي يريد البعض وخصوصا من الساسة الجهلاء والاعلاميين التافهين ان يكسوه بالاغطية غير النافعة فهي اشبه باغشية تجد اوضاعنا المزرية تتحرك بشكل كارثي من دون ايقاف هذا الانحدار المؤلم.. ماذا يقولون؟ يقولون: اننا مجبرون على الانتهاك وتجاوز حدود العقل وفسح المجال أمام أنفسنا للسقوط في غياهب كل السيئات.. لأننا لم نجد من يقودنا في الحقيقة بعد زوال الطاغية الجلاد! ولأننا نريد العيش لا كما نتوهم او كما توهمنا المبادىء، بل لأن المبادىء لا تطعمنا ولا تسقينا! الكل يسرق فانا معهم سارق، الكل يسلب ويختلس.. فهو منهم يسلب ويختلس.. الكل ينهش في الاخر، والاخر ينهش او يموت! فهل هناك اهم من القانون والعقوبات كي تعالج وتستأصل؟ ان الامور لا تستقيم اذا بقي الوضع فوضى لا تعرف بداياتها ولا نهاياتها..

العراقيون والعرب
ونظرا لكوني مواطن عراقي امقت كل من الفكر الشوفيني وتطبيقاته الدموية، وانني اكتب بعد الحقبة البعثية وقبل ان تفرض على انفاسي اي حقبة مستبدة اخرى، فانني افترض أن أكون مشخصا موضوعيا لا سيميائياً مرمزا. فما الذي يمكن أن تجده في العراق خلال هذه الحقبة التي تتلو كل عهود القرن العشرين بحلوها ومرّها عدا ما ذكرناه؟ إن افتراضا من هذا النوع يثير مشكلات ومعضلات كثيرة. وقد تفيدنا مثل هذه الرؤية في القراءة فائدة كبرى وفي حالات معينة، لكنها تخذلنا في حالة علاقاتنا بالاخرين، وخصوصا اخواننا العرب الذين لهم تفكيرهم عنّا نحن العراقيين بين السلب والايجاب، ولكن لابد ان يدرك كل العراقيين، وخصوصا المخدوعين منهم بأن الذي يهمهم حتما مصالحهم من خلال انسجامنا مع عروبتهم قبل ان نكون متوافقين مع عراقيتنا. ان هذه المسألة الشائكة هي التي ضيعتنا ازاء اخواننا العرب الذين تعلموا من العراقيين انفسهم كيف يصنفوننا ويكتبون عّنا ويحكمون علينا خصوصا بعد ان اصبحنا قصة على افواه الجميع.
ان من ابرز اخطاء العراقيين على سبيل المثال لا الحصر، اطلاق شعارات لا وجود لها في الواقع على الاطلاق، وحتى ان وجدت، فهي لا يمكن ان تمثّل اجندة قديمة في هذا العصر، فالعراقيون جازاهم الله خير الجزاء اشاعوا – مثلا - مسألة الشعوبية باعتبار ان وجودها تحصيل حاصل ما دام له جذورها منذ اكثر من الف سنة في العراق! ولم نزل نسمع من هنا وهناك من يقول بالشعوبية داخل العراق، حتى وصف الزعيم عبد الكريم قاسم بالشعوبي كونه زعيم وطني قدّم عراقيته على عروبته! والقوميون العراقيون اضروا بالعراق واساءوا للعراقيين من دون ان يفحصوا مواريث بيئات عربية اخرى ليرى ما الذي فيها من موبقات ومثالب! لقد سمعنا بالانفصاليين السوريين وبالانعزاليين اللبنانيين، ولكن لم تصل القساوة حد ما وصلت ازاء ( الشعوبيين العراقيين )!! واسأل: اذا كان بعض العراقيين يميل إلى ملاءمة المقولات بينما لا يفعل الاغلبية ذلك. فهل سنجد الشعوبية قائمة وحية ترزق في كل انحاء العراق وعند كل العراقيين؟ واذا لم تكن هناك اجندة سعت لترويج الظاهرة بين العراقيين في القرن العشرين، فهل وجدناها في القرن التاسع عشر مثلا؟ او هل وجدناها عن العراقيين على امتداد اربعة قرون من تاريخ العراق الحديث والصراع العثماني الايراني قائم على قدم وساق؟ هل فّكر الشوفينيون العراقيون ان يقدّموا العراق على فاشيتهم؟ لا ابدا، وما زالوا حتى اليوم يقدمونها على عراقيتهم وهم يتبجحون باسم العراق ويتباكون على العراقيين.

وأخيرا: ماذا اقول بعد هذه الجراحة الدقيقة؟
ان مواريث العراقيين السياسية والفكرية والادبية التي انتجت في القرن العشرين لابد ان تدفعنا بعيدا عن المألوف باتجاه الدواخل السايكلوجية والعلاقات الاجتماعية فهي التي تنتج دوما الاوضاع السياسية في العراق، ويكون اغلب الجيل الجديد عارفا بالسور المتين الذي يحيط بما لدينا من خزين العادات والسلوكيات المألوفة، والذي لا تنحل أواصرها، ولا تتفكك عراها بسهولة ابدا. نحن في مستهل عصر جديد وتسجيل تاريخ جديد.. دعوني اتفاءل معكم ولو قليلا خصوصا وان اغلب العراقيين الذين يريدون ان يبصروا النور، تجدهم فرحين مستبشرين بدخولهم العملية السياسية لاول مرة بعد قرابة نصف قرن من غياب الحياة النيابية وتداول السلطة.. ولكن لابد ان تكون لنا نحن العراقيين عملية تاريخية، نستخدم فيها اجندة من نوع آخر في كيفية خلاصنا من ركام الامراض والخطايا العالقة.
ان القانون سيعالج كل الاوضاع السيئة بما فيه تحقيق ما يمكن تحقيقه من العدالة، وان التربية والتعليم باساليبهما المتطورة يمكنهما ان يّغيرا الكثير ليس بتقديم وجبات عادية وجرعات انقسامية، بل بصناعة انسان عراقي متحضر وجديد. ان المشروعات الجديدة لابد ان تخدم كل العراقيين بالعدالة والمساواة والانفتاح على كل العالم سواء على مستوى الخدمات واعمار البلاد، او تحقيق الرخاء والتنمية الثقيلة.. مع ثورة ثقافية تؤهل المبدعين العراقيين على مستوى العالم.. وسيزيد ذلك كله من الاستقرار. ان الدستور اي القانون الاساسي للبلاد لابد ان يكون مدنيا مؤهلا للعراق وللعراقيين كلهم بعيدا عن اي ركيزة تخدم تفكك العراق لا وحدته. اننا بحاجة الى اعادة التفكير بالذهنية المسيطرة. ان العراقيين مدعوون كي يفكروا بعراقيتهم قبل اي انتماء آخر وقبل تقديم اي بدائل مستهلكة او شعارات بالية، فهل سيتمكن كل العراقيين الخروج من عنق الزجاجة الضيق بسهولة ويسر؟ هذا ما لا اتوّقعه ابدا بمثل هذه السرعة، فالامر يحتاج الى سنوات طوال والى اجيال واجيال.. وهل سيقوم العراقيون باشعال الشموع ويتبدلوا من احوالهم السيئة الى احسن حال؟ هذا ما يتأمل كل عراقي حصوله في اقرب الاجال.